أصبح شغل بعض الشباب الشاغل تبديل السيارة، الهاتف النقال، ساعة اليد، النظارة الشمسية والملابس. ولم تعد الرغبة في اقتناء الجديد، خصوصاً العلامات التجارية العالمية تلبية لحاجة وإنما أصبحت هوسا يلامس سقف المرض.
كأنّ مرضاً أصاب فئة لا بأس بها من الشباب، حتى أثمان الأشياء الباهظة لم تعد عائقاً أمام حبهم في تملك كل ما هو جديد، وإذا كان هوس الشراء والتغيير لا يقتصر على فئة عمرية معينة، إلا أنّ الشباب من الجنسين هم الفئة الأكبر، والسؤال هنا: هل الرغبة في اقتناء الجديد وراءها احتياج حقيقي، أم إنها فقط حب في المظاهر ورغبة في التباهي؟ صفة مكتسبة: عمر شامي، طالب بكلية الصيدلة "من الطبيعي كشاب أحب الظهور، لأن مظهري جزء من شخصيتي، ولكن أظن أنني معتدل في هذا الجانب، هذا بالقياس مع غيري، فأنا أعرف شباباً لديهم هوس حقيقي بالشراء وخصوصاً العلامات التجارية المعروفة، وهم يتنافسون فيما بينهم لاقتنائها!".
ويعبر عمر عن وجهة نظره "أظن أنّ المسألة مرتبطة إلى حد ما بالتربية، فصاحب هذا السلوك غالباً ما ينتمي إلى أسرة تهتم بهذه الأمور، فهو طبع مكتسب من خلال أسلوب التربية، ولكن كثيرين من الشباب يشترون ما يحتاجون إليه بلا مبالغة، وإذا أعجبهم شيء ما وتوفر ثمنه يشترونه وإذا لم يتوفر فليس في الأمر مشكلة".
أزمات ومشكلات: لكن هذا التنافس مع التفاوت في المستوى والقدرة المالية بين الشباب، يمكن أن يخلق صراعات ومشكلات، هذا ما تؤكده هيا عوني طالبة بكلية الإعلام من خلال ما تراه وتعرفه عن زميلاتها وصديقاتها "نعم ممكن جدّاً، وتحدث مشكلات، وأحياناً أزمات نفسية، سواء من جهة من لا يستطعن مجاراة الأخريات لأن إمكاناتهنّ لا تسمح بذلك، أو من لديهنّ أهل مقتدرون يلبون كل طلباتهنّ".
وتوضح هيا أنّ الاهتمام بالمظاهر والتنافس على شراء المنتجات التي تنزل الأسواق يسبب أحياناً للبنت، التي لا تملك القدرة المالية الكافية لاقتنائها، أزمة نفسية وشعوراً بالنقص بين زميلاتها، "الفتيات اللواتي لديهنّ القدرة على الشراء يصبح لديهنّ نهم غريب، فكلما قرأن إعلاناً عن جهاز جديد أو نوع عطر مثلا يهرعن إلى شرائه، وأحياناً يستجيب الأهل لرغباتهنّ لكنهم قد يرفضون، وهنا تبدأ المشكلة، فأنا أسمع من بعض زميلاتي أنهنّ افتعلن مشكلات مع والداتهنّ من أجل شراء منتج جديد يرغبن فيه".
وفيما يشبه الاعتراف قالت زميلتها روبا رفعت "أظن أنّ البنات أكثر هوساً من الفتيان بهذه الأشياء، مثل الاكسسوارات والملابس والعطور لأنّ الفتيات يحببن التنافس بطبيعتهنّ وخصوصاً فيما يتعلق بالمظهر والشكل، فكل بنت تحب أن تلفت نظر زميلاتها وتتباهى بالعلامات التجارية التي تشتريها، وهذا طبع في أغلب الفتيات".
زميلتها سارة هشام تؤيد رأيها "أعرف فتيات يبالغن في الاهتمام بهذا الجانب، يعني أنّ البنت تحب أن تشتري الأشياء الجديدة التي تراها في واجهات العرض، ولو على حساب أشياء أخرى، فعلى سبيل المثال، أخذت إحدى زميلاتي مبلغاً من والدتها على أساس أنها سوف تشترك في دورة تقوية في الكلية، لأنّها قرأت بالمصادفة إعلاناً عن عطر جديد في إحدى المجلات فاشترته، ولم تشترك بالدورة!".
وتقول سارة: عن نفسي "أميل للبساطة، وإن كنت أحب مثل كل فتاة الاهتمام بمظهري ولكن لي وجهة نظر عملية في هذا الجانب، فالمسألة ليست أن أشتري كل جديد ينزل الأسواق ولكنها مسألة ذوق، حيث أختار ما يناسبني وبإضافات بسيطة أحقق تميز مظهري، وأرى أن هذا يجعل للبنت شخصية متفردة، ربّما أكثر من أن تقتني الكثير من الأشياء الغالية".
صديقتها رنين جمال ترى أن مجتمع البنات يعرف هذا النوع من المنافسة "في رأيي ليس الأمر صراعاً أو منافسة، ولكنه جزء من شخصية البنت، كأن تتميز بحب الظهور بين زميلاتها، وأن تقتني الكماليات والأجهزة الحديثة".
وتحب رنين اقتناء كل جديد، "خصوصاً إذا كان ذا علامة تجارية ولأشياء معينة مثل الحقائب والأحذية، والحمدلله أسرتي توفر لي ما أريده، ولكنني لست مع المبالغة وتحويل الأمر إلى هاجس، كما لو أنني إذا لم أملك كل ما أريد فستكون نهاية العالم!".
الغالي ثمنه فيه:
وبعيداً عن الآراء الحيادية، تكلم محمد موسى، الطالب بكلية إدارة الأعمال، معبراً عن منطق الشباب "لنكن واقعيين، في ظل كل ما يحيط بنا من منتجات مغرية من الطبيعي أن نرغب في امتلاكها، أنا شخصياً لا أستطيع مقاومة بعض المنتجات، وأتمنى أن أشتري كل جديد، وبعض الأشياء لا أقتنع بها إلا إذا كانت ذات علامة تجارية معروفة كالأحذية "وأشار إلى حذائه وقال: هذا مثلا علامته التجارية معروفة، وثمنه يساوي تقريباً عشرة أضعاف الحذاء العادي، ولكنني أنتعله منذ عامين تقريباً ولم أغيره ويمكن أن يبقى سنوات أخرى، لأنّه غالٍ وجيِّد فأنا أحسبها من الناحية الاقتصادية، الغالي ثمنه فيه".
هوس موسمي:
بابتسامة واسعة بدأت دعاء، طالبة في كلية إدارة الأعمال، حديثها "يمكن أن أتساهل في أي شيء إلا شيئين، الساعة والنظارة، يجب أن تكونا من علامة تجارية مميّزة".
وتؤكد دعاء أنها كثيراً ما تشتري منتجاً وهي تملك مثله لمجرد أنّ الجديد أحدث وبه ميزات مختلفة، وتقر بأنّها محبة للشراء ولكنها عادة موسمية بالنسبة لها "بصراحة في أيام التنزيلات أتحول إلى مدمنة شراء ومهووسة بالعلامات التجارية، لأنني أعتبر العروض فرصة لاقتناء كل ما أرغب فيه، ربّما أبالغ بعض الشيء، لكن أتمتع بفن التسوق".
عدوى:
حازم محمد، طالب بهندسة الكهرباء، يرى أنّ الأمر يتعلق بالتركيبة الشخصية وإلى التعود لدى البعض "ولكن أشعر بأن هناك من يجاري الجو ويقلد الآخرين لكن الشباب بصراحة معذور لأنّ المجتمع الجامعي يميل للمظاهر، وأنا أقصد البعض وليس الكل طبعا، ولكنه أمر موجود ويؤثر في بعض الشباب، فيحكمون على الآخرين من خلال ملابسهم وسياراتهم والهاتف الذي يحملونه، وغير ذلك من الكماليات. وقد ينتقل الأمر بين الشباب من ضعيفي الشخصية وكأنّه عدوى، ويدفعهم إلى المبالغة في الاهتمام إلى حد الهوس بهذه الأشياء، التي تحقق لهم حسب اعتقادهم تقدير زملائهم وتجعلهم مميزين".
استفزاز:
عبدالرحمن نضيد، طالب بكلية هندسة المعدات طبية، لا يحب أن يكون من بين هذه الفئة المهووسة من الشباب "المبالغة في حب الامتلاك وشراء كل جديد يعرض في الأسواق مسألة مكلفة جدّاً لا يقدر عليها الجميع. وشخصياً أُستفز من هذه المظاهر التي يبالغ البعض فيها، وأحياناً أستغرب كيف يفكر شاب بهذه الطريقة السطحية، لأنّ هذه المسألة لها مظاهر لافتة للنظر في مجتمع الجامعة خصوصاً، فمثلاً هناك فئات يجمع بينها أنواع السيارات الفارهة والساعات غالية الثمن وغير ذلك من الكماليات، وكأنها بطاقة دخولهم إلى المجموعة، فهم يشعرون بأنهم متميّزون عن غيرهم لمجرد اقتنائهم هذه الأشياء، وهذا أمر يستفزني وأعتبره تافها!".
هوس تقني:
في عالم التقنيات الحديثة نجد هوساً من نوع خاص أكثر ارتباطاً بالعصر، وهو الرغبة في امتلاك كل ما هو جديد من هواتف متحركة وحواسب آلية وغيرها. أحمد الحاج، طالب هندسة معمارية، "شخصياً لا أهتم إلا بالهواتف المحمولة، فأنا بصراحة لا أستطيع مقاومة أي نوع جديد يحمل مواصفات إضافية، وأي هاتف أشتريه لا يبقى معي أكثر من بضعة أشهر في أغلب الأحيان ثم أبدله وهو بحالته بنوع جديد وأدفع الفرق، وفي الغالب يشتريه البالغ بأقل من نصف السعر الذي اشتريته به، خاصة وأنّه عند نزول التصاميم الجديدة في السوق يهبط سعر القديم!".
شقيقته مرام تحب أيضاً أن تغير هاتفها المحمول بين حين وآخر "تغريني التصاميم الحديثة وإمكانياتها، ولكن ليس مثل شقيقي فهو فعلا لديه هوس بالأجهزة الحديثة، ليس فقط الهواتف كما يقول، فهو مثلاً خلال عامين غير حاسوبه المحمول ثلاث مرات، أما أنا فأحتفظ بالهاتف نفسه منذ ثلاثة أعوام".
قاطعها أحمد "اقتناء الجديد وخصوصاً الأجهزة الحديثة متعة لا تعادلها متعة في الحياة بالنسبة لي على الأقل، ويشاركني في هذا عدد من أصدقائي".
ولكن ماذا عن موقف والديهما من الأمر، كان رد أحمد "أحياناً أوجه بالرفض، ولكن في أغلب الأحيان أنجح في إقناعهما".
مأزق الآباء ويثور التساؤل حول موقف الآباء، وهل جميعهم لا يستطيعون مقاومة طلبات أبنائهم؟ سامي ناصر، أب لأربعة أبناء، بنت وثلاثة أولاد "لا طبعاً ليس في كل الأحوال، فمن غير الطبيعي أنني كلما طلب ابني طلبا ألبيه له، لا من الناحية المادية ولا من الناحية التربوية، يجب كأب أن أقدر مدى ضرورة هذا الشيء بالنسبة له، فإذا كان مهما اشتريته. أما إذا كان يريده فقط من أجل المظاهر أو تقليد زملائه فلا أستجيب لأنني لو أفعل فأنا أضره وأشجعه على التمسك بالمظاهر الفارغة". وتحدث ناصر عن متطلبات العصر "نعيش في عصر كل ما فيه يدعو للنهم والاستهلاك، لذا علينا كآباء أن نكون قدوة، فإذا رآني ابني أغير هاتفي المحمول كل بضعة أشهر فمن الطبيعي أن يفعل مثلي!".
زوجته كوثر لبيب قالت من ناحيتها "لا أشجع أبداً على الاستجابة لكل طلبات الأولاد، وبالعكس أنا حريصة على أن أستجيب أحياناً وأرفض أحياناً فلا أريدهم أن يصبحوا شرهين ويتعودوا على أن يحصلوا على كل ما يريدون، لأنّ الحياة لا تدوم على حال وأريدهم أن يتعودوا القناعة".
وقالت عن وجود الأجهزة الحديثة والعلامات التجارية التي تتغير كل ساعة "نحن في مأزق، ليس ماديا فقط ولكن من ناحية التربية أيضاً فأنا أقنع ابني أو بنتي بصرف النظر عما يرغبان فيه من دون أن يشعرا بأنني أتعمد حرمانهما من شيء، وهذا ليس سهلاً".
- الترف في الاستهلاك:
أمل بالهلول، مرشدة نفسية، تحلل سلوك الشباب مشيرة إلى مؤثرات عدة منها اجتماعي أو اقتصادي "سلوك الشباب تغير وانتشر بينهم ما يسمى بالاستهلاك الترفي، وهو سلوك مكتسب تحول إلى ثقافة سائدة في مجتمعهم تقف وراءها مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. فمن الناحية الاقتصادية ارتفاع متوسط دخل الفرد، وتوافر السلع ذات العلامات التجارية العالمية في الأسواق، وسهولة الوصول إليها، وبعضها يتم توصيله عبر الوسائل التقنية الحديثة كالإنترنت، ويستطيع أي شاب أن يأخذ قرار الشراء وتنفيذه في لحظة، كل هذا يغذي الرغبة الاستهلاكية. علماً أن طريقة عرض المنتجات في المحلات في حد ذاتها تثير شغف الشباب، وهم يملكون الوقت والمال الكافيين للتجول بينها وشراء ما يرغبون فيه، كما أنّ للإعلام الفضائي المبرمج والاستهلاكي دوراً رئيسياً في التأثير على نفوس الشباب وعواطفهم، ويدفعهم إلى الشراء لمجرد مشاهدة المنتج بشكل مغرٍ في العروض التلفزيونية".
بأي ثمن:
المراهقين والمراهقات يتصدرون قائمة المبيعات، هذا ما يؤكده أحمد محمد، بائع أجهزة إلكترونية "الشباب الصغار هم أكثر الفئات إقبالاً على شراء الجديد، من موديلات الهواتف المحمولة والآي باد، والإكس بوكس وأيضاً كاميرات الفيديو والتصوير، فلدي زبائن من الشباب دائمي التردد عليّ لشراء الأجهزة الحديثة، حتى أصبحوا وجوهاً معروفة لديّ" وعن تأثير موجة الغلاء على هذا الإقبال "على العكس، الأسعار ترتفع وزبائننا من الشباب نفسهم يترددون علينا، فهم يشترون في كل الأحوال وأياً كان الثمن".
- ثقافة استهلاكية:
الدكتور أحمد النجار، أستاذ في علم النفس، تحدث عن البواعث المختلفة من شخض إلى شخص "الشباب عموماً يحبون الظهور والتباهي وهم يرون حولهم الإعلانات عن أحدث المنتجات والعلامات التجارية حتى في الشوارع، فينبهرون بها، وخصوصاً إذا كان بينهم من يملك القدرة المالية ليمتلكها، فتدخل المسألة في مرحلة منافسة، ويشعر الشاب بأنّه يجب أن يقتني ويستخدم هذه الماركات ليصبح في المستوى نفسه مع أصدقائه، وتسود ثقافة أن من يمتلك الأغلى والأحدث يكون الأفضل، والاعتقاد بأن ذلك يعكس المستوى الاجتماعي. والشاب قد يشتري شيئاً لمجرد أنّه رآه مع صديقه، بغض النظر عن مدى الحاجة إليه، أو توفر الإمكانيات المادية المناسبة لشرائها، ليس قناعة بل محاكاةً لصديقه أو زميله، وهذا ما يدفع مجموعة من الشباب المراهقين الذين ليس في إمكانياتهم شراء العلامات التجارية الشهيرة إلى شراء المنتجات المقلدة، ليتباهون بها ويشعرون بأنهم مثل زملائهم الأكثر ثراء، فالمسألة هنا ذات جانب اجتماعي نفسي، لأنّها تحولت إلى ثقافة تتسرب إلى فكر الشباب، ليتحول تفكيره من الأمور الجادة إلى كماليات وثقافة استهلاك والتمسك بالمظهر على حساب الجوهر".
المصدر: البلاغ