محمد السيد عبد الرازق
1. أطع ربك:
أطع أمر ربك حين يأمرك بالإنفاق في سبيله؛ فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267.
تطفئ الخطيئة:
يا من ألهبت قلبَك حرارةُ المعصية فأذاقتك العذاب ألوانًا، أَبشِر، فمَعين الصدقة يطفئها كما يطفئ الماءُ النارَ، واسمع إلى حبيبك صلى الله عليه وسلم يقول: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، فرُب بضعة جنيهات كانت سببًا في إقلاعك عن ذنب استعصى على قلبك مفارقته منذ أمد بعيد.
وإن كنت تخشى من عقاب ربك وغضبه عليك لتفريطك في حقه؛ فعليك بصدقة السر فإنها تطفئ غضب الرب؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى) [رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني].
وقاية وعلاج:
وإن كنت تخشى من الأمراض والأسقام والأوجاع فعليك بالصدقة؛ كما أمر صلى الله عليه وسلم: (داووا مرضاكم بالصدقة) [رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني].
في ظل الرحمن:
وأبشِر يا كثير الإنفاق وزارع السنابل، فلن تقف في حر الشمس يوم القيامة، بل ستكون في ظل صدقتك التي أخرجتها في الدنيا؛ يقول صلى الله عليه وسلم: (كل امرىء في ظل صدقته، حتى يُقضى بين الناس) [رواه أحمد، وصححه الألباني]، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) [متفق عليه].
رقة القلب:
وأَبشِر مرة أخرى يا باذلًا الأموال في سبيل الله، فقلبك إلى الصلاح أقرب وإلى الخشوع والسكينة أدنى، وتلك وصية النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن أردت أن يليين قلبك؛ فأَطعِم المسكين، وامسح على رأس اليتيم) [رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني].
دعوة الملائكة:
وهنيئًا لك دعوة الملائكة الكرام البررة لك كل يوم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان؛ فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا) [متفق عليه]، ولِمَ لا وأنت تخرج مالَكَ راضيًا في سبيل الله؟
الأجر المضاعف:
وإن كنت من المتصدقين؛ فقد وعدك الله بمضاعفة أعمالك وحسناتك، ووعدك أيضًا بالأجر الكريم العظيم؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18]، (فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يُقرض الغني الحميد، وأنه يتعامل مع مالك الوجود، وأن ما ينفقه مخلف عليه مضاعفًا؛ وأن له بعد ذلك كله أجرًا كريمًا؟) [في ظلال القرآن، سيد قطب].
كأمثال الجبال:
والله عز وجل تكفَّل بتنمية صدقتك ورعايتها لتصير يوم القيامة كالجبال الراسيات، تثبت أقدامك يوم العرض عليه؛ قال صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) [متفق عليه].
الريح المرسلة:
وفي هذا الشهر المبارك يكون الجود أعظم والكرم أوفر وأيسر، متأسين فيه بنبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم الذي يصفه ابن عباس رضي الله عنهما قائلًا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان) [متفق عليه].
تـــراه إذا مــا جـــئــتـه متهـللًا كـأنك تعطيه الذي أنت سـائله
تعود بـسط الكف حتى لو أنه أراد انـقـبـاضًـا لـم تطعه أنامله
ولا تخشَ أن يَقِل مالك، فقد تعهد لك النبي صلى الله عليه وسلم بل وأقسم أيضًا على بركة مال المتصدق، وأنه لن ينقص أبدًا؛ حين قال: (ثلاثة أقسم عليهن: ...، ما نقص مال عبد من صدقة ...) [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، وتلك وصية النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه والتي جاء فيها: (أَنفِق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا) [رواه البزار، وصححه الألباني].
قبل الرحيل:
- عن أنس أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: (أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر) [رواه مسلم].
- عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) مرتين [رواه أحمد، وحسنه الألباني].
- عن سعيد بن هلال أن ابن عمر رضي الله عنهما نزل الجحفة وهو مريض، فاشتهى سمكًا، فلم يجدوا إلا سمكة واحدة، فلما قربت إليه أتى مسكين حتى وقف عليه، فقال له ابن عمر: (خذها)، فقال له أهله: (سبحان الله! قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه)، فقال: (إن عبد الله يحبه) [انظر: صيد الخاطر، ابن الجوزي].
- قال عروة: (رأيت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها تقسم سبعين ألفًا وهي ترقع درعها، وقسمت في يوم مائة ألف بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية عليَّ فطوري، وكانت صائمة يومها، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها جاريتها: أما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ فقالت: لو ذكرتني لفعلت) [انظر: مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة].
هكذا سار ركب الصالحين من قبل، فمن أراد اللحاق بهم فليشمر عن ساعد الجد، ولتجرِ أنهار الخير على يديه لتروي عطش الفقراء والمساكين.
الـلـه أعـطـاك فـابـذل مـن عـطيــتـه فالمـال عــاريـة والعـمْـر رحــالُ
المـال كالمـاء إِنْ تحبـس سـواقِيَه يأسـن وإن يجــرِ يـعـذب مـنـه سـلـسـالُ
وماذا بعد الكلام؟
1. تصدق يوميًّا ولو بمبلغ يسير من المال، خاصة في نهار رمضان وأنت صائم.
2.ابحث عن مسكين من قاطني شارعك أو حيك، وأحضر له ولأهله وجبة إفطار بقدر طاقتك واستطاعتك، وأعطها له ببشر وأنت مبتسم الوجه.
3. تبرع بمبلغ من المال "لشنطة" رمضان وإفطار الصائمين؛ حتى تنال أجرهم وثوابهم في هذا الشهر الكريم.
4.تكلم مع أحد أصدقائك أو أقاربك عن أهمية الإنفاق في سبيل الله، وابعث هذه الرسالة عبر البريد الإلكتروني إلى أكبر عدد ممكن من معارفك، أو اطبعها وعلقها في المسجد المجاور لك لتنشرها في كل مكان.
2. إياك وغضبه:
تأمل كيف يغضب الله تعالى على من ترك دعائه: {قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: ٦٠]، ويشرح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في بيان واضح فيقول: (من لم يسأل الله يغضب عليه) [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
لن يَرُدَّك:
وإذا خشيت أن يرد مولاك دعاءك فأنت واهم، وإليك الدليل من حديث البشير النذير صلى الله عليه وسلم: (إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
والله لن يَرُدَّك أبدًا ما دامت دعوتك بلا إثم أو قطيعة رحم، هكذا قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، أما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)، قالوا: إذا نكثر، قال: (الله أكثر) [رواه أحمد، وصححه الألباني].
استجابة مشروطة:
وهي شروط بسيطة يسيرة لمن أراد اللحاق بركب مستجابي الدعاء الموصولين برب العباد.
1- جرد نيتك:
الإخلاص هو سر القبول، وكلما تأخرت الإجابة فراجع نيتك وانظر هل خالطها شيء أم كانت صافية، وكما قال ابن الجوزي رحمه الله: (إنما يتعثر من لم يخلص) [صيد الخاطر، ابن الجوزي].
2- أطب مطعمك:
(ذكر صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشـربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟) [رواه مسلم].
3- تيقن الإجابة:
قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافل لاهٍ)[رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
فاستجمع همتك عند الدعاء، ولا تقل: إن الله لن يستجيب لي:
وإني لأرجو الله حتــى كأننــــي أرى بجميل الظن ما الله صانع
المصادر:
·صيد الخاطر، ابن الجوزي.
· حلية الأولياء، أبو نعيم.
· في ظلال القرآن، سيد قطب.