لداء الإعجاب بالنفس تأثيرات سلبية، ومخاطر عظيمة على كل من يصاب به، ويكفي في بيان خطورته أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعده من المهلكات... قال - صلى الله عليه وسلم -: "...فأمّا المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".
أمّا أسبابه في هلاك الشخص الذي يستسلم له فعديده، منها:
الإعجاب بالنفس شرك بالله:
فعندما يُعجب المرء بنفسه - ولو في جزئية صغيرة - فإنّه سيراها بعين التعظيم، فيثق بها ويتكل عليها في جلب النفع له في هذه الجزئية، وهذا لون خطير من ألوان الشرك.
يقول ابن تيمية رحمه الله: الرياء من باب الإشراك بالخلق، والعُجب من باب الإشراك بالنفس.
ويؤكد د. محمد سعيد البوطي على هذا المعنى فيقول:
ليس الشرك محصوراً في معناه السطحي المتمثل في عبادة الأصنام وما سوى الله، أو المتمثل في أن يتجه أحدنا بالدعاء إلى غير الله، بل إنّ المعنى خفياً يتسرب بسبب خفائه إلى أفئدة ونفوس كثير من المسلمين دون معرفة له وشعور به، وذلك هو مصدر خطورته، إذ لا يصادف عملاً صالحاً، أو عبادة من العبادات، أو نوعاً من أنواع الجهاد، إلا أحبطه وأفقده قيمته، وحوله من طاعة مبرورة إلى معصية وشرك، وصدق الله القائل: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" (يوسف: 106).
...هذا الشرك الخفي هو أن يرى الإنسان من ذاته شيئاً هو مبعث القوة إن سار وتحرك، ومبعث الدراية والفهم إن علّم وتعلّم، أو مبعث الملك والغنى إن شبع وتنعم، أو مبعث الغلبة والقهر إن قدّر وتحكّم.
فهذه كلها أوهام تناقض الحقيقة التي ركب منها الإنسان، ومن ثمّ فهي تناقض التوحيد، وتناقض حال من يزعم أنه موحد من حملة هذه الأوهام.
يحبط العمل ويفسده:
يقول النووي: اعلم أنّ الإخلاص قد يعرض له آفة العجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك من استكبر حبط عمله "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى" (البقرة: 264).
فإن قلت: ولماذا يحبط العجب العمل الصالح؟!
كان الجواب: لأنّ الله عزّ وجل لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه، واستُعين به سبحانه على أدائه، والمعجب يستعين بنفسه أكثر مما يستعين بالله، لذلك قال ابن تيمية: المعجب بنفسه لا يحقق إياك نستعين، كما أنّ المرائي لا يحقق إياك نعبد. فالعُجب يحبط العمل الصالح الذي قارنه لأنّه ينافي الإخلاص لله عزّ وجل...
كان المسيح عليه السلام يقول: يا معشر الحواريين كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العجب.
فيا بؤس المعجب بنفسه، وهو يرى عمله الذي بذل فيه جهده قد أحبط.. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: إنّها خطيئة فليستقبل العمل".
ويطلق يحيى بن معاذ تحذيراً شديداً فيقول: إياكم والعجب، فإنّ العُجب مهلكة لأهله، وإنّ العُجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب... فالذي يبيت نائماً ويصبح نادماً، خير ممن يبيت قائماً ويصبح معجباً.
قيل لابن المبارك: ما الذنب الذي لا يُغفر؟
قال: العُجب.
وكان الصالحون يرون أنّه: يموت مذنباً نادماً أحب إليهم من أن يموت معجباً.
جاء في الحديث: "كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنباً، والآخر مجتهداً في العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعث عليّ رقيباً؟! فقال: والله لا يغفر لك، أو لا يدخلك الله الجنّة، فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنّة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار".
يؤدي إلى غضب الله ومقته:
قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان".
وقال عليه الصلاة والسلام: "النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت".
فإن قلت: لماذا يتعرض المعجب بنفسه لمقت الله؟!
يتعرض لذلك لأنّه جاحد لفضل ربه العظيم عليه...
تخيّل أنّك تساعد شخصاً على قضاء حاجة له، فإذا به يذهب بعد قضائها إلى آخر ليحمده... ماذا ستكون مشاعرك نحوه؟! وماذا لو تكرر ذلك مرات ومرات؟!
إنّه لمن الطبيعي أن يفرح العبد بفضل ربه، على كل نعمة يسديها إليه، وعمل صالح يوفقه إلى فعله.
فإن لم يفعل ذلك وجحد نعم ربه عليه، بل فرح بنفسه وحمدها على ما لم تفعله، فماذا سيكون وضعه عند ربه؟!... إنّه المقت والعياذ بالله.
لذلك قال ابن الحجاج في المدخل: من كان في نفسه شيء فهو عند الله لا شيء.
وقال كعب لرجل رآه يتتبع الأحاديث:
اتق الله وارض بالدون من المجالس، ولا تؤذ أحداً، فإنّه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالاً ونقصاً.
وقيل للسيدة عائشة رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئاً؟
قالت: إذا ظنّ أنّه محسن.
يؤدي إلى الخذلان وحرمان التوفيق والتعرض للفتن:
انظر إلى ما حدث للمسلمين في غزوة حنين عندما اتكلوا على قوتهم، وأعجبوا بها حيث كان الجيش الإسلامي كبيراً لدرجة أنّ العُجب قد دخل إلى بعض النفوس، كما قال تعالى: "ويوم حُنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ وليتم مدبرين".
يقول المباركفوري: وبينما هم ينحدرون في وادي حُنين، وهم لا يدرون بوجود كمائن العدو في مضايق هذا الوادي، إذا بكتائب العدو وقد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب وهو حديث عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، أي البحر الأحمر.
وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهة اليمين و هو يقول: "هلموا إليّ أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وبعض أهل بيته.
ولقد بعث أبو بكر لخالد بن الوليد رضي الله عنهما رسالة بعد انتصاراته في العراق: فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك. ولا يدخلنك عُجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإنّ الله له المن وهو ولي الجزاء.
وقال الحسن: ليس بين العبد وبين ألا يكون فيه خير إلا أن يرى أنّ فيه خيراً.
يؤدي إلى اتباع الهوى ونسيان الذنوب:
فالمعجب ينظر لنفسه بعين الرضا، ولا ينظر إليها بعين الاتهام والحذر، فإذا ما رضي الإنسان عن نفسه انقاد لما تحبه، وتدعو إليه، لذلك يقول ابن عطاء: أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا بالنفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالِماً يرضى عن نفسه. فأي علم لعالِم يرضى عن نفسه؟! وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟ّ
ومن خطورة العُجب أنّه يوقع العبد فيما حذر منه يوسف بن الحسين الجنيد عندما قال: لا أذاقك الله طعم نفسك فإن ذقتها لا تفلح. وفي رواية: فإنّك إن ذقتها لم تذق بعدها خيراً أبداً.
وفي الأثر: قال الله عزّ وجل لداود عليه السلام: يا داود إنّي قد آليت على نفسي أن لا أثيب عبداً من عبادي إلا عبداً قد علمت من طلبه وإرادته وإلقاء كنفه بين يدي أنّه لا غنى له عنّي، وأنّه لا يطمئن إلى نفسه بنظرها وفعالها إلا وكلته إليها...أضف الأشياء إليّ فإنّي أنا مننت بها عليك.
قد يؤدي إلى سوء الخاتمة والتعرض للحساب الدقيق يوم القيامة:
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل الجنّة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر".
قال عمر: من قال إنّه عالِم فهو جاهل، ومن قال إنّه في الجنّة فهو في النار.
وقال قتادة: من أعطي مالاً، أو جمالاً، أو علماً، أو ثياباً ثمّ لم يتواضع فيه كان عليه وبالاً يوم القيامة.
وفي الأثر: أوحى الله إلى داود: يا داود، أنذر عبادي الصديقين، فلا يُعجبُنّ بأنفسهم ولا يتكلُنّ على أعمالهم. فإنّه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب، وأقيم عليه عدلي إلا عذبته من غير أن أظلمه. وبشر عبادي الخطائين: أنّه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره، وأتجاوزه.
قال تعالى: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلواً في الأرض ولا فساداً"(القصص: 83).
يؤدي إلى نفور الناس من صاحبه:
فالناس لا تحب من يشعرها بنقصها، ويحدثها من عَلٍ.
والناس لا تحب من يكثر الافتخار بنفسه والمباهاة بإنجازاته...
لذلك قد ترى المعجب بنفسه كثير المعارف لكنه قليل الأصحاب والأصدقاء.
يقول مصطفى السباعي: نصف الذكاء مع التواضع أحب إلى قلوب الناس وأنفع للمجتمع من ذكاء كامل مع الغرور.
يؤدي إلى الكبر وعدم القدرة على قبول الحق ومن ثمّ الخسران المبين:
إعجاب المرء بنفسه ورؤيتها بعين التعظيم يؤدي إلى رؤية الآخرين بعين النقص، وشيئاً فشيئاً ينمو هذا التصور داخله حتى يصير به متكبراً، ويكتب في الجبارين كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم".
فالكبر إذن ثمرة طبيعية من ثمرات العجب، أمّا خطورته فتفوقه بكثير، يقول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".
ويتحدث أبو حامد الغزالي عن خطورة الكبر فيقول: وإنّما صار الكبر حجاباً دون الجنة، لأنّه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلقان تلك الأبواب كلها، لأنّه لا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس واغتيابهم وفيه العز... فما من خلق ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ عزه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفاً من أن يفوته عزه.
وفي النهاية: يلخص الدبوسي في كتابه "الأمد الأقصى" خطورة العجب وما يسببه من هلاك وخذلان فيقول:
دمار العُجب يشمل الدارين، فكان عملاً بلا جدوى، وما هو إلا عمل الحمقى.
ولا نرى معجباً إلا ممقوتاً بين الناس، فكيف حاله مع ربه وهو مشرك بعجبه.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك: العجب".
وقال ضرار بن مرة: يقول إبليس: إذا تمسكت من ابن آدم ثلاث أصبت منه حاجتي:
إذا نسي ذنوبه.
واستكثر عمله.
وأعجب برأيه.
وخلاصة القول - كما قال الماوردي -: إنّ العُجب سيئة تحبط كل حسنة، ومذمّة تهدم كل فضيلة، مع ما يثيره من حَنق، ويكسبه من حقد.
خطورة الإعجاب بالنفس
- التفاصيل