سحر المصري

الزواج ميثاقٌ غليظ ووثاق متين بين شخصَيْن ارتضيا مشاركة الحياة مع بعضهما البعض.. ولأن قرار الزواج هو من أخطر القرارات التي يتّخذها الإنسان كان من الواجب العناية بدراسته دراسة عميقة ووافية.. وقد بيََن الشرع القويم أحكامه وأوضَح مراحله ابتداءً من الخِطبة مروراً بالعقد وانتهاءً بالنّكاح..


إلاّ أنّه لا يزال هناك بعض لَبْسٍ أو جهل في أحكام الشرع والأمّة منقسمة بين إفراطٍ وتفريط، وغلوّ واستهتار.. ومن هذه الأمور بعض ما يتعلّق بالخِطبة ومفهومها وما يصح فيها وما يُحَرّم..

فهناك فئةٌ لا تقتنع بالخِطبة وتعتبرها حرفاً زائداً في كتاب النّكاح فتحرق هذه المرحلة بحجّة أنها مدعاة للفتنة.. وبنظرها يكفي أن يسأل الأهل عن الخاطب وعن دينه وخُلُقِه ووضعه بشكل عام فإن كان مناسِباً قبلوا به ليعقد مباشرة على ابنتهم دون حتى أن تجلس معه لتنظر في أمرها: هل هو مناسب لها وكفء لها أم لا؟! وهل أفكاره وطموحاته وأهدافه متجانسة معها أم لا! وهل شعرت بالقبول المبدئي تجاهه أم لا؟! وبحجّة أن الأهل يعلمون مصلحة ابنتهم أكثر منها وأنهم الأقدر على اختيار من يناسبها وأنهم “ملتزمون بالشرع” تُحرَم الفتاة من أبسط حقوقها في الاختيار والتفكير والقبول أو الرفض.. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: “إذا خطَبَ أحدُكُم المرأة فَقَدِرَ أن يرى منها بعض ما يَدْعُوهُ إليها، فليَفعَل».. وكلمة رأى هنا ليست مقتصِرة على الشكل وإنما على العقل والفِكر أيضاً وهذا يكون خلال جلسات التعارف في فترة الخطبة.. أما أن يقول البعض أن ذلك يحدث بعد العقد فكيف سيكون الوضع إن تم العقد وتعرفت عليه فلم يكن مناسباً فطلقته لتخطب غيره وتتعرف عليه بعد العقد ولا يكون مناسباً فتطلقه أو تخلعه وهكذا حتى تجد الزواج المناسب.. وكذا بالنسبة للشاب! فهل هذا معقول ومنطقي؟!

والإسلام العظيم قد فصَّل كل شيءٍ وتركنا الحبيب عليه الصلاة والسلام على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها ولم يترك أمراً من أمور الدِّين إلا وبيّنه بفضل ربي جل وعلا ورحمته.. والتشدّد والتنطّع لم يكونا يوماً مقبولَيْن من الشرع الذي نجعله شمّاعة لأفكارنا ومعتقداتنا وجهلنا وأهوائنا حتى المتشدّدة منها.. فقد أباح الشرع أن تجلس الفتاة مع الخاطِب وتحاوره وتناقشه عدّة مرّات ولكن اشترط أن لا تكون هناك خلوة بينهما فيمكنهما مثلاً الجلوس في الصالة والباب مفتوح.. ولا داعي لأن يبقى معهما أحد من الأهل لئلاّ يُحرَجان ولا تؤتي الجلسة أُكُلها فيكفيهما من الحياء ما هما فيه دون إضافة مؤثّرات تزيد من حِدّة التوتر عندهما.. وهذه اللقاءات هي أساس بناء الحياة المشتركة بينهما وسرّ نجاحهما المستقبلي ولذلك يجب أن تكون الدراسة وافية لكل النواحي دون إغفال الاستشارة والاستخارة والتفكير العميق..

ومقابل هذا التشدد نجد مَن يترك الحبل على الغارب فلا احترام لحرمة الدِّين ولا ضوابط ولا حدود بل انحلال وتفلّت.. وترى الخاطِب في فترة الخِطبة وقبل العقد يختلي بخطيبته ويخرج معها ويكلّمها بما شاء ويتفنّن بالتغزّل بها وربما تعدّى الأمر الكلام إلى الملامسة المحرَّمة كلّ ذلك بحجّة أنها خطيبته! وهذا كله حرامٌ في شرع الله جلّ وعلا.. فالخِطبة ليست إلا وعداً بالزواج وهي لا تحِلُّ ما حرّم الله بين الفتاة والأجنبي ولا تُصبِح الفتاة حِلاًّ للخاطِب إلا أن يعقد عليها فيحق لهما حينئذٍ ما يحق للأزواج ما عدا البناء فهذا لا يكون إلا بعد حفل الزفاف كما جرى عليه العرف..

ولا حرج أن يتكلم الخاطب مع الفتاة على الهاتف أو يكون التواصل بينهما عبر البريد الالكتروني أو العادي خاصة إن كان على سفر ويصعب عليه القدوم إلى بلد الفتاة ليتعرف عليها أكثر.. على أن يُتّقى الله جل وعلا وتقتصر الرسائل والكلمات على ما يفيد ولا حرمة فيه.. فلا حب ولا غزل ولا كلام معسول فكل هذا محرّم في هذه المرحلة عدا عن أنه يؤثّر تأثيراً سلبياً على القرار لأن العواطف حين تتأجّج تعمل على تغطية العقل فتُعمى الأبصار عن العيوب وتسبح الأفكار في عشق المحبوب ولا يصحو المرء من غفلته إلا وقد وقع الفأس في الرأس ولات ساعة ندم!

وقد تطول مدة الخطوبة لعدم استطاعة الخاطب الزواج فحريٌ به أن يلتزم شرع الله جل وعلا وينضبط بأحكامه.. فإن شعر بأن العواطف قد التهبت وأنه ضعُف ولم يعد باستطاعته السيطرة على نفسه وسيقع فريسة مشاعره ليبدأ بالملامسة والبوح فعليه أن يستأذن الأهل بالعقد وحقّ على الله أن يعين شاباً يريد النكاح.. وأحياناً بعض الفتيات لا يصدّقن أنّ هناك شاباً يريد الارتباط الشرعي بهنّ فيغيِّبن العقل تماماً ولا يكون هناك في هذه الفترة إلا حب وهيام وشوق ملتهب وأشعار مسطّرة على جمر النار! وهذا حرامٌ إلا أن يكون مؤطّراً بالرباط الشرعي المعروف بالعقد أو كتب الكتاب.. وأربأ بالشاب أن يتقدّم للخطبة من الأصل وهو غير قادر على الباءة فالرسول صلى الله عليه وسلم قال “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج” فمن لم يستطع فليصُم وليدعو الله تعالى بالتيسير وليعمل على تأمين مسلتزمات الزواج ثم ليتقدّم للفتاة فهذا أفضل وأولى..

وهناك من الناس مَن لا يقبل بأن يعقد القران إلا ليلة الدخلة خوفاً من تمادي الخاطبَيْن في العلاقة لتصل إلى منتهاها ولا حرج عندهم في الخلوة والخروج والكلام المحرّم  بين ابنتهم وخطيبها في فترة الخِطبة فالمهم أن لا يكون البناء وكل ما سواه لا بأس به وهذا أمرٌ غير مقبول..

وفي سياق آخر فقد يطرق الخاطب عشرات الأبواب ويمر على عشرات الفتيات حتى يصل إلى فتاته التي يريد.. وهذا في حدّ ذاته لا شيء فيه إلاّ أن نتخيّل حجم الألم الذي خلّفه في قلوب الفتيات اللواتي دخل بيوتهنّ ثم أعرض عنهنّ غالباً لمجرد شكلهنّ!.. فما كان يضرّ هذا الشاب إن حرص على رؤية الفتاة في الجامعة أو العمل أو السوق أو في أي مكان يمكن أن تتواجد فيه فإن أعجبه جمالها الخارجي دخل بيتها للتعرف عليها أكثر بعد أن يكون قد وجد في نفسه الراحة والقبول المبدئي.. فلو تكررت عملية رؤية الفتاة ثم الإعراض عنها فذلك لا شك أنه يؤذيها في نفسها إيذاءً كبيراً وقد تعزف عن استقبال الخاطبين خوفاً ورهباً من هذه المواقف المتكرّرة.. وهذا ليس بدعةً فقد قال جابر رضي الله تعالى عنه: “خَطبتُ جاريةً من بني سَلِمة، فكنتُ أختبئُ لها تحت الكَرَبِ، حتى رأيتُ منها بعضَ ما دعاني إلى نكاحِها فتزوَّجتُها”..

والغريب أن البعض يعتقد أنّ مجلس الخطبة يُعتَبَر عقد نكاح ثم يستغلّون الجهل بالأحكام عند العامّة وخاصة عند الفتاة نفسها ليُبيح لنفسه ما حرّمه الله تعالى عليه.. فالخطبة بمضمونها وآثارها هي غير عقد النكاح إجماعاً.. وفي النصوص الشرعية ما يسمّى “خِطبة” وآخر يُسمّى “عقد نكاح” ما دل على أنّهما متغايرين من حيث تعريف كلّ منهما ومضمونه ومن حيث شروط عقد النكاح وضوابطه المُحكَمة..

وهما وإن اجتمعا في الشكل –طلب وقبول وتحديد المهر ووجود الولي والشهود- إلاّ أنه لا يمكن أن نعتبر الخطبة نكاحاً.. فقد أوضح علماؤنا أن المهر ليس من شروط ولا أركان العقد وإنما من آثاره.. والإيجاب والقبول الحاصلان في جلسة الخِطبة إنما يتمّان على الخِطبة وليس على الزواج ونيّة العاقدين والشهود هي للخطبة وبذلك لا يقع الزواج.. ولو حصل فراق بين الخاطِبَين فهل يسمّى في هذه المرحلة طلاقاً ويتوجّب عليه تبِعات؟! وهل يحق للخاطب وحده إنهاء الخِطبة كما في الزواج؟ بالطبع لا! فإن كان الأمر كذلك فكيف يحق للخاطب في مرحلة الخِطبة أن يبيح لنفسه ما هو مباح للأزواج فقط؟

أحياناً كثيرة يجد المرء ثقلاً في تطبيق شرع الله تعالى بسبب البُعد الكبير عنه حتى بات الواحد يستغرب الأحكام ويجد حرجاً كبيراً في تطبيقها.. ولكن حريّ بنا أن نعود إلى الله تعالى وإلى الأصول الشرعية لأنّ المشرِّع هو أعلم بمن خلق وبما ينفعهم وبما يصلح لأحوالهم..

“أسلمة العادات”.. عبارةٌ فتنتني.. وسأُكرِّرها وأدعو لها بإذن الله تعالى حتى يطيب المجتمع بلذّة العودة إلى الله تعالى.. وحتى يفرح المؤمنون بالسكينة والسعادة والاطمئنان..

 

المصريون

 

JoomShaper