محمد السيد عبد الرازق
كان يسير بسيارته وحيدًا، ليس معه أنيس أو صديق، يسير بها على الطريق السريع، لا يعبأ بتلك السرعة الجنونية، وتلك السيارات التي يعبر بها في لمح البصر، دائمًا ما كان يسعى إلى هدف واحد، أن يحقق ذاته، وينجح في حياته، حتى لو صار وحيدًا.
وبينما هو غارق في أحلامه وحيدًا، شاردًا ذهنه مع تفاصيلها، إذ بسيارة تظهر فجأة أمام سيارته، يحاول تفاديها قدر استطاعته، يحرك عجلة القيادة يمنة ويسرة، يحاول أن يستخدم مهاراته في قيادة السيارة التي طالما تفاخر بها أمام الجميع، يبذل قصارى جهده في تفادي تلك السيارة، ولكن دون جدوى؛ اصطدم بها اصطدامًا مريعًا، وانقلبت السيارة عدة مرات، لتستقر على جانب الطريق، وألسنة اللهب بدأت في الاشتعال، وعامود من الدخان أعلن عن وجوده، فسد الآفاق بوشاح أسود.
خرج صديقنا من سياراته، والدماء بدأت تلطخ جزءًا من وجه وملابسه، خرج وبعض من الكدمات والكسور قد حازت لها مكانًا بين عظامه، خرج مترنحًا يبحث عن هاتفه المحمول بين بقايا سيارته، أو داخل ملابسه؛ فكانت المفاجأة أن يرى هاتفه المحمول سليمًا، ولكنه ملقى على جانب الطريق، جمع قواه، أو ما تبقى منها، وأسرع نحو الهاتف المحمول، أخذ يقلب بين الأرقام، ولسان حاله يقول: (أحمد، لا؛ فطالما أهملت طلباته، ولم أحقق له الخدمات التي أرادها منها).

أخذ يقلب مرة أخرى، فرأى رقم هاتف محمد، ولكنه سرعان ما تجاوزه لغيره، فقد حكى له محمد كثيرًا من مشاكله، ولكنه لم يقدم لأي منها حلول، وهكذا بدأ مخزون الأرقام في هاتفه ينفد، وبينما الأمل يتسـرب منه ويتصاعد إلى السماء؛ ليختلط بدخانها الأسود، إذا به يجد رقم هاتف صديقه محمود، فقال في نفسه: (نعم، هو ذاك، لقد قدمت له كثيرًا من الخدمات، ولزامًا عليه أن يحضر حالًا لمساعدتي).

اتصل بصديقه محمود، وما إن أتم الضغط على أرقام هاتفه، وبينما ينتظر الفرج الآتي، والمساعدة والنجدة المحتملة، إذا برسالة تخرج من هاتفه، رسالة ما كان يحب أن يسمعها في الأوضاع العادية، فكيف يسمعها الآن؟! إنها رسالة تخبره بأن رصيده قد انتهى، ولن يُسمح له بإجراء مكالمات هاتفية من محموله.

وحينها رمى صديقنا بالهاتف على الأرض فتكسر، وأخذ يموج شرقًا وغربًا، حتى إذا خارت قواه، جلس واضعًا كفيه على خديه، منتظرًا فرجًا ومعونة من الله تبارك وتعالى، ولكن متى وكيف سيأتي هذا الفرج؟ هل سيمكث أيامًا على تلك الحال؟! أم هل سيعرف بمكانه أحد وينقذه؟

هكذا سيمضي صاحبنا دقائق، أو ساعات أو بالكثير أيام، ولكن دعني أخبرك بالأمر الأخطر، ألا وهو أن هناك من البشـر من يقضون سنوات حياتهم المديدة بنفس الطريقة؛ فتأخذهم دوامة الحياة بعيدًا عن قلوب تحوطهم برعايتها، ونفوس تضمهم بعنايتها، فيشعرون أنهم قادرون على تحقيق النجاح وحدهم، ونسى هؤلاء أو تناسوا أن النجاح يعتمد على فريق من المساعدين، وأن منصة التميز تتسع للكثيرين، وأن شعار الإنسان في الحياة لابد وأن يكون: (أنا لست وحدي).

فوائد الاتصال بالآخرين:

1.نجاح أعظم:

فهناك دراسة تؤكد (أن هناك 15% من نجاح الشخص ترجع إلى معرفته الفنية، بينما 85% الباقية ترجع إلى المهارة في الهندسة الإنسانية، وترجع إلى الشخصية والقدرة على قيادة الناس) [كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي، المقدمة].

2.حياة أسعد:

بل لقد وصل الأمر "بزيج زيجلر" ـ أحد أكبر علماء التنمية البشرية في العالم اليوم ـ أن يعتبر أن من أهم أسس السعادة في الحياة هو العلاقات الشخصية، فيقول في كتابه الشهير "النجاح للمبتدئين": (لماذا يرتكز كتاب النجاح للمبتدئين على العلاقات الشخصية؟ لأنك إذا سألت ألف شخص عن أهم شيء يريدونه في الحياة؛ فيمكنني أن أضمن لك أن السعادة ستأتي على رأس القائمة بالنسبة لمعظمهم، وسل نفس هؤلاء الأشخاص عما يعتقدون أنه سيجعلهم أسعد الناس، وسوف تقول لك الغالبية العظمى: تكوين علاقات شخصية رائعة مع من أحب) [النجاح للمبتدئين، زيج زيجلر، ص(27)].

3.للناجحين أيضًا:

فكما يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (كلما ارتقى الإنسان في مدارج الكمال؛ زادت حاجته إلى الآخرين ـ على خلاف ما يتوهم ـ وصار المزيد من نموه واكتماله مرتبطًا بالمزيد من العلاقات الجيدة مع أسرته وزملائه وعملائه) [256 بصيرة في الشخصية، د.عبد الكريم بكار، ص(55)].

كيف السبيل؟

1.اهتم بالانطباع الأول:

حينما تلقى شخصًا لأول مرة تظهر أهمية الانطباع الأول؛ طبقًا للمبدأالذي ينص على أن: (الانطباعات الأولى تدوم)، فغالبًا يتذكر الإنسان أول تجربة له مع شيء جديد؛ كأول تجربة لك مع محاولة تعلم القيادة، أو الكومبيوتر، أو مع شخص تعرفت عليه، ولذا فمن المهم جدًّا أن تجعل الانطباع الأول مع أي شخص تلقاه انطباعًا إيجابيًّا، ولتحقيق ذلك عليك بما يلي:

أ‌. صافح الشخص بحرارة، ركز انتباهك على طاقة اليد التي تصافحها؛ بحيث تشعر في نفسك بالحب والود ينتقل من قلبك إلى قلبه عبر تلك المصافحة.

ب‌.    ابتسم في وجه الشخص، وأظهر السرور والفرح بمقابلته.

جـ . اظهَر بمظهر الواثق من نفسه، قف برباطة جأش وثقة ويقظة.

د‌.احرص أثناء التحدث على التواصل بعينيك بشكل مباشر، انظر في عينيه مباشرة، فهذا يشير إلى اهتمامك بالشخص، ويجعله يعتقد أنه مهم بالنسبة لك.

وكما أن الانطباع الأول في أي لقاء مهم، فالانطباع الأخير كذلك، طبقًا للمبدأ الذي ينص على أن: (الانطباعات الأخيرة تدوم أيضًا)، فعليك أن تحرص عليه، وتطبق نفس الخطوات التي ذكرناها في الانطباع الأول.

2.احفظ اسم الشخص وناده بأحب الأسماء إليه:

أي شخص يهتم باسمه أكثر من اهتمامه بأسماء الأرض مجتمعة، وعندما تذكر الاسم وتردده بسهولة؛ تكون قد قدمت للشخص إطراءً رقيقًا، أما إذا نسيته أو أخطأت نطقه؛ تكون قد وضعت عقبة كبيرة في طريق اتصالك مع الشخص.

يقول د.عبد الله الخاطر: (الناس يحبون أن ينادوا بأحب الأسماء إليهم، يا محمد، يا أبا فلان، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم، حتى الأطفال) [فن التعامل مع الناس، د.عبد الله الخاطر، ص(52)].

وإليك مجموعة من الخطوات، التي تساعدك ـ بإذن الله ـ على حفظ الأسماء:

أ‌.      لابد أن يكون عندك حرص ورغبة على حفظ الأسماء.

ب‌.     عندما يبدأ التعارف؛ كن يقظًا، استعمل قلبك وعقلك لاستقبال الاسم، ثم تابعه في الذاكرة حتى يثبت.

جـ. كرر هذا الاسم أثناء اللقاء كثيرًا؛ بأن تنادي الشخص به حتى يتم تثبيته في الذاكرة.

د‌.اربط الاسم بالصورة والهيئة التي تعرفت بها على الشخص، هل له لحية؟ هل يلبس نظارة؟ لونه، صوته، والمناسبة التي تم فيها اللقاء.

هـ. أن تتذكر حين تلقاه كل ما سبق، ثم المناسبة والمكان الذي لقيته فيه أول مرة، وهذا يساعدك على سرعة مناداته باسمه.

3.الإنصات الفعال:

إن أغلب الناس تبحث عمن يستمع إليها لا من يتحدث لها؛ فهناك الكثيرون يذهبون للطبيب عندما يكون كل ما يريدونه هو شخص يستمع إليهم، وإليك مجموعة من النصائح؛ لتصبح مستمعًا عظيمًا:

أ . أكثِّر من الأسئلة المفتوحة: هي الأسئلة التي تكون إجاباتها مفتوحة، لا تنتهي بنعم أو لا، وغالبًا ما تكون أداة السؤال هي: ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ مَنْ؟ أين؟ متى؟ إنها تعطي الفرصة للشخص لكي يتكلم ويفصح عما بداخله.

ب. ضع نفسك في موضع الطرف الآخر: حاول أن ترى العالم كما يراه هو وتحاول أن تشعر بمشاعره هو.

جـ. مارس الانعكاس: وهي أن تلخص ما سمعت وتعبر بطريقتك الخاصة ما قاله الشخص الآخر، فهذا يظهر أنك تعيره انتباهك.

د‌.   استخدم عينيك في التواصل: لا تحدق في الشخص ولكن انظر إلى عينيه فقط.

هـ. أظهر الاهتمام: وأشعره بأنك تعيره انتباهك، بأن تقوم من حين لآخر بهز رأسك أو الإيماء أو بتعليق وجيز وتعاطف معه في الكلام.

‌و. اطلب توضيحًا إذا قال شيئًا لا تفهمه.

4.العاطفة الحارة:

قد يشكو بعضنا أنه لا يجد أحدًا يحبه، أو يعطف عليه، ولكننا ننسى قاعدة هامة جدًّا، وهي (لن يحبك الآخرون إلا إذا أحببتهم)، نعم، فهو شرط بشرط، امنح قلبك للآخرين؛ يهدوا لك قلوبهم، أعطهم مشاعر وود يردوها لك عاطفة وحب، وإليك خطوات عملية تساعدك على إبداء المشاعر:

أ . أطايب الكلام: وكما قال عمر رضي الله عنه قال: (لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لقيت الله: لولا أن أضع جبهتي لله، أو أجلس في مجالس يُنتقى فيها طيب الكلام كما يُنتقى جيد الثمر، أو أن أسير في سبيل الله)، فاحرص على اختيار أحلى الكلمات، وتقديمها إلى الآخرين، على طبق من الحب والوفاء.

ب . الهدية: قم بإهدائه هدية؛ فالهدية هي أبسط وأسرع وسيلة للتعبيرعن العاطفة قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: (تهادوا تحابوا) [رواه البخاري].

جـ . الحب في الله: ويظهر ذلك في حرصك على مصلحة صديقك، وعلى كل ما فيه النفع له، وفي نصحه للخير، وفي زيارته في الله، ويعد التعبير عن هذا الحب بالقول أيضًا من أعظم أسباب المحبة والقربى بينك وبين صديقك، بأن تقول له: (إني أحبك في الله).

المصادر:
·كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.
·فن التعامل مع الناس، د.عبد الله الخاطر.
·256 بصيرة في الشخصية، د.عبد الكريم بكار.
·النجاح للمبتدئين، زيج زيجلار.

JoomShaper