محمد السيد عبد الرازق
هناك مثل شهير يقول: (أصابع اليد الواحدة لا تشبه بعضها البعض)، وكذلك فكل واحد من البشـر له من المبادئ والقيم ما يختلف عن الشخص الآخر، وبالتالي إدراكه للأمور وطريقة نظره إليها تختلف اختلافًا كبيرًا من الشخص الآخر.
ولذا؛ يوصينا الدكتور عبد الكريم بكار بأن نرى العالم بعيون الآخرين، فيقول: (حين نستمع إلى شخصٍ يتحدث؛ فإننا نحاول فهمه من خلال عاداتنا وإطارنا المرجعي، ولذا؛ فإننا كثيرًا ما نسـيء الفهم، ونغلط في التفسير، والموقف الصحيح في هذا، هو أن ندخل إلى عالمه الشخصـي؛ لنتعرف على دلالته وطرق التعبير لديه)[256 بصيرة في الشخصية، استخلصها من كتب د.عبد الكريم بكار الفريق العلمي بدار الأعلام، ص(61)].
مبدأ بديهي:
إن هذا المبدأ يستمد هذه القوة في التأثير، وهذه الأهمية من شدة بديهيته، فأول شيء بديهي يخطر ببالك إذا أردت أن تتعامل مع أي شخص في العالم؛ أن تتعامل معه بلغته، فإذا قابلت شخصًا إنجليزيًّا لا يعرف إلا اللغة الإنجليزية؛ ستتعامل معه باللغة الإنجليزية، ولو حدثته بكل مفردات اللغة العربية ما فهمها، ولو صغت له كلمات بليغة ما تذوقها، فكيف تتعامل مع الآخرين بوجهة نظرك؟
حتى مع الأطفال الصغار الذين لا يعرفون اللغات بعد؛ ستجد نفسك تتعامل معهم باللغة التي يفهمونها، وستفاجأ بأنك تفعل أمامهم الكثير من الحركات الطفولية، والأصوات البهلوانية؛ حتى يفهموك ويضحكوا منك.
النبي صلى الله عليه وسلم يُقر هذا المبدأ:
والمتتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛يُبصِر مدى فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التام لكل شخصية من شخصيات صحابته، وكيف كان يختار النصح المناسب لكل شخصية على أساس فهمه صلى الله عليه وسلم له.
ولذا؛ جاءت أحاديث كثيرة في السنة، والسؤال ذو صيغة واحدة: (يا رسول الله، أوصني)، فالسؤال واحد، وموجه لنفس الشخص، للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الإجابة مختلفة باختلاف شخصية كل صحابي، وفهم النبي صلى الله عليه وسلم العميق لخبايا تلك الشخصيات ودقائقها.
فلما جاءه رجل يريد سفرًا، فقال: (يا رسول الله، أوصني)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوصيك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف) [حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة].
بينما أراد معاذ بن جبل رضي الله عنه سفرًا، فقال: (يا رسول الله، أوصني)، فقال صلى الله عليه وسلم: (اعبد الله ولا تشرك به شيئًا)، قال: (يا رسول الله، زدني)، قال: (إذا أسأت فأحسن)، قال: (يا رسول الله، زدني)، قال: (استقم ولتُحسِّن خلقك)[حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، (1228)].
ما زال البحث مستمرًا:
فكل سلوك يفعله الإنسان؛ وراؤه قيم ومبادئ ودوافع، وراؤه رسالة في الحياة؛ ولذا ابحث دائمًا عن هذه القيم، وابذل الجهد في التعرف على رسالته في الحياة، ولا تقف على الأفعال والتصرفات، فكما يقول الدكتور إبراهيم الفقي: (وراء كل سلوك توجد رسالة، ووراء كل رسالة توجد نية إيجابية) [دورة ممارس البرمجة اللغوية العصبية، د. إبراهيم الفقي].
مثال توضيحي:
فإن ضربك والدك يومًا ما؛ فقد ترى للوهلة الأولى أن ذاك التصرف سلبيًّا بالنسبة لك، ولكن حقيقة التصرف وراؤه نية إيجابية؛ ألا وهي أن يُربِّيك على الاستقامة، ويُعلِّمك الصواب من الخطأ.
ولنرجع مرة أخرى لمثال والدك الذي ضربك، فوراء هذا السلوك توجد رسالة له في الحياة؛ ألا وهي إرضاء الله تعالى، وتربية أبنائه تربية دينية وخلقية صحيحة، وبالتالي لما رآك أخطأت ضربك؛ لأن رسالته في الحياة أن يُربِّيك تربية صحيحة، فأدت هذه الرسالة إلى نية إيجابية حسنة في ضربك، ألا وهي تربيتك وتعليمك الصواب؛ فنشأ التصرف الذي رأيته.
طبلة القلب:
ربما تعجب من العنوان السابق وتقول: أنا أعرف طبلة الأذن، ولكنني لا أعرف ما هي طبلة القلب، وهنا يأتي دور نوع مختلف من الاستماع إلى الآخرين والإنصات إليهم؛ من أجل فهمهم فهمًا عميقًا، ونعني بهذا النوع ما يعرف بالاستماع التعاطفي، ذلك الاستماع الذي يقع في خمس درجات هامة:
الدرجة الأولى: أننا نتجاهل الشخص الآخر، فلا نستمع إليه أبدًا في الحقيقة.
الدرجة الثانية: نتظاهر بالاستماع (حقًا! إنك على حق)، ولسنا مع الشخص أساسًا.
الدرجة الثالثة: الاستماع الانتقائي، نستمع فقط إلى أجزاء معينة من المحادثة.
الدرجة الرابعة: الإنصات اليقظ، الذي ننتبه فيه، ونركز طاقتنا على الكلمات التي يتم التلفظ بها.
أما الدرجة الخامسة: فهي درجة أعلى من درجة الإنصات الفعال، ألا وهي درجة الاستماع التعاطفي، وهي أعلى درجات الاستماع.
إذًا فالاستماع التعاطفي باختصار: هو أنك تسمع وتشعر بالشخص الآخر، تستمع إليه وتتعاطف معه.
فوائد الاستماع التعاطفي:
ولهذا الاستماع التعاطفي فوائد جمة، وآثار عظيمة، منها:
1. الطمأنينة:
أنه يجعل الشخص الآخر يطمئن إليك، ويجد فيك العقل المتفتح والقلب المنشرح له؛ فيُعبِّر لك عما في داخله، ويبدي لك أحاسيسه ومشاعره، ويخبرك بنواياه ودوافعه.
2. المعلومات الدقيقة:
تحصل من خلاله على معلومات دقيقة عن الشخص، وتصل إلى حقيقته، وبالتالي تتعامل معه بطريقة صحيحة، ويوفر عليك الاستماع التعاطفي الكثير من الوقت الذي كنت ستضيعه في التعامل بطريقة لا تناسبه، لأنك لم تكن قد فهمته بعد.
3.علاج الهموم:
الاستماع التعاطفي وسيلة ناجحة لعلاج الآخرين من الهموم والأحزان والآلام؛ فكثيرًا ما تتفاقم الآلام والأحزان بسبب أننا لا نجد من نحكي له، ونتكلم معه عن أحزاننا وآلامنا.
ولذلك فالاستماع التعاطفي يمثل تنفيسًا معنويًّا للآخرين، وسوف تجد أنك تساعد كثيرًا من الناس على حل مشاكلهم وتخفيف أحزانهم؛ بمجرد استماعك التعاطفي إليهم، لذا يقول الشاعر:
إذا ما عراكم حادث فتحدثوا فإن حديث القوم ينسي المصائبا
ملاذ الإمام ابن القيم:
ولذا؛ فانظر إلى الإمام ابن القيم، ومدى تأثره بشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، وحاجته إليه في التنفيس عما يجد في نفسه من هَم وغم.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشـراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها؛ ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليهاب) [الوابل الصيب، ابن القيم، ص(110)].
تمهل قليلًا:
كثيرًا ما نتسرع بتقييم كلام الآخرين، وإصدار الأحكام بصورة متعجلة، دون أن نفهم وجهة نظرهم؛ ومن ثَم فإن أول شرط عليك الالتزام به حتى تكون مستمعًا من هذا النوع؛ هو أن تتجنب تقييم الشخص والحكم عليه بمجرد سماع كلامه.
ولذا؛ أعطِ نفسك فرصة للتفكير في كلامه من وجهة نظره، وطريقة تفكيره، وضعْ نفسك مكانه، وحاول أن تتعرف على الدوافع والأسباب التي أدت به إلى اتخاذ ذاك القرار، أو التعامل بهذه الطريقة.
وإليك بعض الأمثلة التوضيحية:
1. صديقك: أريد أن أتزوج بفلانة.
أنت: إنها لا تناسبك (تقييم)، أنت مخطئ في اختيارك (حكم)، تزوج بواحدة أخرى (نصيحة).
2. ابنك: أبي لا أريد الذهاب إلى المدرسة.
أنت: يا بني، هذا خطأ كبير (حكم)، عليك بالذهاب إلى المدرسة، اصبر (نصيحة).
وهكذا وكما هو واضح من الأمثلة السابقة، أنك بمجرد أن تحكم على الشخص، فإنك تقطع الاتصال بينك وبينه؛ لأن الحكم يفتح باب الاختلاف بينكما، حتى ولو كان حكمًا صائبًا، فإن الشخص لا ينتظر منك أن تصدر عليه الأحكام، وهذا يمثل إزعاجًا بالنسبة له، وبالتالي تفقد الاتصال بينك وبينه.
قصة طريفة:
وانظر إلى هذه القصة الطريفة، (ففي يوم من الأيام أراد رالف والد إيمرسون وابنه الصبي أن يحملا عجلًا صغيرًا على العودة إلى حظيرته، ولكنهما أخطأ، إذ وضعا نصب أعينهما ما يرغبان فيه وحسب، وفعل العجل الصغير مثلما فعلا تمامًا، وضع نصب عينيه ما يرغب فيه هو؛ فثبَّت قوائمه في الأرض، وأبى أن يتزحزح عن مكانه قيد شعرة.
وشاهدت زوجته هذا المشهد، وكانت تعرف ما تريده العجول الصغار، فأسرعت إلى العجل الصغير، ووضعت إصبعها بحنان الأمومة في فمه، وتركته يمتص راضيًا وهو يخطو وراءها، حتى دخل الحظيرة)[كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي، ص(63)].
فبدلًا من أن تدفع الآخرين وتفرض عليهم وجهة نظرك؛ سِر بجانبهم، وحاورهم، وافهم وجهة نظرهم، واجعلهم يصلون إلى الحل بأنفسهم، بقيمهم،بمبادئهم، بنواياهم الإيجابية.
المصادر:
· كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.
· الوابل الصيب، ابن القيم.
· 256 بصيرة في الشخصية، استخلصها من كتب د.عبد الكريم بكار الفريق العلمي بدار الأعلام، ص(61).
· دورة ممارس البرمجة اللغوية العصبية، د. إبراهيم الفقي.
القوة في التأثير
- التفاصيل