أم عبد الرحمن محمد يوسف
زهرة حبيبتي، في تلك الأجواء الرائعة التي نعيشها مع عيد الأضحى، نتذكر كيف كان إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل يوم أن رأى خليل الله الرؤيا، حينها ضربوا لنا أروع الأمثلة في التضحية والفداء {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 102 – 111].
وفي ذلك المقال، نعيش مع بعض الأمثلة الرائعة، في محاولة لاكتساب صفحة التضحية لدى فتاة الإسلام.
سيِّد الباذلين:
إنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي كانت حياته كلها نسيجًا متكاملًا من العمل للدين والتضحية في سبيل الله، لم يدخر وقتًا ولا جهدًا ولا مالًا من أجل أمته.
فكان يضحي بنومه وراحته، ويقف بين يدي ربه يبتهل إليه أن يرحم أمته، كما روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله سبحانه في إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، وقول عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].

فرفع يديه وقال: (اللهم أمتي أمتي)، وبكى، فقال الله عز وجل: (يا جبريل، اذهب إلى محمد، فسله: ما يبكيك؟)، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله؛ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فأخبر جبريلُ ربَّه، وهو أعلم، فقال الله سبحانه وتعالى: (يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءُك) [رواه مسلم].

وكان يبذل وقته وجهده ليسيح في الأرض يبلغ دعوة ربه، ويتحمل من أجل ذلك المشاق العظام، حتى أنه سار على قدميه ستين ميلًا؛ أي ما يعادل 90 كيلومترًا تقريبًا، ذهابًا وإيابًا، في رحلة دعوية إلى الطائف، ليبلغ دين الله تعالى.

وتحمل الأذى والسخرية والإهانة في سبيل الله؛ (ففي شوال سنة عشر من النبوة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهابًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها.

فلما انتهى إلى الطائف؛ عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وإلى نصرة الإسلام.

فقال أحدهم: هو يَمْرُط ثياب الكعبة [أي يمزقها] إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وَجَدَ الله أحدًا غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، إن كنتَ رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلَّمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبُّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاج في رأسه) [الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، ص(100)، بتصرف].

وضحى بماله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، حتى قالت عائشة رضي الله عنها تصف حاله وحال أهله: (ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم) [رواه مسلم].

وكان صلى الله عليه وسلم يأسف ويحزن ويُصاب بالهموم ألمًا على قومه وحرصًا منه على هدايتهم، فكأنه يبذل سعادته من أجلهم، حتى عاتبه ربه على ذلك؛ فقال له سبحانه وتعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: ٦]، أي (لا تهلك نفسك أسفًا عليهم) [تفسير ابن كثير، (5/137)].

وفي موقف فريد عجيب، يستحق أن يُسجَّل في صفحات التاريخ بحروف من ذهب، يروي لنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: (يا أم فلان، انظري أي السكك شئتِ حتى أقضي لك حاجتك)، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها [رواه مسلم].

يا لله! رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف مع تلك المرأة التي في عقلها شيء، أي أنها لن تطلب منه حاجة ذات قيمة معتبرة، ولكنها في الغالب ستشتكي إليه بعض همومها، أو تبث له بعض أحزانها، وعلى الرغم من ذلك يستجيب لها ويقف معها إلى أن يقضي لها حاجتها!

فلله درك يا رسول الله على ما قدَّمتَه لأمتك من تضحيات جليلة، وعلى ما بذلته من وقت وجهد ومال لرفعة هذه الأمة ونهضتها.

فداك قرابتي وجميع مـالي        وأبذل مهجتي دومًا إليـك

الصدِّيق على الدرب:

وها هو أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه يقفو أثر حبيبه وصاحبه محمد صلى الله عليه وسلم، فيضرب لنا أروع الأمثلة في التضحية وبذل الغالي والنفيس في سبيل الله.

يقول عمر رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك؟)، قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك؟)، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت لا أسابقك إلى شيء أبدًا [حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (1678)].

وحبيبٌ يكمل المسيرة:

إنه حبيب بن زيد مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جيء به إلى مسيلمة الكذاب يحمل آثار تعذيب شديد أنزله به هؤلاء المجرمون، مؤمِّلين أن يسلبوه شجاعة روحه، فيبدو أمام الجميع متخاذلًا مستسلمًا، مسارعًا إلى الإيمان بمسيلمة حين يُدعَى إلى هذا الإيمان أمام الناس، وبهذا يُحَقِّق الكذاب الفاشل معجزة موهومة أمام المخدوعين به.

(قال مسيلمة لحبيب: (أتشهد أن محمدًا رسول الله؟).

قال حبيب: (نعم، أشهد أن محمدًا رسول الله).

وكست صفرة الخزي وجه مسيلمة، وعاد يسأل: (وتشهد أني رسول الله؟).

وأجاب حبيب في سخرية قاتلة: (إني لا أسمع شيئًا!).

وتحوَّلت صفرة الخزي على وجه مسيلمة إلى سواد حاقد مخبول،
لقد فشلت خطته، ولم يجده تعذيبه، وتلقَّى أمام الذين جمعهم ليشهدوا معجزته، تلقَّى لطمة قوية أسقطت هيبته الكاذبة في الوحل.

هنالك هاج كالثور المذبوح، ونادى جلَّاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسنِّ سيفه، ثم راح يُقَطِّع جسده قطعة قطعة، وبضعة بضعة، وعضوًا عضوًا، والبطل العظيم لا يزيد على همهمة يردد بها نشيد إسلامه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ولسان حاله يردد خلف أخيه خبيب بن عدي عندما وقف موقفًا مقاربًا لذلك:

ولست أبالي حيـــن أُقتَلُ مسلمًا          على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإلـــه وإن يشأ           يـبـارك عـلى أوصـال شــلـو ممــزع

لو أن حبيبًا أنقذ حياته يومئذٍ بشيء من المسايرة الظاهرة لمسيلمة، طاويًا على الإيمان صدره؛ لما انتقض إيمانه شيئًا، ولا أصاب إسلامه سوء،
ولكن الرجل الذي شهد مع أبيه، وأمه، وخالته، وأخيه بيعة العقبة، والذي حمل منذ تلك اللحظات الحاسمة المباركة مسئولية بيعته وإيمانه كاملة غير منقوصة، ما كان له أن يوازن لحظة من نهار بين حياته ومبدئه) [حياة النور، فريد مناع، ص(52-53)].

ومن ثَمَّ؛ لم يكن أمامه لكي يربح حياته كلها مثل هذه الفرصة الفريدة، التي تمثَّلت فيها قصة إيمانه كلها؛ ثبات، وعظمة، وبطولة، وتضحية، واستشهاد في سبيل الهدى والحق، يكاد يفوق في حلاوته، وفي روعته كل ظفر وكل انتصار [رجال حول الرسول، خالد محمد خالد، ص(230-233)].

تبقى صروح الحق شامخة وإن          أرغى وأزبد عندها الإعصار

قبسٌ من نور الدين

ومن نورِ "نور الدين محمود" نقتبس شعاعًا من ضوء البذل والتضحية، حين كان ملكًا للشام، فلم تُغرِه زخارف الدنيا ولا بهرجة الملك، واكتفى بما يقيم حاله، فاشتكت له زوجته ضيق الحال وقلة الزاد وزيادة النفقة، وكان رحمه الله لا يأكل ولا يلبس إلا من ملك كان له اشتراه من سهمه من الغنيمة، فاحمرَّ وجهه وقال: (من أين أعطيها ما يكفيها، والله لا أخوض نار جهنم في هواها)، ثم قال: (لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكًا، قد وهبتها إياها فلتأخذها) [صفحات من التاريخ الإسلامي (الدولة الفاطمية)، علي محمد الصلابي، (1/119)].

هي الأمجادُ، تعرف حين تسعـى         لغـــايــتها موازينَ الرِّجالِ

وتــعـرف أنَّ أهـــلَ الحـــقِّ أولى           بـها مــن كلِّ ذي جاهٍ ومالِ

من للإسلام إن لم نكن نحن؟

وبعد هذه النماذج البرَّاقة، يأتي السؤال الملح الذي يدمدم في رأس كل فتاة غيورة على أمتها ودينها، إذا كان سادتنا الأوائل ضحوا بالغالي والنفيس من أجل رفعة دين الله وعزة الإسلام؛ فمن للإسلام اليوم إن لم نكن نحن؟

نعم يا زهرة الإسلام، من للإسلام إن لم نكن نحن؟

(من لهذا الدين الجريح، يُضمِّد جرحه، ويكفكف دمعه، بعد أن ضاعت هيبته بين كيد أعدائه وجحود أبنائه، إن لم نكن نحن؟!

من لأراضينا التي اغتُصبت، وأعراضنا التي انتُهكت، إن لم نكن نحن؟!

من لأنَّات الثكالى، ولآهات الصبايا، إن لم نكن نحن؟!

من لأطفال يتامى، ولأشياخ مستضعفين، إن لم نكن نحن؟!

من لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي حُوربت، وعرضه الذي تحاول الكلاب أن تنهشه في صحفهم وإعلامهم، فمن لعرضه صلى الله عليه وسلم يذبُّ عنه، إن لم نكن نحن؟!) [يا له من دين لو أن له رجالًا، فريد مناع].

من لمحارم الله تُنتهك، ومن لمعاصيه تُرتكب، إن لم نكن نحن؟!

من لأمتنا التي تعاني قهرًا وعسفًا، وانحطاطًا وتخلفًا، وانحرافًا وضلالًا، وفقرًا وجوعًا، إن لم نكن نحن؟!

فالأمة الآن في أمسِّ الحاجة لمن يمسح عَبْرَتَها، ويسعى بجدٍّ واجتهاد لنهضتها ورفعتها، ولن يتأتى ذلك إلا بإحياء معاني البذل والتضحية بين المسلمين عامة، وبين المسلمات زهراوات الإسلام خاصة، فليكن ذلك العيد حبيبتي بداية لكِ بالتأسي بساداتنا من الأنبياء والصحابة والصالحين في التخلق بهذا الخلق العظيم.

المصادر:
·تفسير ابن كثير.
·صفحات من التاريخ الإسلامي (الدولة الفاطمية)، علي محمد الصلابي.
·رجال حول الرسول، خالد محمد خالد.
·حياة النور، فريد مناع.
·يا له من دين لو أن له رجالًا، فريد مناع.

JoomShaper