محمد السيد عبد الرازق
مفاجأة!!
قام أحد طلبة الماجستير في جامعة هارفارد الأمريكية بإجراء دراسة نادرة، كان ذلك في عام 1953م حيث أجرى هذا الطالب استفتاء لخريجي الجامعة في تلك السنة، وكان السؤال الذي وجهه إليهم هو: هل لك أهداف محددة مكتوبة؟
وكانت النتيجة أن 3% فقط من هؤلاء الخريجين وضعوا لهم أهدافًا محددة ومكتوبة عما يريدون القيام به في حياتهم.
وبعد عشرين سنة من ذلك، أي في عام 1973م رجع إليهم صاحب البحث ليستطلع أحوالهم، فوجد أن الـ3% حققوا نجاحًا في وظائفهم وأعمالهم أكثر مما حققه 97% الآخرون مجتمعين [آفاق بلا حدود، محمد التكريتي، ص (50)].
لعلك اندهشت من هذه النسبة العجيبة لطلبة جامعة هارفارد الأمريكية، لكن الحقيقة المؤسفة أن هذه النسبة لا تتحقق فقط على مستوى طلاب جامعة هارفارد، ولكن على مستوى البشر، فلقد أوضحت العلماء من خلال العديد من الدراسات والأبحاث والإحصاءات أن نسبة الذين يخططون لحياتهم لا تصل إلى 3% من مجموع الناس، وأن هذه النسبة الضئيلة هي التي تقود الشعوب والمجتمعات في المجالات المختلفة.
ولكن انتبه!
هذه الدراسات التي أجراها العلماء كان على مستوى الدول المتقدمة، فلك أن تتخيل حجم المشكلة التي تغرق فيها شعوبنا، فلماذا معظم الناس ـ خاصة الشباب ـ لا يحددون أهدافهم ولا يضعون رؤية واضحة لحياتهم، وإنما يحيون ـ هكذا ـ بلا برؤية ولا رسالة واضحة؟!
والجواب أن هناك العديد من القيود التي تأسر معظم الشباب، هذه القيود مع الأسف تعيقه عن تحديد هدفه وتمنعه من ضبط وجهته وتكوين رؤية، هذه القيود كبلت العديد والعديد من الشباب فباتت حياتهم أسيرة لها حتى مضى قطار الحياة ووصل إلى نهاية المطاف بلا رصيد كافٍ من عمارة الأرض والتأثير في الحياة وكما قال الرافعي: (إن لم تزد شيئًا على الدنيا: كنت أنت زائدًا على الدنيا).
ومن خلال هذه السلسلة نساعدك حتى تتعرف على القيود وتتأملها، لتعلم أي قيد منها وقعت في أسرة، ومنعك من استثمار حياتك الاستثمار الأفضل..
فكنا معنا في هذه السلسلة واستعد لفك القيد وطبع الأثر..
فخذ لك زادين: من ســـــــــــــــيرة ومن عمــــــل صالـــــــــــح يدخــــــــــر.
وكن في الطريق عفيف الخطا شريف السماع، كريم النظر.
وكــــــن رجـــــــــلًا إن أتوا بعــــــــــــده يقولــــــــــون: مر، وهذا الأثـــــــــــر.
والجواب أن هناك قيودًا عشرة تأسر معظمنا، وتمنعه من أن يحدد وجهته في الحياة، ونريد منك أيها المؤمن الكريم أن تتأمل معنا في هذه القيود، لتعلم أي قيد وقعت في أسره فمنعك من تحديد هدفك حتى نتعاون سويًا على فكه بإذن الله تعالى.
القيد الأول:
أنت فاشل.
يا فاشل.
لن تفلح أبدًا.
أنت غبي.
كم مرة سمعت هذه النداءات وكنت أنت المقصود؟!
لعلك اتضح لك عن أي قيد نتحدث، إنه قيد الرعب والهلع من شبح الخوف من الفشل .. لاشك أن الخوف من الفشل عدو للإنسان وهو من أكبر العوائق والتحديات التي تتحطم عليها صخرة النجاح والبدأ في طريقه، ولكن السؤال: لماذا نخاف من الفشل؟
إن من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان يهرع ويخاف من الفشل، أنه يسبب له ألمًا نفسيًا كبيرًا، ألمًا يجعله لا يطيق أن يجرب أو يحاول مرة أخرى، بل لا يفكر أن يتلمس طريقًا من الممكن أن يدفع به إلى ذات الشعور المؤلم مرة أخرى، والإنسان بطبعه مستعد لأن يفعل أي شيء لتجنب الألم لاسيما لو كان ألمًا نفسيًا، ومن ثم فإن معظم الناس ـ خاصة الشباب ـ يفضلون أن يحيوا بدون أهداف وخطط ورؤى لحياتهم حتى لا يفشلوا في تحقيقها ومن ثم يتكبدون مشاعر الألم القاسية... ولكن المشكلة الكبرى التي لم يضعها هؤلاء في الحسبان، أن طريق النجاح مفروش بالإخفاقات والتجارب والمحاولات.
ونحن نعلم أن من رحم الفشل يولد النجاح، وأن الفشل هو محاولة على طريق النجاح... ومن ثم فإن هؤلاء ينحون طريق النجاح جانبًا ـ عن غير قصد في كثير من الأحيان ـ تجنبًا لمشاعر الفشل والإخفاق المؤلمة.
وقد تجد كثيرًا من الناس قد يغذُّون الخوف من الفشل في نفوسنا، وتأمل معنا موقف زيد بن حارثة القائد في جيش المسلمين يوم مؤتة وقد قال له بعضهم: (قد وطئتَ البلاد وأخفت أهلها، فانصرف فإنه لا يعدل العافية شيء) [تاريخ دمشق، لابن عساكر، (1/396)].
لكن عبد الله بن رواحة حسم الموقف بقوله: (يا قوم إن التي تكرهون للذي خرجتم تطلبون ... الشهادة!!! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور، وإما شهادة)، فألهبت كلمته مشاعر المجاهدين فكانت ملحمة سجل فيها القادة الثلاثة بطولة عظيمة انتهت باستشهادهم [السيرة النبوية دروس وعبر، د. علي محمد الصلابي، ص (555)].
ولذلك نجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ بربه من الجبن ويقرنه بالعجز والكسل: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل) [رواه البخاري].
وإذا كان هذا هو حال أغلب الناس أنهم يخافون من الفشل، فإنك أيها المؤمن الصادق لابد أن تنأى بنفسك عن هذه الحال؛ إذ كيف تخاف من الفشل وأنى للخوف أن يتسلل إلى قلبك وأنت تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوصي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ويوصيك أنت أيها المؤمن من بعده فيقول: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)، ويقول لك: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا) [رواه الترمذي وصححه الألباني].
القيد الثاني: ضعف الهمة وغياب الطموح:
النجاح لا يأتي على طبق من ذهب، ومعالي الأمور تحتاج إلى طموح، وكلاهما يحتاج إلى همة عالية وجهد وبذل، وكما قيل:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
ومع ذلك نجد كثيرًا من الشباب وقعوا في الفخ، وتلبسوا بالقيد الثاني، فقعدت بهم الهمم وقصر طموحهم عن طلب المعالي، وأصبح شعارهم في الحياة: (القناعة كنز لا يفنى)!!
وما أجمل كلام الإمام ابن الجوزي في هذا الصدد إذ يقول رحمه الله: (من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام
فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض.
غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي له أن يطلب الممكن. والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل) [صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص (173، 174)].
وبنظرة متأملة في تاريخنا العظيم نجد أنه (قد امتلأ بقصص هؤلاء الرجال الذين كانت هممهم تناطح الجبال وطموحهم لا يرضى بدون الثريا.
فهذا هو الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يحكي عن نفسه الطموحة فيقول: (إن لي نفسًا تواقة، وإنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا أفضل منه في الدنيا: الخلافة، تاقت إلى ما هو أفضل منه: الجنة) [(عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين)، ص (34)]، ويشرح لنا هذا الخليفة الراشد رؤيته أكثر فيقول: (إن لي نفسا تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، ثم تاقت نفسي إلى الجنة).
وهذا القائد الداهية أبو مسلم الخراساني الذي أسقط دولة بني أمية ووطد أركان الدولة العباسية، كانت له طموحات عظيمة تدفعه إليها همته العالية، حتى أنه عندما كان صغيرًا كانت أمه تراه يتقلب على فراشه فتقول له: أي بني ما بك؟ فيقول: همة يا أمي تناطح الجبال.
ويقول عنه الإمام الذهبي رحمه الله: (الأمير صاحب الدعوة ـ أي إلى خلافة بني العباس ـ وهازم جيوش الدولة الأموية والقائم بإنشاء الدولة العباسية، كان من أكبر الملوك في الإسلام.
كان ذا شأن عجيب ونبأ غريب، من رجل يذهب على حمار بإكاف [أي: برذعة] الشام حتى يدخل خراسان، ثم يملك خراسان بعد تسعة أعوام ويعود بكتائب أمثال الجبال ويقلب دولة ويقيم دولة أخرى.
تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور وتنزل به الفادحة الشديدة فلا يرى مكتئبًا) [سير أعلام النبلاء، (6/48).].
فينبغي إذًا لكل مؤمن عاقل أن تكون له طموحات عالية وأهداف عظيمة تمكنه من تحقيق التفوق والنجاح في الدنيا إرضاءً لله تعالى وتحقيقًا للخلافة في الأرض كما أمر الله تعالى وحينما يضع أهدافه عليه أن يكون صاحب همة عالية لا ترضى بالدون لأن (من يرمي بقوسه نحو القمر فحتى إذا لم يصبه سيقع سهمه بين النجوم) [قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة)، كاثرين كارفيلس، ص (17) بتصرف]) [صناعة الهدف، هشام مصطفى عبد العزيز، صويان شايع الهاجري].
حرر نفسك:
والآن، وبعدما عرضنا عليك ـ أيها الشاب ـ هذين القيدين، ندعوك للتأمل فيهما بقوة، وإعادة النظر مرة بعد مرة، ثم أخذ القرار بفك القيد إن كان قد أسرك في يوم ما وأنت غافل عنه... فقم بقوة وحرر إرادتك وجدد نيتك، وودع الخوف وأشعل الهمة وابني الطموح يا سليل العظماء الفاتحين.
وأدعك على أمل اللقاء بك في مقالات قادمة؛ حتى نحرر سويًا جميع القيود وننطلق إلى آفاق العمل والجد والنجاح، ونجيب داعي العمارة في الأرض: (حي على الفلاح).
بلا قيود
- التفاصيل