محمد السيد عبد الرازق
قيل لأحد السلف: (لنا عندك حويجة [تصغير حاجة])، فرفض وقال: (اطلبوا لها رجيلًا) [صيد الخاطر، ابن الجوزي، (1/248)] هكذا كان أسلافنا أمثلة رائعة ونماذج حية لتقدير الذات والتفكير بطريقة إيجابية.
وتستطيع أخي الشاب أن تحقق حوائجك وأحلامك إذا استطعت أن تحقق ركنين أساسين في شخصيتك، وتقوم بالتركيز عليهما:
الركن الأول: ركز على نقاط قوتك:
تأمل في قصة الملاكم العالمي محمد علي كلاي، فبعد أن جُرِّد من لقبه العالمي نتيجة رفضه الخدمة العسكرية في حرب فيتنام، عانى هذا البطل من الديون المتكاثرة ورفضت كثير من الولايات الأمريكية أن تمنحه تصريحًا لمزاولة الملاكمة على أرضها، ولم يكن أمامه من بد للعودة إلى الملاكمة سوى أن يتحدى أحد عملاقة الملاكمة وقتها وهو جورج فورمان، وهو ملاكم يهاب الجميع لقاءه، فماذا حدث؟
(لقد كان محمد علي كلاي خائفًا جدًّا من اللعب أمامه، ولكنه قبل التحدي، وكانت النتيجة الهزيمة الساحقة، فقد أصابه فورمان بإصابات عديدة منها 12 غرزة في وجهه، وكذلك إصابة في فكه وكسر في ذراعه، ليودع المستشفى في حالة سيئة جدًّا، فنصحه الناس ألا يلعب مرة أخرى، ولكنه استطاع أن يلعب ثانية وليس هذا فقط بل قرر أن يلعب أمام جورج فورمان نفسه.
أخذ يشاهد الفيلم التسجيلي للمباراة التي لعبها مع فورمان كي يتعلم منها حتى استوعبها تمامًا وبعد أن خرج من المستشفى بدأ يتدرب بشكل مكثف ليلًا ونهارًا، ثم تحدى فورمان مرة أخرى، فرد عليه فورمان قائلًا: سوف تشتاقون للقاء هذا الرجل مرة أخرى، فهذه هي آخر مرة يمكنكم أن تروه فيها، فإنه لم يستوعب الدرس من المرة الأولى، فودعوه بشدة؛ لأنني سوف أخلصكم منه تمامًا) [أيقظ قدراتك واصنع المستقبل، د.إبراهيم الفقي، ص(40-41)].
فماذا يصنع محمد علي كلاي أمام هذا التحدي؟ فجورج فورمان أقوى منه بنيانًا وأطول قامة وأشد في ضرباته ويتمتع بجمهور كبير وتأييد جارف، وكل الظروف ضده.
(كانت هذه المباراة في أفريقيا، فسافر محمد علي قبل البطولة بشهر كامل إلى هناك، ولأنه شخصية جذابة فقد أحبه الناس جدًّا، وكان ينزل إلى الشارع ويتدرب ويركض وسط الناس، حتى باتوا يهتفون باسمه ويشجعونه قائلين: محمد الفائز .. محمد الفائز.
ولما بدأت المباراة أراد محمد علي أن يقنع فورمان أن ضربته مهما بلغت من قوة فلن تؤثر فيه، في حين أن أي ملاكم آخر كان يتقي ضربة فورمان ولا يثبت أمامه أكثر من جولتين أو ثلاث، ولكن محمد علي اعتمد على قوته الذهنية وابتكر أسلوبًا جديدًا وهو الارتماء على الحبال التي تحيط ملعب الملاكمة لتمتص الصدمة الناتجة عن ضربات فورمان الموجعة.
واستمر الحال على ذلك لمدة 12 جولة، وفي النهاية خارت قوة فورمان الذي لم يتعود على الصمود لجولات كثيرة، بينما استطاع محمد علي كلاي أن ينقض على منافسه بضربات متتالية قوية انتهت بضربة قاضية أجهزت على فورمان).
ولكن كيف استطاع محمد علي أن يهزم فورمان مع فارق القوة والإمكانات التي كانت في صالح فورمان؟
إن السر في تلك الثقة الكبيرة بالنفس، التي تميز بها هذا الرجل، ولكن من أين أتت تلك الثقة؟ لقد تولدت لمحمد علي كلاي من تركيزه على نقاط قوته، وهي الصبر والاحتمال لقوة اللكمات، والاعتماد على القوة الذهنية وابتكاره لأسلوب الارتماء على الحبال الذي لم يكن معروفًا من قبل، ثم اختياره للوقت المناسب لينقض على منافسه.
وأنت أيضًا تحتاج إلى أن تركز على نقاط قوتك أولًا فتنميها، وإذا فعلت ذلك لك صديق يخلص لك عشرته.
ü لك قلب يخفق بعاطفة الرحمة وحب الخير.
ü لك مبدأ قد تضحي من أجله.
ü لك شهادة حصلت عليها بعد عناء ومذاكرة وسهر.
ü لك رياضة أنت متفوق في ممارستها.
ü لك مهارات اجتماعية جيدة مع الآخرين وعلاقات وطيدة بهم.
ü لك أناس أفدتهم بالكثير من خبراتك وتجاربك، وكنت سببًا في نجاحهم.
ü وأخيرًا وليس آخرًا: لك أنك مسلم.
ومما زادنـي شـــرفًـــا وتيهًا وكدت بأخمصي أطــأ الثريــا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمـــــد لي نبيًّا
والآن نرجو منك أن تجلس مع قريب أوصديق لك أمين لتجري معه هذا التقييم لنفسك، والهدف من التقييم أن تتعرف نقاط قوتك فتقويها أكثر، ونقاط ضعفك فتتخلص منها، وتعرف صفاتك الشخصية، فعليك بتوجيه هذه الأسئلة لقريبك أو صديقك:
1. ما أهم القدرات التي أتمتع بها في اعتقادك؟
2. ما أكثر الأمور التي تعجب بها في شخصيتي؟
3. ما النواحي التي تعتقد أنني بحاجة إلى تحسينها وتطويرها؟
الركن الثاني: التعامل مع نقاط الضعف:
(ذات يوم قصد ديل كارنيجي أحد الفنادق ليرتاح، وما إن فتح باب المصعد حتى فوجئ فيه برجل يقعد على كرسي ذي عجلات، ولما وصل المصعد إلى الطابق الذي يقصده قال الرجل: آسف لإزعاجك، فأفسح له الطريق، فخرج إلى غرفته، وبعد أن ارتاح ديل كارنيجي قليلًا، قصد الرجل الـمُقعَد إلى غرفته، ليتعرف عليه، بعد أن لفتت نظره ابتسامة الرجل، وهو العاجز الجالس على الكرسي المتحرك.
فقال الرجل: لقد حدث هذا عام 1929م، عندما أردت قطع بعض القصب، لزراعة الفول في حديقتي، وضعت رزمة القصب في السيارة، وصعدت السيارة لأعود إلى المنزل، ولكن أثناء عودتي انزلقت قصبة تحت دولاب (عجلات) السيارة، فتدهورت بي السيارة، وارتطمت بشجرة كبيرة، فأصيب العمود الفقري، وأصبت بالشلل.
كنت عند وقوع الحادث في الرابعة والعشرين من عمري، وما زلت منذ ذلك الحين لا أقدر على السير خطوة واحدة، في البداية ثُرت وغضبت، ولعنت حظي العاثر، ولكن بمرور الأيام، اكتشفت أن غضبي وحزني لن يغير شيئًا، ورأيت كيف كان الناس لطفاء وكرماء معي، فأردت أن أكون بدوري لطيفًا وكريمًا معهم.
يقول ديل كارنيجي: ثم أخبرني كيف حوَّل هذه الهزيمة إلى انتصار، لقد استطاع خلال 14 سنة أن يقرأ ما يزيد على 1400 كتاب، فتحت أمامه آفاقًا جديدة، قال لي: لقد أصبحت ولأول مرة في حياتي، قادرًا على التطلع إلى العالم، ومعرفة حقيقة القيم فيه، وأدركت أن ما كنت أطمح إلىه في السابق لا قيمة له.
وكنتيجة للقراءة والمطالعة صار يهتم بالسياسة والأمور العامة، وأخذ يلقي الخطب، وهو يجلس على الكرسي المتحرك، واليوم يشغل هذا الرجل "بن فورستون" منصب سكرتير الدولة في ولاية جورجيا، وهو ما زال كسيحًا كما كان) [دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي، ص(136-137)، بتصرف].
فتأمل قصة هذا الرجل كيف استطاع أن يحوِّل نقطة ضعفه إلى نقطة قوة، وهزيمته إلى انتصار! فلولا مكوثه الساعات الطوال قعيدًا على الكرسي ذي العجلات، لما كان قد وجد الوقت الكافي لأن يكون موسوعيًّا في اطلاعه، وأن يُحصِّل تلك المعارف الواسعة التي مكنته من أن يحتل هذا المنصب الرفيع.
وبالمثل أنت يا طالب النهوض، إذا كان لديك ليمون حامض، لم لا تمزجه بالماء والسكر، وعن طريق الخلاط يمكنك أن تصنع منه شراب الليمونادة اللذيذ، إذا كان لديك نقاط ضعف لم لا تسأل نفسك: كيف تحوِّلها إلى نقاط قوة، وأنت قادر على ذلك بعون الله؟ إذا استعنت بالله تعالى، وفكرت قليلًا في ذلك، فإذا نجحت في ذلك ـ كما هو الظن فيك إن شاء الله ـ فقد استكملت بذلك ركني الانطلاقة الحقيقية نحو الثقة بالنفس.
الوسيلة الثالثة: تخيَّر رفقة تثق بك:
يقول الأستاذ هيرش مانويل: (ولأصدقاء المرء خاصة دور كبير في توجيهه إلى ما فيه نجاحه، ويكفي أن يبدي هؤلاء ثقتهم فيه لينجح أو عدم ثقتهم فيه ليفشل، ومن ثَم فخير للرجل الذي يسعى إلى اكتساب الثقة بنفسه أن يصادق أشخاصًا يثقون فيه كما يثقون بأنفسهم) [أتح لنفسك فرصة، جوردون بايرون، ص(35)].
فإن ثقة الناس بك مصدر لاكتساب ثقتك بنفسك، فاسعَ إلى التعرف إلى هؤلاء الذين يثقون بك، وكم من رجل نجح لأن زوجته كانت تؤمن به إيمانًا مطلقًا! وكم من زوجة فعلت المعجزات لأن زوجها كان يؤمن بها.
وخَيْرُ من تتخير لصحبتك أحد رجلين: (رجل ناجح واثق بنفسه أو رجل واثق بك، فإذا وجدت من اجتمعت له هذه الصفات كلها فلك أن تغبط نفسك بصداقته، فمن الواضح أن في مقدورك أن تتعلم كيف تكون الثقة بالنفس من رجل واثق بنفسه) [أتح لنفسك فرصة، جوردون بايرون، ص(35)].
المصادر:
·أتح لنفسك فرصة، جوردون بايرون.
·صيد الخاطر، ابن الجوزي.
· أيقظ قدراتك واصنع المستقبل، د.إبراهيم الفقي.
لنا عندك حويجة
- التفاصيل