"ما سرني أنّ أصحاب محمّد "صلى الله عليه وسلم" لم يختلفوا؛ لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة". عمر بن عبد العزيز.
أسباب اختلاف الصحابة
قال ولي الله الدهلوي: انقضى عصر الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" وهم مجتمعون معه - أي الصحابة رضوان الله عليهم-، ثمّ إنّهم
تفرقوا في البلاد، وصار كل واحد منهم مقتدي ناحية من النواحي، فكثرت الوقائع ودارت المسائل فاستُفتوا فيها، فأجاب كل واحد منهم حسبما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلة التي أراد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عليها الحكم من منصوصاته؛ فطرد الحكم حيثما وجدها لا يألو جهداً في موافقة غرضه "صلى الله عليه وسلم"، فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب، منها:
1-  أنّ صحابياً سمع حكماً في قضية أو فتوى ولم يسمعه الآخر، فاجتهد برأيه في ذلك، وهذا على وجوه:
أحدها: أن يقع اجتهاده موافقاً للحديث؛ ومثال ذلك: ما رواه النسائي وغيره أنّ ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات زوجها ولم يفرض لها، فقال: لم أرَ رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقضي في ذلك، فاختلفوا عليه شهراً وألحوا، فاجتهد برأيه وقضى بأنّ لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد أنّ رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قضى بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام.
والوجه الثاني: أن يقع بينهما المناظرة، ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظنّ، فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع؛ ومثال ذلك: ما رواه الأئمة من أنّ أبا هريرة كان من مذهبه أنّه من أصبح جنباً فلا صوم له، حتى أخبرته بعض أزواج النبي "صلى الله عليه وسلم" بخلاف مذهبه، فرجع عن ذلك إلى المسموع.

والوجه الثالث: أن يبلغه الحديث، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظنّ فلم يترك اجتهاده؛ بل طعن في الحديث، ومثاله: ما رواه مسلم من أنّ فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنّها كانت مطلقة الثلاث، فلم يجعل لها رسول الله "صلى الله عليه وسلم" نفقة ولا سكنى، فرد عمر شهادتها، وقال: لا نترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، وقضى بالنفقة والسكنى.

ومن ذلك - أيضاً - ما روى الشيخان أنّه كان من مذهب عمر بن الخطاب أنّ التيمم لا يجزئ الجنب الذي لا يجد الماء، فروى عنده عمار بن ياسر أنّه كان في سفر فأصابته جنابة ولم يجد ماء، فتمعّك في التراب، فذكر ذلك عند رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "إنّما كان يكفيك أن تفعل هكذا، وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه"، فلم يقبل عمر ولم ينهض عنده حجة تقاوم ما رآه فيه حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة، واضمحلّ وهم القادح فأخذوا به.

والوجه الرابع: ألا يصل إليه الحديث أصلاً؛ ومثاله: ما أخرجه مسلم أنّ عبد الله بن عمرو كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهنّ؛ فسمعت عائشة بذلك فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمر النّساء أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهنّ! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله "صلى الله عليه وسلم" من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات.

ومثال ذلك - أيضاً- ما ذكره الزهري - وهو في صحيح مسلم - من أنّ هنداً لم تبلغها رخصة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في المستحاضة، فكانت تبكي؛ لأنّها كانت لا تصلي.

2-                     أن يروا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فعل فعلاً فحمله بعضهم على القربة وعلى الإباحة؛ ومثال ذلك: ما رواه أصحاب الأصول في قصة التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر من عرفات؛ نزل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" به، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنّه على وجه القربة، فجعلوه من سنن الحج، وذهبت عائشة وابن عبّاس إلى أنّه كان على وجه الاتفاق بدون قصد وليس من السنن.

ومثال آخر ما ذهب إليه الجمهور من أنّ الرمل في الطواف سنّة، وذهب ابن عبّاس إلى أنّ النبي "صلى الله عليه وسلم" إنّما فعله على سبيل الاتفاق لعارض عرض له وهو قول المشركين: حطمتهم حمى يثرب، وأنّ ذلك ليس بسنّة.

3-                     اختلاف الوهم، ومثاله: أنّ رسول الله "صلى الله عليه وسلّم" حجّ فرآه الناس، فذهب بعضهم إلى أنّه كان متمتعاً، وبعضهم إلى أنّه كان قارناً، وبعضهم إلى أنّه كان مفرداً.

ومثاله أيضاً: ما أخرجه أبو داود عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلت لابن عبّاس: يا أبا عبّاس، عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في إهلال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حين أوجب، فقال ابن عبّاس: إنّي لأعلم النّاس بذلك، إنّها إنما كانت من رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا؛ خرج رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حاجاً، فلمّا صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، وأهلّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثمّ ركب، فلمّا استقلت به ناقته أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أنّ النّاس إنّما كانوا يأتون أرسالاً؛ فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنّما أهلّ رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حين استقلت به ناقته، ثمّ مضى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فلمّا علا على شرف البيداء. وأيم الله، لقد أوجب في مصلاه وأهلّ حين استقلت به ناقته وأهلّ حين علا على شرف البيداء.

4-                     اختلاف السهو والنسيان، ومثاله: ما روى الشيخان أنّ ابن عمر كان يقول: اعتمر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عمرة في رجب، فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو.

5-                     اختلاف الضبط، ومثاله: ما أخرج الشيخان من أن ابن عمر روى عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقضت عائشة عليه بأنّه وهم بأخذ الحديث على هذا، وقالت: إنّما مرّ رسول الله "صلى الله عليه وسلم" على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: "إنّهم يبكون عليها وإنّها تعذب في قبرها"، فظنّ ابن عمر أنّ العذاب معلول بالبكاء وظنّ الحكم عاماً على كل ميت.

6-                     اختلافهم رضي الله عنهم في علة الحكم، ومثاله: القيام للجنازة:

فقال بعضهم: لتعظيم الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال بعضهم: لهول الموت فيعمها أيضاً.

وقال آخرون: مر على رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بجنازة يهودي، فقام لها كراهة على أن تعلوا فوق رأسه فيخص الكافر، وكل منهم له سند صحيح من قول النبي "صلى الله عليه وسلم".

7-                     اختلافهم في الجمع بين المختلفين، مثال ذلك: أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" رخص في المتعة عام خيبر ثم نهى عنها، ثم رخص فيها عام أوطاس ثم نهى عنها، فقال ابن عباس: كانت الرخصة للضرورة، والنهي لانقضاء الضرورة، والحكم باقٍ على ذلك: وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة، والنهي نسخ محكم لها.

ومثال ذلك أيضاً: نهى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عن استقبال القبلة في الاستنجاء، فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم وكونه غير منسوخ، ورآه جابر يبول قبل وفاته "صلى الله عليه وسلم" بعام مستقبل القبلة، فذهب إلى أنه نسخ للنهي السابق، ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام فردّ به قولهم، وجمع بين الروايتين، فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء، فإذا كان في المراحيض فلا بأس بالاستقبال والاستدبار، وذهب قوم إلى أن القول عام محكم، والفعل يحتمل كونه خاصاً بالنبي "صلى الله عليه وسلم" فلا ينتهض ناسخاً ولا مخصصاً.

وهكذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفروع ومسائل الدين والفقه، لأن بعضهم سمع ما لم يسمع صاحبه، وبعضهم رأى النسخ والتخصيص في أحكام وبعضهم لم يرَ ذلك، اختلفوا في ضبط ألفاظ الحديث الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبنى كل واحد أحكاماً بناء على ما ضبطه وسمعه ووعاه، فبعضهم نسي وبعضهم ذكر وحفظ ما نسيه الآخرون. اختلفوا في فقه علل الأحكام فكل منهم اجتهد في استنباط العلة التي أناط بها الرسول الكريم حكمه وأجرى فتواه، وبنى حكمه على أساس العلة التي هداها الله إليها، وبعضهم كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً وبعضهم كان يتحرج من الرواية أو الإكثار فكان يعلم ويفقه الناس دون أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، بل يعلم الناس السنة دون رفع إلى جناب المعصوم صلى الله عليه وسلم، وأخذ التابعون عن الصحابة كل ما تيسر لهم، فحفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وقضاياهم وفتاواهم، ورجحوا بعض الأقوال على بعض، فاشتهرت فتاوى ابن مسعود عند أهل الكوفة، وابن عمر عند أهل المدينة، وابن عمرو في مصر.. وهكذا، فكان ذلك من أسباب اختلاف فقهاء الأمصار في الفروع، وكان كل ذلك رحمة من الله على العباد وتيسيراً لهم في العبادات والمعاملات.

حجية قول الصحابي:

من أسباب اختلاف الفقهاء والعلماء، أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جدّت من حوادث ووقائع تصدى للإفتاء فيها وبيان حكمها الشرعي فريق من صحابته الكرام اشتهروا بالعلم والفقه ومعرفة مصادر الشريعة ومواردها، وقد نقلت هذه الفتاوى إلى المسلمين فاحتج بها بعض العلماء وخالفهم آخرون، فمن ذهب إلى الأخذ بقول الصحابي فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع استدل بالأدلة الآتية:

1-                     قول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) (التوبة:100)

والسابقون هم الصحابة، وقد أخبر الله سبحانه أنه رضي عنهم وعمن اتبعوهم بإحسان، والأخذ بأقوالهم اتباع لهم ومحل للرضى الإلهي.

2-                     قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أمان لأصحابي وأصحابي أمان لأمتي"، وفي هذه تزكية لهم ودليل على رفعة منزلتهم وصحة الاقتداء بهم.

3-                     أن الصحابي - كما يقول الإمام ابن القيم - له مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاهاً أو من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يروِ كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم؟!

فلم يروَ عن صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده، بل صحبه من حيث بعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به وبقوله وفعله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أجلة الصحابة، روايتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه من بينهم وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزادوا على رواية أبي هريرة أضعافاً مضاعفة، فإنما صحبه أربع سنين، يقول ابن القيم - وقد روى عنه الكثير -: فقول القائل: لو كان عند الصحابي شيء في هذه الواقعة لذكره، قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية ويعظمونها، ويقللون منها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم تتمة لما سبق من قوله: والفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه:

1-                     أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

2-                     أن يكون سمعها ممن سمعها منه.

3-                     أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهماً خفي علينا.

4-                     أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي به وحده.

5-                     أن يكون لكمال علمه باللغة وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، يكون فهم ما لم نفهمه.

وعلى كل هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.

6-                     أن يكون فهم ما لم يروه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في فهمه، وعلى هذا التقدير فلا يكون حجة، ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أن الصواب في قوله دون ما خالفه، وليس المطلوب إلا الظن الغالب والعمل به متعين.

قلت: وقد جاءت أقوال عن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم الظاهر منها الاحتجاج بقول الصحابة، قال أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه: إذا لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول من شئت من أصحابه وتركت من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم.

وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته، وليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها.

وقال الشافعي رضي الله عنه: إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه موافقة ولا مخالفة، صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتاباً ولا سنناً ولا إجماعاً.

وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم هو في التابعين مخيّر.

وأما الذين لا يحتجون بقول الصحابي فاحتجوا بالآتي ذكره:

1-                     أن الصحابي ليس معصوماً من الخطأ، فهو يجتهد كغيره من المجتهدين، يجوز عليه الخطأ، وامتياز الصحابي بالفضل والعلم والتقوى لا يوجب اتباعه على مجتهد آخر.

2-                     أن الصحابة كانوا يرون ذلك، حتى إنهم كانوا يتهيبون الفتوى ويفترضون الخطأ فيها، وهذا أبو بكر الصديق حينما سئل عن الكلالة الواردة في آيات المواريث، يقول: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.

وهذا عمر يقول لأبي موسى حينما كتب في كتاب عن عمر: هذا ما أرى الله عمر: امحه واكتب هذا ما أرى عمر، فإن يك خطأ فمن عمر.

3-                     أن الصحابة كانوا يخطّئ بعضهم بعضاً، فحين عزم عمر على جلد الزانية الحامل قال له معاذ: إن الله جعل لك على ظهرها سبيلاً، فما جعل لك على ما في بطنها سبيلاً.

وحين نهى عمر عن المغالاة في المهور ردت عليه امرأة وقالت: أيعطينا الله - تعالى - بقوله: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) (النساء:20)، ويمنعنا عمر؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وكثيراً ما حصل الخلاف بين أبي بكر وعمر، وبين عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت، يقول ابن عباس: ألا يتقي الله زيد بن ثابت! يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً. وذلك لما اختلفا في توريث الجد والأخوة.

4- أن بعض التابعين خالفوا قول الصحابي ولم ينكر عليهم ذلك، بل إن بعضهم رجع عن رأيه إلى رأي التابعي، مثال ذلك: أن ابن عباس، الحبر الترجمان، أفتى في من نذر أن يذبح ابنه بذبح مائة من الإبل، فعلم بذلك مسروق، وهو من التابعين، فخالف ابن عباس وأفتى بذبح شاة واحدة قائلاً: ليس ولده خيراً من إسماعيل، فقد فداه الله بذبح عظيم، فرجع عبد الله بن عباس عن قوله إلى قول مسروق.

قال أحد الأئمة المتأخرين وهو الإمام الشوكاني: إنّ الله عزّ وجل لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمداً "صلى الله عليه وسلم"، والأمة كلها مأمورة باتباع الكتاب والسنّة، لا فرق بين الصحابة ومن بعدهم، فمن قال إنّ الحجة تقوم في دين الله عزّ وجلّ بغير الكتاب والسنة أو ما يرجع إليها؛ فقد قال في دين الله عزّ وجلّ بما لا يثبت، وأثبت في الشريعة الإسلامية شرعاً لم يأمر به الله، وهذا أمر عظيم وتقوّل بالغ؛ فإنّ الحكم لفرد أو أفراد بأنّ قوله أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب العمل به وتصير شرعاً ثابتاً متقرراً لا يصح لمسلم الركون إليه ولا العمل به؛ فإنّ هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله لا لغيرهم وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ، ولا شك أنّ مقام الصحابة مقام عظيم، لكن في الفضيلة وارتفاع الدرجة وعظم الشأن، ولا تلازم بين هذا وجعل الواحد منهم شرعاً كالرسول، وإلزام النّاس باتباعه.

واعلم أنّ اختلاف الأئمة في الفروع لم يضر الدين؛ بل على العكس أفاد الإسلام والمسلمين، وما أفاده اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الإسلام وفقهاء الأمصار والمذاهب، أن حفلت المكتبة الإسلامية بالموسوعات الفقهية الضخمة التي جعلت المسلمين يملكون ثروة تشريعية لا تملكها أمة من الأمم على ظهر الأرض المبسوطة وعلى امتداد تاريخ الزمان المنشور، كما جعلت من ذلك التشريع تشريعاً مرناً متجدداً ومستمراً وصالحاً لكل زمان ومكان، ملبياً لجميع حاجات التطور والعمران والحضارة، جامعاً بين مصالح الجسد ومصالح الروح ومتطلبات الفرد والجماعة، شاملاً لجميع أفعال النّاس، ناظماً لأمور الدنيا والدين، ذلك لأنّ الخلاف في الفروع سعة وغنى في التشريع، فإن ضاق بالأمة مذهب استعانت بالآخر، وإن صعب عليها حكم أو أوقعها في حرج لجأت إلى غيره.

قال آية السلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما سرني أنّ أصحاب محمّد "صلى الله عليه وسلم" لم يختلفوا؛ لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.

ذلك ولم يكن اختلاف الأئمة مبنياً على هوى أو انتصار لذات أو شخص أو مصلحة فانية، بل كان مبنياً على أسس علمية موضوعية، وكان الوصول إلى الحق هدفهم، ومرضاة الله تعالى وإخلاص العمل له غايتهم.

ولم يختلف السادة الأعيان في النصوص قطيعة الثبوت والدلالة، فالقرآن بجميع آياته قطعي الثبوت، وكذلك السنة المتواترة قطعية الثبوت، وإنّما ينحصر اختلافهم في النصوص الظنية أو الدلالة، ولقد جاءنا أنّ أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" اختلفوا في المسألة الواحدة، حتى في حياته صلوات الله عليه، وكان النبي الأكرم "صلى الله عليه وسلم" أحياناً يقر حكمين مختلفين ليبين إباحة الأمرين، ومن الأمثلة على ذلك:

أ‌-  عن عبد الله بن عمر قال: نادى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يوم انصرف عن الأحزاب: "لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة"، فتخوّف ناس فوات الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وإن فاتنا الوقت، قال عبد الله: فما عنّف واحداً من الفريقين.

ففي هذا الخبر المروي في الصحيح صدر نص وأمر من رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، ففهمه قوم على أنّه للحث والحض على الإسراع والعجلة، وفهمه آخرون على ظاهره وأقر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" الفريقين وأباح الفهمين، وهما في الواقع مذهبان في نص واحد.

ب‌-                   قال أبو سعيد الخدري: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثمّ وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثمّ أتيا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فذكرا له ذلك؛ فقال للذي لم يعد: "أصبت السنّة وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين".

ج- أتي بصحابيين لمسيلمة الكذاب، فأمسكهما وهددهما بالقتل، وقال لأحدهما: ما تقول في محمّد؟ فقال: رسول الله. قال فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضاً، فخلى سبيله، ثمّ قال للآخر: ما تقول في محمّد؟ قال: رسول الله. قال: ما تقول فيّ؟ قال: إنّما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "أمّا الأول فقد أخذ برخصة الله، وأمّا الثاني فقد صدع بالحقّ فهنيئاً له".

فوائد اختلاف الصحابة:

هذا التعدد في الأحكام لحادثة واحدة وإقرار الرسول "صلى الله عليه وسلم" لاختلاف الصحابة في مسألة واحدة يدل على سعة هذه الشريعة ومرونتها والتيسير فيها ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها؛ بل إنّ ذلك هو الضمان الوحيد لخلود هذه الرسالة وصلاحيتها لكل زمان ومكان؛ حيث أجملت فيما يجب أن يجمل وفصّلت فيما يجب أن يُفصّل، وأعطت عقول وأفهام أبنائها الفرصة في الاستنباط والاجتهاد والتحري في طلب الحقّ فما أروع الإسلام وما أجلّ شريعته السمحاء!.
شارك:

JoomShaper