محمد السيد عبد الرازق
1.في الصدق كل الخير:
فالخير كل الخير في الصدق مع الله، ولا نجاة من المحن والابتلاءات والاختبارات إلا بالصبر عليها، فعند اشتداد البلاء يبرز الصادقون وسط الناس كأعلام ثابتة شامخة، يقودون المجموع إلى بر الأمان وشاطئ السعادة، والخلاصة أنه (ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره) [الفوائد، ابن القيم].
منازل المقربين:
وبصدقك مع ربك ترتقي إلى منازل المقربين وإن قصر بك عملك عن اللحاق بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشَّهادة بصدق؛ بلَّغه الله منازل الشُّهداء وإن مات على فراشه) [رواه مسلم]، وقدوتك في ذلك الملك العادل نور الدين محمود الذي لقبه الناس بالشهيد بالرغم أنه مات على فراشه؛ من كثرة طلبه للشهادة ودعائه أن يعطيه الله إياها.
سادات الصادقين:
1- صاحب السهم:
أولهم ذلك الأعرابي ذو الفطرة السوية، والذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال: (أهاجر معك)، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيًا فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه؛ فقال: (ما هذا؟)، قالوا: (قسم قسمه لك النبي)، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: (ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم، فأموت فأدخل الجنة)، فقال: (إن تصدق الله يصدقك).
فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أهو هو؟)، قالوا: نعم، قال: (صدق الله فصدقه).
فتأمل يا رعاك الله ذلك الأعرابي الذي بلغ مقدار الصدق في قلبه مبلغًا عظيمًا، فكان جزاؤه من جنس عمله، أن مات كما أراد وأقر صدقه الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: (اللهم إن عبدك هذا خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك) [رواه النسائي، وصححه الألباني].
2- نضر الله ابن النضر:
وفارس آخر من فرسان الصدق مع الله، روى خبره أنس بن مالك t، قال: (قال عمي أنس بن النَّضر الذي سميت به لم يشهد بدرًا مع رسول الله، فشق عليه فقال: أوَّل مشهد شهده رسول الله غيبت عنه، وإن أراني الله مشهدًا مع رسول الله فيما بعد ليرينَّ الله ما أصنع.
قال: فهاب أن يقول غيرها فشهد مع رسول الله يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهًا لريح الجنَّة، أجدها دون أحد، فقاتلهم حتَّى قُتل، فوُجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية.
فقالت أخته عمَّتي الربيع بنت النَّضر: فما عرفت أخي إلَّا ببنانه) [رواه مسلم].
3- صادق يهتز له العرش:
وها هو نجم من نجوم الصدق مع الله تألق وسطع حتى نال منزلة عند الله لم ينلها أحد قبله، إنه سعد بن معاذ رضي الله عنه.
أُصيب في غزوة الأحزاب وظل جرحه يثعب دمًا لا يتوقف عن النزيف، وحين شعر بدنو أجله؛ رفع يده إلى ربه وخاطبه خطاب الصادق الواثق قائلًا: (اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه.
اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة) [سيرة ابن هشام]، فاستجاب له الله عز وجل وتوقف جرحه عن النزف.
وبعد اندحار المشركين هدأت سريرته وقرت عينه، فأكمل الله له دعوته وفجر جرحه؛ فمات منه شهيدًا، وبلغ من المنزلة أن اهتز له عرش الرحمن؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) [متفق عليه].
قبل الرحيل:
نادت الجنة عليهم ...
واشتاقت الفراديس إليهم ...
رجال عاهدوا صدقوا وصانوا وإن خذل المؤمر والقريب
نفـوس لا تســاوم في هــواهــا وتـهفو للقراع وتستجيب
فهنيئًا لمن أخلص النية، وجرد العزم، وانتقل إلى ركب الصادقين الصالحين السباقين إلى جنات النعيم.
وماذا بعد الكلام؟
1.تحرى الصدق في كل أقوالك وأفعالك، وإياك والكذب، وليكن قول النبي صلى الله عليه وسلم نبراسًا لك: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا) [متفق عليه].
2.اترك شيئًا مما أنت مقيم عليه من معصية الله؛ لتثبت مدى صدقك مع الله، واجتهد في ذلك، وتقوى بعبادة الصوم التي تعلمك الصبر على ترك الملذات.
3.تصدق بشيء تحبه في سبيل الله؛ كأكلة تحبها فطِّر بها صائمًا مسكينًا، أو ملابس جديدة اشتريتها أو غير ذلك مما تحبه نفسك.
4.اجتهد في الدعاء في رمضان أن يرزقك الله الإخلاص والصدق، وأن يتقبلك في عباده الصالحين الصادقين.
5.تكلم مع أحد أصدقائك أو أقاربك عن أهمية الصدق مع الله، وابعث هذه الرسالة عبر البريد الإلكتروني إلى أكبر عدد ممكن من معارفك، أو اطبعها وعلقها في المسجد المجاور لك لتنشرها في كل مكان.
2.غفران الذنوب:
أبشر يا قائم رمضان بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه مسلم]، فيالها من دقائق غالية تستثمرها في رمضان لتغفر لك ذنوب العام فيخف الحمل عن قلبك وتنشط لطاعة ربك، ولا يشترط أن يكون إمامك مكثرًا من القراءة، فكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة) [رواه أبو داود، وصححه الألباني].
الفوائد الأربعة:
وهنيئًا لك يا من واظبت على القيام تلك الأرباح والفوائد الربانية، التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم) [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]، فتشبهوا بالقوم إن لم تكونوا مثلهم؛ إن التشبه بالكرام فلاح.
الغرف الشفافة:
وأبشر مرة ثالثة بالجوائز الأخروية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: (في الجنة غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها) فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائمًا والناس نيام) [رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني]، فكم غرفة تنوي حجزها في جنة النعيم في هذا الشهر الكريم؟
الساعة الذهبية:
ومن تمام البشريات أن لك ساعة في جوف الليل طلبك فيها مجاب، ودعاؤك فيها مسموع مستجاب، سواء أدعوت بأمر من أمور الدنيا أو أمر من أمور الآخرة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) [رواه مسلم].
وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم (وذلك كل ليلة) لتعرف رحمة الله بعباده.
أبعد هذا تلجأ لبشر ليقضي لك حاجتك؟!
أبعد هذا تستغيث بمخلوق ليكشف لك كربتك؟!
فكم من مصيبة كان دفعها في ركعتين؟!
وكم من همٍّ كان كشفه في سجدة خاشعة؟!
وكم من داء كان شفاؤه في دعوة في سكون الليل؟!
لقاء مع الله:
ويا لها من لحظات غالية تقضيها مع الله عز وجل الذي ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته إلى السماء الدنيا، ليتوب على التائبين ويقبلهم ويغفر للعاصين المذنبين، ويعفو عنهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) [متفق عليه].
القرب المضاعف:
وإذا كنت من القائمين في السحر فأنت في قرب مضاعف من الله تعالى؛ فالعبد وهو ساجد أقرب ما يكون من الله؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) [رواه مسلم]، وإضافة لذلك فالرب جل وعلا يكون أقرب منك في جوف الليل الآخر كما قال أيضًا صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
فإذا كنت ساجدًا في ثلث الليل الآخر؛ فأنت أقرب ما تكون من ربك جل وعلا، فابتهل إليه واطلب منه ما تريد من متاع الدنيا والآخرة.
أفضل الصلاة:
وأخيرًا يا قائم الليل، اعلم أن ما أنت فيه من نعمة القيام بين يدي الكريم المنان، هو أفضل صلاة كما أخبر النبي العدنان صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة في جوف الليل) [رواه أحمد، وصححه الألباني].
قبل الرحيل:
دعوات مستجابة في الدنيا.
وقرب من الله واقتباس من نوره.
وبركة في العمر والوقت والصحة.
وغرف يرى ظاهرها من باطنها في الآخرة.
ولذة وحلاوة لا يشعر بها إلا من ذاقها.
فيا غبن من نام بعدها وترك القيام!
قم والحق بركب الصالحين من سلفك.
يـا رجـال الـليل جدوا ربّ داع لــا يُــــردُ
لـا يـــقـوم الـلـيـل إلــا مــن لــه عزم وجد
زاد اليوم:
1.ابدأ في صلاة التهجد في أي مسجد قريب منك، واحرص عليه، وخاصة في العشر الأواخر لعلك تغنم ليلة القدر.
2.احذر من الذنوب والمعاصي؛ فلا تعصه بالنهار يقمك بالليل، ولذلك تب إلى الله قبل نومك واستغفر من ذنوبك.
3.استعن برفقة خير توقظك وتحمسك وتعينك على القيام من أصدقائك الصالحين.
4.كن صادقًا مع الله في نيتك وعزمك على قيام الليل؛ تنل هذه الدرجة، وإن غلبتك عيناك كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح؛ كُتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه) [رواه النسائي، وصححه الألباني].
5.أكثِر من الدعاء في صلاتك، وخاصة في الفريضة، أن يعينك الله على قيام الليل وييسر لك أسبابه.
6.تكلم مع أحد أصدقائك أو أقاربك عن أهمية القيام في رمضان، وابعث هذه الرسالة عبر البريد الإليكتروني إلى أكبر عدد ممكن من معارفك، أو اطبعها وعلقها في المسجد المجاور لك لتنشرها في كل مكان.
المصادر:
·الفوائد، ابن القيم.
·سيرة ابن هشام.
رمضان موسم الفلاح يا شباب
- التفاصيل