محمد السيد عبد الرازق
(أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) [رواه أحمد، وصححه الألباني].

وكـــن ذاكرًا لله في كـــل حالـــة           فليس لذكــر الله وقت مقيــــــد
فذكـر إله العرش سـرًّا ومعلنــًا            يزيل الشقا والهم عنك ويطـرد
ولو لم يكن في ذكره غير أنـــــــه         طريق إلى حب الإله ومرشــــد
لكان لنا حظ عظيـــم ورغبــــة            بكثرة ذكر الله نِعــمَ الموحَّــــــد
ولكننا من جهلنا قلَّ ذكرنــــــا             كما قلَّ منــــا للإلــــه التعبـــــد

شتان بين حي وميت:
عن أبي موسى الأشعريعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثلالحيِّ والميت) [رواه البخاري].
فشتان بين ميت القلب وإن كان يمشي بين الأحياء، وبين من امتلأ قلبه حياة وإن وهن جسده وضعف، فالذاكر لربه حي وإن ماتت منه جميع الأعضاء، والغافل عن ذكره ميت، وإن مشى وتحرك بين الأحياء.

عندما يذكرك الرحمن:
يقول تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: ١٥٢]، وقال صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) [متفق عليه].

ألا تريد أن يذكرك الله تعالى في الملأ الأعلى، فيتردد اسمك في جنبات السماء على ألسنة الملائكة الكرام البررة؟ فإذا كان العبد يفرح بذكر اسمه على لسان عظيم أو ملك أو مسئول، فكيف تكون فرحته إذا ذكره خالق الكون وجبار السماوات والأرض؟

خير ما تشبثت به:
وإليك وصية النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاءه فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبَّث به، قال: (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

ثم كررها النبي صلى الله عليه وسلم لحبيبه معاذ بن جبل رضي الله عنه حين سأله فقال:أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله) [رواه الطبراني، وحسنه الألباني].
فالذكر كالماء البارد ينساب على لسانك فينديه ويرطبه، ثم يتدفق إلى قلبك الذي ألهبته حرارة المعاصي فيضفي عليه بردًا وحلاوةً وسكونًا واطمئنانًا، كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨].

سبق المُفرِّدون:
ومن أراد أن يكون من السابقين فلابد أن يكون أولًا من الذاكرين، جزاء بجزاء ومثلًا بمثل، قال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: ٤١-٤٢].

وقال صلى الله عليه وسلم: (سبق المُفرِّدون)، قالوا: وما المُفرِّدون يارسول الله؟ قال: (الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات) [رواه مسلم].

قطوف من حدائق الذكر:
وهذه قطوف يسيرة جمعناها لك من حدائق الذكر الغناء، خذ منها ما تستطيع، وأبشر فإنها بضاعة خفيفة الحمل في الدنيا ثقيلة الوزن يوم القيامة، فقط حرك لسانك، واستحضر قلبك، واغترف من حلاوة الإيمان كيفما تشاء.

· عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله) [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
· وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك) [متفق عليه].

· وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من قال لا إله إلاالله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كانكمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) [رواه مسلم].

· وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان اللهوبحمده، في يوم مائة مرة، حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) [متفق عليه].

·   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان علىاللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان اللهالعظيم) [متفق عليه].


· وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسريبي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبةالماء، وأنها قيعان وأنَّ غراسها، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، واللهأكبر) [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].

· وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظمًا عن طريقالناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى؛ فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار) [رواه مسلم].

· وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلك على كنز من كنوزالجنة؟)، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) [متفق عليه].

·  وعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهمأنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بكمن شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوبإلا أنت، من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهلالجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة) [رواه البخاري].

قبل الرحيل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلًا، يتبعون مجالس الذكر؛ فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء.


قال: فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك.
قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب، قال: فكيف لو رأوا جنتي؟
قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟
قالوا: ويستغفرونك، فيقول: قد غفرت لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا.
فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم، فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) [رواه مسلم].
فكن منهم أو جالسهم، فكلا الأمرين فوز وفلاح.

وماذا بعد الكلام؟
1.اقتنِ كتيبًا للأذكار الموظفة، مثل حصن المسلم أو أذكار اليوم والليلة، وواظب يوميًّا على حفظ ذكر جديد لا تعرفه.

2.   لا تضيع أذكار الصباح والمساء خاصة في رمضان فالحسنات مضاعفة.

3.احمل كتيب الأذكار معك أينما ذهبت، واقرأ منه الأذكار المتعلقة بكل موقف، مثل الخروج من المنزل، والنزول والصعود، ورؤية المبتلى، وركوب السيارة، ودخول المسجد والخروج منه.

4.احرص على أن يكون لسانك رطب من ذكر الله، بأن تكثر من التسبيح والتحميد والتهليل، وخاصة في نهار رمضان حيث تتضاعف الحسنات.

5. من أفضل الذكر قراءة القرآن، وهذا هو شهر القرآن، فحافظ على ورد ثابت، على الأقل جزء يوميًّا.

6.تكلم مع أحد أصدقائك أو أقاربك عن أهمية الذكر، وابعث هذه الرسالة عبر البريد الإلكتروني إلى أكبر عدد ممكن من معارفك، أو اطبعها وعلقها في المسجد المجاور لك لتنشرها في كل مكان.

7.تذكر أنه (لا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك صدئ، فإذا جلاه، وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر، فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً) [الوابل الصيب، ابن القيم، ص40].

8. وتذكر أخي الشاب أيضًا أن (القلب إذا اضطرب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله) [مدارج السالكين، ابن القيم، (2/ 480)].


المصادر:
· الوابل الصيب، ابن القيم.
· مدارج السالكين، ابن القيم

JoomShaper