محمد السيد عبد الرازق
ولم تحظ الأعمال الصالحة في أيام من الدهر بمحبة من الرحمن قدر ما تناله خلال هذه النفحة العطرة، وبتلكم الحقيقة بعث إلينا حبيبنا وإمامنا صلى الله عليه وسلم بتوجيه إيماني عبر رسالة نبوية قال فيها: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشـيء) [صححه الألباني في صحيح سنن الألباني، (2130)].
فجنى المؤمنون ثمار هذه المحبة من الرحمن لتلك الأيام، حيث قضى الكريم جل في علاه بمضاعفة ثواب الأعمال، فها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يزفُّ إلينا بالبشارة: (ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى) [حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، (1248)]، فيا لها من أيام مباركة جزيلة الخير، عظيمة النفع، جليلة القدر.
يوم العتق العظيم:
وفي نهايتها تكون الفرحة الكبرى بخير يوم من أيام الله إنه يوم عرفة حيث يقام سوق العتق من جديد، وتفتح الجنة أبوابها متهللة تستقبل أفواج العتقاء، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة ...) [رواه مسلم].
فهنيئًا لمن أحسن الظن بربه وفاز بالعتق في هذا اليوم، فما بينه وبين الجنان إلا أن تصعد روحه إلى بارئها، فأكثِر من الدعاء لله تعالى في ذلك اليوم العظيم، وناجه بقلب ذليل منكسر، وكن لحوحًا في دعائك، فهو السميع القريب.
ولعظمة ذلك اليوم كان سلفنا يعظمونه ويقدسونه ويقدمون فيه لله ما لا يقدمونه في غيره من الأيام، فعن مصعب بن ثابت قال: (بلغني والله أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة، ومعه مئة رقبة، ومئة بدنة، ومئة بقرة، ومئة شاة، فقال: الكل لله) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (3/50)].
وعن أبي هارون قال: (انطلقنا حجاجًا، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدثناه بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا، بعث إلى كل رجل منا بأربع مئة، فرجعنا، فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردوا علي معروفي، فلو كنت على غير هذه الحال، كان هذا لكم يسيرًا، أما إني مزودكم: إن الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (3/50)].
وقال عبد الله بن المبارك: (جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تذرفان فالتفت إليَّ، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له) [لطائف المعارف، ابن الجوزي، ص(310)].
ونظر القاسم بن محمد إلى رجل يسأل الناس يوم عرفة؛ فقال له: (ويحك يا سائل أتسأل في هذا اليوم غير الله عز وجل ؟) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (49/181)].
انسف ذنوبك:
هل أثقلتك ذنوبك وأنَّ لحملها قلبك، أبشر بصفقة من الغفور الرحيم لن تبذل فيها كبير جهد ولا عظيم نصب أو تعب، تصوم يومًا واحدًا من تلك العشر فيغفر الله لك ذنوب العام الماضي والعام المقبل أيضًا.
نعم ... صدِّق ما قرأته ستغفر ذنوبك أيها التائب الأواب ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم، لمن صام يوم عرفة: (صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده) [رواه مسلم].
فيا له من إله رحيم تواب غفور، يعطي الأجر الكثير على العمل القليل، ويغفر عظيم الزلات بقليل الحسنات والقربات، ويعطينا الفرصة تلو الفرصة، ليطهرنا من الذنوب ويعافينا من العيوب.
أبواب الخير:
وها هي أبواب الخير تفتح وتدعوك للولوج، وتنادي عليك أن هلم إلى الفلاح والنجاح، هيا أيها الهمام المقدام، ثقل موازينك، وبيض صفحات كتابك، وأسرج مصباح قلبك، وأشعل نيران عزيمتك، وارتع بروحك في رياض الجنة.
1- مفتاح التوبة:
وقبل أن تلج عبر أبواب الخير في العشر الأوائل من ذي الحجة، فلابد لك من مفتاح الدخول إلى تلك الرياض العطرة، ألا وهو التوبة مما اقترفته يداك من ذنوب وآثام، أو مما قصرت فيه جوارحك من طاعة الرحيم الرحمن، أو مما خالج قلبك من أمراض القلوب والآفات.
وإنه شرط بشرط أن تعلنها توبة نصوحًا قبل بداية العشر، لتحقق أكبر استفادة من أبواب الخير، فالطريق إلى الله تقطع بالقلوب لا بالأبدان، ومن ثقل حمله خفَّ سيره، وقصرت به همته عن الوصول لمبتغاه.
وأنت الآن تحتاج إلى قلب خفيف الأحمال ليكون سريع الخطا إلى الكبير المتعال.
ولا مناص أمامك لتخفيف أحمال قلبك من الذنوب إلا بتوبة صادقة تَجُبُّ ما قبلها، وتزيل عن كاهلك أحمال طالما ناء قلبك بحملها، لتكون من المفلحين الذين عناهم الله بقوله: { فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص: ٦٧].
ومن بعده قال حبيبه وحبيبك صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار) [رواه مسلم].
أيُّ نور سرى يزيح ظــــــــلامًا عن دروبي ويبعث القلــب حيًّا
يغسل القلب من عوارض آثام فيـــــحييه بعد قلبًا نـــــــــــــقيًّا
جئت ربي أسألك العـــــــــــفو فهب لي من لدنك عفوًا رضـيًّا
ربِّ إن غاب عفوك اليوم عني أي شيء تـــراه يبقـــــــى لديا؟
كيف الطريق؟
1. ترك وإقلاع:
وهو حقيقة التوبة، أن تترك المعصية لله جل وعلا، أن تُقلِع عن الذنوب وتعود إلى علام الغيوب.
فما أكذب عبد يقول: يا رب تب عليَّ، وكأس الخمر ما زال في يده!
وما أقبح شاب يهتف: يا رب غفرانك، وما زال مقيمًا على علاقة مع فتاة!
2. اكتواء بنار الندم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة) [صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (4252)].
وأي إنسان أحق بالندم ممن عصى الله جل وعلا؟!
فعلام يندم الإنسان إذا لم يندم على تفريطه في جنب ربه؟!
ألا يندم على تسويد قلبه بالسيئات، وجنيه لأشواك الزلات؟!
ألا يندم على إغضابه لربه وخالقه، وإسعاده لشيطانه وعدوه؟!
3. عزم أكيد لا يفله الحديد:
فلابد للتائب من عزم أكيد ويقين من حديد، أنه لن يعود إلى ذلك الذنب مرة أخرى ما دام في صدره نفس يتردد، وهذه ثمرة طبيعية لما وجده التائب الصادق من حرارة الندم، بعد أن زلَّت قدمه في أشواك الطريق.
4. حسن ظن لا قنوط:
إياك إياك والقنوط!
فلا يكن ظنك كظن من روى خبره صاحب الإحياء، فقال: (يروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله تعالى عشرين سنة ثم عصاه عشرين سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك؛ فقال: إلهي، إني أطعتك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟!
فسمع قائلًا يقول ولا يرى شخصًا: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك وإن رجعت إلينا قبلناك) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (3/118)].
2- شفاء القلوب:
فلتقبل على قراءة كتاب الله تعالى وتدبره في تلك العشر المباركة، وأبشر أيها التالي المتدبر (فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته: من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تُطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما.
وتُثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه، وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد.
وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشـراحًا وبهجة وسرورًا، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل، وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل.
وفي تأمل القرآن وتدبره وتفهمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد) [مدارج السالكين ، ابن القيم، (1/451-453)، بتصرف].
ومن أراد التدبر والخشوع والانتفاع بالقرآن فعليه برباعية التدبر والانتفاع القرآنية التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم؛ حين قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].
فتمام التأثر بالقرآن متوقف على هذه العوامل الأربعة؛ ألا وهي:
1. وجود المؤثر المقتضي للتأثير.
2. وجود المحل القابل لحدوث التأثر.
3. وجود الشرط اللازم لحدوثه.
4. انتفاء المانع الذي يمنع التأثر.
(فقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} فهذا هو المؤثر؛ وقوله: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، وقوله تعالى: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي وجه سمعه، وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام، وقوله تعالى: {وَهُوَ شَهِيدٌ}؛ أي: شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساهٍ، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيابه عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، ووجد الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر؛ حصل الأثر، وهو الانتفاع والتذكير) [الفوائد، ابن القيم، ص(3)].
وهنيئًا يا تالي القرآن مرة أخرى بملايين الحسنات التي سيُملأ بها ميزانك بإذن الله، فلك بكل حرف تقرؤه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفًا من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) [صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2910)].
المصادر:
·الفوائد، ابن القيم.
·مدارج السالكين ، ابن القيم.
·لطائف المعارف، ابن الجوزي.
·تاريخ دمشق، ابن عساكر.
أحب الأيام
- التفاصيل