العلاقة الزوجية مثل رصيد مالي تحرقه المشكلات وسوء التفاهم، حتى يصل الاثنان إلى الإفلاس ونقطة اللا عودة
الأسرة هي المؤسسة الأولى المسؤولة عن إعداد الطفل ليكون عنصراً صالحاً فعّالاً في المجتمع، ولكن لا تخلو أي أسرة من وجود مشكلات عديدة لسبب أو لآخر، وبدرجات متفاوتة، وقد تؤدي هذه المشكلات إلى تفكك الأسرة وانفراط عقدها، ولكن إذا تم تشخيص الداء.. سهل وصف الدواء؛ لذا كان لابد من التعرض لبعض المفاهيم التي غابت عن حياتنا الأسرية التي على أساسها تبنى العلاقات السوية وتستمر، ونتناول ذلك في سلسلة أسبوعية نحاول من خلالها تسليط الضوء باختصار على كل مفهوم لعله يكون طوق نجاة لكثير من الأسر التي غابت عنها هذه المفاهيم، ونتناول اليوم آخر مفاهيم هذه السلسلة وهو (السعادة الزوجية).

السعادة الزوجية هي الرضا النفسي، وتكمن في :
قبول كل طرف للآخر ضمن إطار الرضا والقناعة؛ فسعادة الزوجين عنوان لحياة أسرية مستقرة فهي أمر ضروري لطليعة الإصلاحات التي ينبغي المباشرة بها لإيجاد جو ملائم لتتخلص الأسرة من حالة الانفصال الراهنة التي تجعل لكل فرد فيها عالمه وعلاقاته الخاصة الناتجة عن تزاحم أعباء الحياة؛ مما جعل الأسرة محملة بالهموم حتى أصبحت السعادة ليست سوى ترفيهه لا يتناسب مع مستواها وقدراتها المادية، ونسوا أن السعادة ترتبط فقط باستعداد الفرد ليكون سعيداً حتى وإن كان لا يملك شيئاً.
المرأة الصالحة أساس السعادة الزوجية
أنتِ مفتاح السعادة وليس لزوجكِ بعد تقوى الله -عز وجل- من مطلب وغاية إلا أنتِ سروره أن ينظر إليكِ، بكِ يتحصن من الشيطان، ويدفع غوائل الشهوة، ويغض البصر، ويحفظ الفرج، ويروح النفس؛ فالمرأة الصالحة طوق للنجاة، والدين جاء لسعادة البشر ولانتفاء الشر عنهم والضرر وذلك في كل جوانب الحياة، ومن تلك الجوانب سعادة الأسرة فقد بناها على مقومات السعادة وهي المودة والرحمة والسكن فلا سعادة بلا مودة وسكينة وتراحم قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (الروم: 21).
ثم إنه قد جاء بما يكون من روافد هذه السعادة وهي المرأة الصالحة فعن سعدبن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء» رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» رواه مسلم.
قواعد للسعادة الزوجية
العلاقة الزوجية مثل رصيد مالي تحرقه المشكلات وسوء التفاهم، حتى يصل الاثنان إلى الإفلاس ونقطة اللا عودة، ولذلك أقدم بعض النصائح لكل زوجين يرغبان بإرساء قواعد السعادة في بيتهما؛ فالسعادة الزوجية مطمح لكل زوجين لكنها لا تكون إلا بأسباب يمكن من خلالها أن تكون الأسرة سعيدة:
- الانفصال الوجداني عن عائلة الطفولة لكي تكون قلبا وقالباً مع حياتك الجديدة وتضع خطوطا أخرى لها.
- الارتباط الحميمي بين كلا الطرفين بالتقارب الفعلي مع الحفاظ على حدود بسيطة تحمي استقلالية كل طرف.
- التعامل مع الاختلاف في الشخصيات بشيء من الحكمة بتقبل وجهات نظر بعضهما.
-المسؤولية مشتركة: الرجل مسؤول عن بيته مأمور برعاية أحوالهم وإقامة شؤونهم، والمرأة كذلك تشاركه المسؤولية، فهي ترعى بيتها، بتدبير أموره ورعاية أولادها والنصيحة لزوجها في كل ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (الصحيحين).
- الحرص على توفير وقت كافٍ مع شريكك، امنحها جزءاً من وقتك تنتبه إليها كلياً دون أن تكون على عجلة من أمرك، ولا أن تكون مشغولاً عنها، وهذا يمتّن العلاقة بينك وبينها.
- الحوار والاتفاق من أهم سمات سعادة الزوجين، فالنقاش المفتوح بين الزوجين من الأمور المهمة؛ لأنه يصل بهما إلى أسلوب جديد يجعل الطرفين يقبلان الأمور بكل سهولة ويسر.
- السيطرة على الخلافات بالمرونة في التعامل كتغيير الموضوع، التراجع، أو إدخال روح الدعابة لأخذ فرصة للهدوء.
- التعبير الوسطي عن عاطفتك وشعورك تجاه شريكك، فينبغي أن يغلف الزوجان حالة من الدفء والحنان والحب والتفهم الدائم لكي تستمر حالة السعادة الزوجية مدى الحياة.
- إذا لم تجد ما تحب، فأحب ما تجد.. فالناجح الحقيقي هو من يصنع من الصخرة التي تعيقه سلماً يصعد عليه إلى السعادة، وهو من يتعلم كيف يصنع من الليمون الحامض شراباً حلو المذاق، فقبل أن تقول ليس هذا الشخص الذي كنت أبحث عنه، وليست هذه هي الصفات التي كنت أتمناها، انظر إلى الصفات الجميلة في شريك حياتك، وضخمها في نفسك وجمل بها صورة صاحبك، ثم اعزم تدريجيًا على تغيير الصفات السيئة التي لا تعجبك، فالحياة السعيدة نحن الذين نسعى إليها، ونرسم ألوانها، وليست هي التي تأتي إلينا بأطيافها.
- تجنبا الغضب في الوقت نفسه واحرصا على التماس العذر، وتقبلاه بهدوء.
أسس السعادة الأسرية
- تكامل الأسرة من أب وأم وأبناء وأقارب.
- تماسك الأسرة واستقامتها يضفي السعادة والراحة النفسية لأفرادها فكرياً ومعنوياً.
- توافق الآباء واتفاقهم على طريقة واحدة في التربية وهي القدوة والموعظة الحسنة.
- الوسطية في الرعاية والاهتمام، فمبالغة الأسرة في رعاية الأبناء والخوف الزائد يؤدي إلى تنشئة طفل غير سوي كالإهمال تماماً.
- مراعاة إمكانيات الأبناء وتدعيمها واحترامها واستغلالها والعمل على دعمها ليتيح للطفل التعبير عن نفسه.
- التشبع العاطفي والمادي والصحي ويتحقق هذا الإشباع من خلال ما توفره الأسرة للفرد من قدرة على الاستجابة ومرونة في التعامل، وليؤدي ذلك إلى أثر إيجابي لا بد أن يتميز بقدر معتدل من الاستمرارية والتوازن.
- فتح قنوات المصارحة والحوار الهادئ بعيدا عن القسوة والصرامة وهو النمط الذي يعتمد عليه الآباء لفرض الرأي والوقوف أمام رغبات الأبناء دائماً؛ مما يؤدي إلى الخوف المفرط من هذه الصرامة والتعاسة وضعف الثقة بالذات نتيجة تكرار العقاب.
- التقدير والاحترام بين أفراد يؤدي إلى جو أسري تسوده المحبة والألفة والسعادة، وهو من أهم الطرائق إلى السعادة الأسرية.
أثر السعادة الزوجية على تربية الأبناء
الحب والود بين الإخوة هو نتاج العلاقة بين الأبوين؛ فكلما كانت العلاقة بين الزوجين قائمة على الحب والمودة والتفاهم والعدل واكتملت بالسعادة الزوجية كلما أنتج ذلك أسرة لا مثيل لها، ولكن تحتاج السعادة الزوجية إلى جهد دؤوب من الزوجين لتحقيقها فهي إحساس ينبع من داخل الإنسان يشعر به بين جوانبه، فهي أمر معنوي لا يُقاس بالكم ولا يشترى بالمال، بل هي صفاء نفس وطمأنينة قلب وراحة ضمير وانشراح صدر، تؤدي إلى تماسك الأسرة؛ مما يخلق جواً يساعد على نمو الطفل وإشباع حاجته إلى الأمن النفسي والتوافق الاجتماعي ليصبح شخصية متوازنة. والسعادة تجعل الأطفال أكثر استجابة للتوجيهات من أطفال الأسر غير السعيدة، فالأسرة هي دائرة الأبناء وحصنهم الحصين وركنهم المتين، ولا استقامة فيها إلا وكان محيطها السعادة والاستقرار؛ فالسعادة الزوجية هي جنة الأحلام التي ينشدها كل البشر.
والقاعدة العامة أيها الإخوة، يجب على الزوج أن يخطو نصف الطريق، والزوجة نصف الطريق، لكن لا يوجد إنسان مهمل مقصر سيئ، وينتظر من الطرف الآخر أن يأتي إليه، هذه مشكلة المشكلات، خطوة منك وخطوة منها تلتقيان في وسط الطريق، أما إذا لم تقدم شيئاً، وتنتظر منها كل شيء فهذا مستحيل، لا تقدمِين شيئاً، وتنتظرين منه كل شيء.
ونتذكر دائماً أن القلوب بيد الله، فلتلجأ إليه بالدعاء في الأسحار: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } (الفرقان: 74).
منقول / مجلة الفرقان
الكاتب : إيمان الوكيل

JoomShaper