محمد السيد عبد الرازق
تحدثنا من قبل عن قيدين من قيود السلبية والعجز التي تشل حركة الشباب وفاعليتهم وتبدد من أنظارهم أنوار الأمل وأشواق المستقبل.. وها نحن في هذه الكلمات نعود من جديد لنذكر بقيود أخرى، حتى يدرك الشباب خطورتها ويُتقن فن التخلص منها فينزعها إلى الأبد ويحرر نفسه من جاذبيتها؛ لينطلق بعد ذلك حرًّا طليقًا يرفرف في سماء الإيجابية والفاعلية، ينير دربه بأقمار المستقبل المشرق ويعلي همته بحرارة شمس الهمة والعزيمة...
لقد تحدثنا من قبل عن قيد الرعب والهلع من شبح الخوف من الفشل.. وبيَّنا أن الخوف من الفشل عدو للإنسان ـ لاشك ـ وهو من أكبر العوائق والتحديات التي تتحطم عليها صخرة النجاح والبدأ في طريقه؛ ومن ثم بيَّنا وسائل التحرير من أسر الخوف.
ثم انطلقنا إلى قيد آخر نكسره.. فهدمنا بمعول الأمل ضعف الهمة وغياب الطموح، مبينين أن النجاح لا يأتي على طبق من ذهب، ومعالي الأمور تحتاج إلى طموح، وكلاهما يحتاج إلى همة عالية وجهد وبذل، وكما قيل:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
وبهذا يكون قيد ضعف الهمة وغياب الطموح قد انكسر، وقيد الخوف قد انحل.. فهلم بنا إلى قيدين جديدين نتعاون في كسرهما وحلهما..
قيد احتقار الذات:
لئن كان تقدير الذات هو: (هو المشاعر الجيدة تجاه ذواتنا فعندما يفتقده المرء يفقد الثقة في نفسه والقدرة على العطاء والإبداع، فالمشاعر التي نملكها تجاه أنفسنا هي التي تكسبنا الشخصية القوية، وهي مشاعر نابعة من الذات حيث إن الاشخاص الذين يعتمدون على الآخرين في تقدير الذات يضعون أنفسهم في مواضع خطرة) [الشخصية الكاملية، أحمد عبد الصادق].
ومن هنا نتنبه إلى أهمية تقدير الذات وخطورة احتقارها، فلقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من أن يتسرب هذا القيد إلى أيدينا فيكبلها وإلى أقدامنا فيعرقل مسيرتها وإلى عقولنا فيشل حراكها، فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحقر أحدكم نفسه)، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: (يرى أمرًا لله عليه فيه مقالٌ، ثم لا يقول فيه... ) [رواه أحمد بإسناد صحيح].
فإن كثيرًا من الشباب مع الأسف الشديد يحقر نفسه ويتهم قدراته إلى الحد الذي يصيبه بالشلل والعجز.
فتكون نتيجة ذلك شعور ينتابه بأن النجاح والتفوق لم يخلق لأجله وإنما خلق لآخرين من العباقرة والأفذاذ والقادة الكبار، فهو نصيب كل فلتة من الفلتات أو شاب من أصحاب القدرات الخارقة.
أما هو فلا يستحق شيئًا من ذلك، فهو ضعيف ـ كما يظن ـ ومن ثم عليه أن يرضى ويقبل بكل شيء وينتظر ما يتلقفه من الأيام في سلبية وعجز مقيت.. فتراه متشائمًا سلبيًّا يتحرك في استسلام تام وخنوع مخز دون أن يصنع لنفسه أهدافًا عظيمة يسعى لتحقيقها.
وليست هذه دعوة للتسخط على أقدار الله والعياذ بالله، وإنما هي دعوة للفهم الصحيح للقضاء والقدر، الذي فهمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أبى أن يدخل الشام عندما انتشر بها الطاعون، فقالوا له: (أفرارًا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله) [رواه البخاري].
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن..
هل قدر علينا نحن كشباب مسلم الإحباط والعجز والسلبية؟؟
كلا ـ والله ـ بل نحن عباد لرب كريم سبحانه وتعالى.. يهب لنا أسباب النجاح والتقدم ويحثنا عليه.
(فلماذا نقلل من شأن أنفسنا؟ ونحتقر ذواتنا، مع أن ذلك لا يمتُّ إلى ديننا بصلة، وهنا يقع كثير من المؤمنين ضحية الفهم الخاطئ لقضية أخرى؛ إذ يخلطون بين الكبر وبين تقدير الذات من ناحية، ثم بين التواضع المحمود وبين احتقار الذات من ناحية أخرى.
فالكبر احتقار الناس مع رد الحق وإنكاره، وهذا عند الله عز وجل من أعظم الكبائر، أما تقدير الذات أو الثقة بالنفس فهو أن يعرف العبد ما حباه الله به من هبات وإمكانات لتحقيق الخلافة في الأرض، ويعتقد جازمًا أن هذه المواهب إنما هي محض فضل الله ومنته، فلا يركن إلى النعمة وينسى المنعم سبحانه وتعالى.
وهذا أمر مطلوب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على زرعه في نفوس أصحابه، وليس أدل على ذلك من هذه الألقاب العظيمة التي كان صلى الله عليه وسلم يطلقها على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فيلقب أبا بكر بالصديق وعمر بالفاروق، وخالد بسيف الله المسلول، وأبا عبيدة بأمين هذه الأمة، وحمزة بأسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم كثير من صحابته الكرام، ممن رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على عينه، فجمعوا بين تقدير الذات والثقة بالنفس الدافعة إلى معالي الأمور، وبين التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
وأما احتقار الذات المعجز للنفس الذي يدفع إلى الفشل واليأس والإحباط فليس من ديننا العظيم في شيء.
وتأمل معي في شأن الهدهد.. حيث مكث الهدهد زمنًا غير بعيد ثم حضر فعاتبه سليمان على مغيبه وتخلفه، فقال له الهدهد: علمت ما لم تعلمه من الأمر على وجه الإحاطة، وجئتك من مدينة سبأ باليمن بخبر خطير الشأن، وأنا على يقين منه.
فانظر كيف كان الهدهد العظيم سببًا في إيمان مملكة بأكملها بمعرفته قدر نفسه وقيمتها، وعدم احتقارها والتقليل من شأنها) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان شايع الهاجرين، ص (48)].
قيد التضخيم:
ونقصد بهذا القيد، أن يظن الإنسان أن النجاح والتميز لا يمكن تحقيقها ويستكبرها على نفسه، ويظن أنها أكبر من أن يحققها، مما يشعره بالضعف أمام الأهداف ومن ثم يعرض عنها ولا يفكر فيها، حتى لا يصاب بالإحباط.
إن من يفكر بهذه الطريقة، عليه أن يتوقف قليلًا ليتأمل في سنة الله عز وجل في خلقه وعباده، وأنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن كل الإنجازات الضخمة ـ لا أقول التي حققها فرد من الأفراد ـ بل التي حققتها البشرية إنما بدأت بأحلام ظن الناس أنها من قبيل المستحيلات، ولكن مع قوة أصحابها وصبرهم عليها حققوا ما حلموا به، ووصلوا إلى ما خططوا إليه، والأمر لا يحتاج إلى عبقرية فذة، وإنما يحتاج فقط إلى تصميم وعزم وإرادة صادقة.
فهل وصل إلى علمك أن أديسون مخترع المصباح الكهربائي الذي سجل عام 1093م براءة اختراع باسمه لما سئل عن سر عبقريته أجاب بأنه ليس عبقريًّا على الإطلاق، بل كانت درجاته الدراسية منخفضة للغاية، ولكن السر في تفوقه ونبوغه أنه يملك 1% عبقرية و99% عرق وبذل وجهد وتصميم.
(وما رأيك ثانية في شاب يبلغ العشرين من عمره تطارده دولة بأكملها فيهرب منها وحيدًا طريدًا يعبر المحيط الأطلنطي بمفرده ثم يقيم دولة بمفرده في بلاد غريبة عنه صارت بعد ذلك منبرًا للعلم والحضارة في كل ربوع الأرض، هل علمته؟
إنه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب بصقر قريش.
وقد تقول ثالثة: إن هذا الشاب سليل الملك والخلافة وله قدرات متميزة اكتسبها من تربيته في بيت الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك الذي كان عهده عهد ازدهار الدولة الأموية، فكان قصره مدرسة للتعلم من كل المهارات والفنون التي تعلمها منه عبد الرحمن.
ولكن هل تعلم نبأ محمد بن أبي عامر وكان يعمل حمَّارًا (يحمل أمتعة الناس وأغراضهم من السوق إلى منازلهم) في قرطبة، وهذه المهنة من أدنى المهن، وذات ليلة كان يتحدث مع زميلين له في نفس المهنة فقال لهما: إذا أصبحت خليفة ماذا تطلبون مني؟ فسخرا منه، فأعاد عليهما السؤال مرة أخرى فقالا له: هل أنت مجنون؟ كيف يصبح حمَّارٌ خليفةً؟!
لكنه أصر على السؤال وقال: ماذا تريدان مني عندها؟ فقال له الأول: إذا صرتَ خليفة أريد قصرًا منيفًا وحدائق غناء وخيولاً أصيلة وجواري حسانًا و100 ألف دينار ذهبًا.
وقال الثاني: إذا أصبحتَ خليفة فأطلب منك أن تضعني على حمار ووجهي للخلف، ويمروا بي في الشوارع ويقولوا: دجال محتال؛ أي شخص يتعامل معه نضعه في السجن.
وحتى يحقق محمد بن أبي عامر حلمه بأن يكون خليفة اتجه للعمل بالشرطة، وأخذ يتدرج في مناصبها حتى أصبح رئيس شرطة قرطبة، ومات الخليفة وتولى ابنه المؤيد بالله الخلافة وكان عمره 10 سنوات، فأصبح لزامًا عليهم أن يعينوا وصيًّا على الحكم حتى يدير البلاد إلى أن يكبر الخليفة.
واختلف بنو أمية حول شخصية الوصي، وخافوا إن هم عينوا شخصًا من بني أمية أن يطمع في الخلافة ويتمسك بها، فقرروا أن يعينوا مجلسًا للوصاية من خارج بني أمية مكونًا من ثلاثة؛ هم: الوزير محمد المصحفي، وقائد الجيش محمد بن أبي غالب، ورئيس الشرطة محمد بن أبي عامر، واستطاع محمد بن أبي عامر أن يزيح الآخرَيْن وينفرد بالحكم.
ولأنه لا يستطيع أن يعلن نفسه أميرًا للمؤمنين؛ أطلق على نفسه الحاجب المنصور، وأصدر عدة قرارات، أولها عدم دخول أي شخص على الخليفة إلا بإذنه، وثانيها أن تنتقل دواوين الحكم إلى قصره، وثالثها أن تنقل أموال الدولة عنده، ورابعها عدم استطاعة الخليفة الخروج من القصر إلا بإذنه.
واستطاع الحاجب المنصور أن يستولي على منصب الخليفة ويمد نفوذ الدولة الأندلسية ويفتح فتوحات غير عادية، حتى إنه وصل إلى ما لم يصل إليه أي خليفة أندلسي، فأزال دولة النصارى من شمال الأندلس وسيطر على شمال إفريقيا، وتوسعت دولة الأندلس توسعًا كبيرًا، وبعد ثلاثين عامًا تذكر زميليه (الحمَّارَيْن) وتذكر أمنياتهما وأرسل في طلبهما فأحضروهما له، وذكَّرهما بأمنياتهما عندما يصبح خليفة، وحقق لهما ما طلبا.
ونحن أيها المؤمن نهمس الآن في أذنيك: إذا كان هذا الحمَّار قد استطاع أن يكون حاكمًا لدولة عظيمة، أفلا تستطيع أنت أن تحقق أهدافك إذا ما خلعت عنك ثوب العجز والتواني؟!
إن العبرة ليست بضخامة الأهداف أو صغرها، لكن العبرة بكبر النفس أو صغرها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري، ص (62ـ64)].
فك قيدك
- التفاصيل