أحمد على سليمان*
لقد أسس النبى (صلى الله عليه وسلم) مجتمعًا متكاملًا فاضلًا تسوده القيم والأخلاق الفاضلة.. تلك القيم التى تعد المحرك لبناء مجتمع نابه يقوم على ركائز وأسس ربانية، وكانت محققة لخيرية الأمة التى امتدحها الله بقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، ومن ضمن هذه القيم التى يجب أن نغرسها ونحيها فى مجتمعاتنا المعاصرة، لا سيما فى مجتمع الشباب، قيم الرضا والقناعة ..
فالقناعة كنـز لا يقدر بمال الدنيا كلها، وقديمًا قيل “القناعة كنـز لا يفنى”.. وهى تعنى الرضا بما قسمه الله، ولو كان قليلًا، وهى عدم التطلع إلى ما فى أيدى الآخرين، وهى علامة على صدق الإيمان .
والقناعة والرضا من المرتكزات القيمية فى الإسلام، لأنها تعنى الثقة فيما عند الله، وعدم استعجال الرزق مع الحركة الدؤوبة فى السعى إليه، كما تعنى أن حبال الوصال بين العبد وربه موصولة وقوية، ومتينة ومرتكزة على اليقين فى قدرة الله والثقة فى وعوده.. وتعنى عدم التطلع إلى الدنيا أو التكالب عليها، والرضا بأقل القليل إرضاء لله، ورضا بقسمته العادلة.. وتعنى التضحية بالدنيا الفانية فى سبيل الآخرة الباقية ومجاورة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيها ..
لقد بلغ من قناعته (صلى الله عليه وسلم) أنه كان دائمًا ما يدعو بقوله: “اللهم أحينى مسكينًا وأمتنى مسكينًا واحشرنى فى زمرة المساكين”.. وكان عليه الصلاة والسلام ينام على الحصير، فرآه الصحابة وقد أثر الحصير فى جنبه، فأرادوا أن يعدوا له فراشًا لينًا يجلس عليه؛ فقال لهم: (ما لى وما للدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) [ الترمذى وابن ماجة ].
وكان (صلى الله عليه وسلم) يعمل بالتجارة فى مال السيدة خديجة -رضى الله عنها- وكان يربح كثيرًا، وبعد ذلك لم يطمع لحظة فى هذا المال أو فى غيره، حتى كان مثار إعجابها بشخصيته (صلى الله عليه وسلم) وكانت تُعْرَضُ عليه الأموال التى يغنمها المسلمون فى المعارك، فيوزعها على أصحابه وعلى المحتاجين.. وكان منطلقه الخالد: (ازهد فى الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك الناس) [أخرجه الحاكم فى مستدركه] ، و(ارْضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)[الترمذى وأحمد].
إن المسلم الحقيقى دائما ما يقنع بما قسمه الله له فما يتعلق بالدنيا، غير أنه لا يقنع بعمل الخير مهما كثر، بل يحرص على تحصيل مرضاة الله تعالى، ويعمل على التزود من التقوى، ومن كل ما يقربه من خالقه، يقول تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران :133 ].
وقد امتثل الصحابة الكرام لتوجيهات الخالق سبحانه وتوجيهات النبى (صلى الله عليه وسلم)، وامتثلوا لتلك الأخلاق امتثالًا أبهر الدنيا كلها، فهذا الصحابى الجليل سلمان الفارسى (رضى الله عنه)، الذى كان واليًا على إحدى المدن، وكان راتبه خمسة آلاف درهم، ومع ذلك كان يتصدق بها جميعًا، ولكنه كان يشترى خوصًا بدرهم، فيصنع به المكاتل -المقاطف والقفف- فيبيعها بثلاثة دراهم؛ فيتصدق بدرهم، ويشترى طعامًا لأهله بدرهم، ودرهم يبقيه ليشترى به خوصًا جديدًا، فكان مضرب المثل فى الرضا والقناعة . أما الصحابى الجليل حكيم بن حزام (رضى الله عنه) فقد ذهب إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) وسأله أن يعطيه، فأعطاه. ثم سأله ثانية، فأعطاه. ثم سأله ثالثة، فأعطاه النبى (صلى الله عليه وسلم). ثم قال له مُعلِّمًا: (يا حكيم، إن هذا المال خَضِرٌ حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبَارَكْ له فيه، وكان كالذى يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلي). [متفق عليه]. فعاهد حكيم النبى (صلى الله عليه وسلم) ألا يأخذ شيئًا من أحد أبدًا حتى يفارق الدنيا، وبعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) كان أبو بكر يطلبه ليعطيه نصيبه من المال، فيرفض، وعندما تولى عمر (رضى الله عنهما) الخلافة دعاه ليعطيه فرفض حكيم، فقال عمر: يا معشر المسلمين، أشهدكم على حكيم أنى أعرض عليه حقه الذى قسمه الله له فى (الغنيمة)، فيأبى أن يقبله..!! وظلَّ حكيم (رضى الله عنه) قانعًا، لا يتطلع إلى المال بعد نصيحة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حتى إنه كان يتنازل عن حقه، ويعيش من عمله وجهده.. راضيا وقانعًا.
*المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية
حاجة الشباب المسلم إلى قيم الرضا 1ـ 2
- التفاصيل