سحر يسري
ابنتي زهرة..
إذا تحدثنا مع بناتنا عن الوقت وأهميته فإن حديثنا لا ينصب على المذاكرة وأوقات الامتحانات فقط؛ وإنما نتكلم عن منهج ناجح لحياة لناجحة..إنه منهج الحفاظ على الوقت.
وللوقت أهمية كبيرة كما علمنا الله تعالى في كتابه العزيز حيث أقسم الله به في آيات كثيرة فقال الله تعالى {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1-2] وغيرها من الآيات التي تبين أهمية الوقت وضرورة اغتنامه في طاعة الله، كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في أحاديث كثيرة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن علمه ما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (946)]، والوقت أثمن ما يملك المرء، وبفقده فإننا نخسر خسارة كبيرة أيضًا، فالوقت الذي مضى لا يعود ثانية والوقت الذي يليه له أعمال ومسئوليات أخرى؛ فمتى وكيف يسوغ لعاقل أن يضيع وقته؟؟ [عواصف المراهقة كيف نعبرها إلى شاطيء الأمان؟، عاطف أبو العيد، ص(84)، بتصرف].
الحياة سيرٌ دائم إلى الأمام أو....!
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في حفظ الوقت: (والقصد أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترقٍ على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولابد، فالعبد سائرٌ لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل إما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوفٌ البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطيء، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي سرعة والبطء، قال تعالى {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 35 - 37]ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخرٌ إلى تلك بالأعمال السيئة) [مدارج السالكين، ابن القيم، (1/ 267،268)].
الشعور بالمسئولية نحو الوقت وقصاصاته..!
إن الخطأ الكبير الذي يقع فيه الكثير من الناس هو عدم التعامل مع الوقت باحترام وبنوع من الشعور بالمسئولية، ولاشك أن ذلك يأتي جهلًا منهم بقيمة الوقت الثمينة وأنه أغلى ما في حياتهم لأنه مادة هذه الحياة،حتى تلك الدقائق المهدرة التي يُطلق عليها قصاصات الوقت يمكن عمل الكثير فيها، تذكر إحدى الإحصائياتأن أمورًا كبيرة يمكن عملها لو أحسنّا استغلال الدقائق المهدرة يوميًا، تقول الإحصائية:
لو افترضنا أن الشخص العادي يقضي 10دقائق في طريقه من البيت وإلى العمل وكذلك من العمل إلى البيت، أي أنه يقضي 20دقيقة يوميًا يتنقل فيها بين البيت ومقر العمل، ولنفرض أن عدد أيام العمل في الأسبوع 5أيام أسبوعيًا.(الوقت المهدر) 5 أيام × 20 دقيقة = 100 دقيقة أسبوعيًا / 100دقيقة أسبوعيًا × 53 أسبوعًا = 5300 دقيقة = 88 ساعة تقريبًا.
لو قمت باستغلالهذه العشر دقائق يوميًا في شيء مفيد لاستفدت من 88 ساعة تظن أنت أنها وقت ضائع أومهدر، كيف تستغل هذه الدقائق العشر؟ بإمكانك الاستماع لأشرطة تعليمية، أو حتى تنظموقتك ذهنيًا حسب أولوياتك المخطط لها من قبل، أو تجعل هذا الوقت موردًا للأفكارالإبداعية المتجددة.
فالواجب على الفتاة المسلمة العاقلة أن تحافظ عليه وأن تحرص على الاستفادة منه كله، ومن ذلك الحرص على تنظيم الوقت وترتيب القيام بالأعمال حسب الأولوية.
هل يوجد وقت فراغ حقيقي؟
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) [رواه البخاري] يقصد بالفراغ الخلو من المشاغل والمعوقات المانعة للمرء عن الاشتغال بما ينفعه في دينه ودنياه، والحقيقة أن الفراغ لا يبقى فراغًا أبدًا، فلابد أن يمتليء بخير أو شر، فمن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، ولذلك كان الصالحون لا يحرصون فقط على الوقت، ولكن يكرهون الفراغ والبطالة، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:( إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا ليس في شيس من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة). [الوقت في حياة المسلم، د.يوسف القرضاوي، ص(16)].
اكتبي أهدافك ..!
قد تقول الفتاة: (أنا لا أحتاج لكتابة أهدافي أو التخطيط على الورق، فأناأعرف ماذا علي أن أعمل..!)
نقول لها..ابنتي ..تذكري هذه القاعدة:لا توجد ذاكرة كاملة أبدًا..
ولذلك كلنا قد ينسىبعض التفاصيل الضرورية والأعمال المهمة والمواعيد كذلك، والحزم في الكتابة؛ فعليك أن تدونيأفكارك وأهدافك وتنظمي وقتك على الورق أو على حاسب المهم أن تكتب، وبهذا تحققين عدة مكاسب:
أولًا: لن يكون هناك عذر اسمه نسيت! لا مجال للنسيان إذا كان كل شيء مدونإلا إذا نسيت المفكرة نفسها أو الحاسب!!
ثانيًا: ستيسرين على نفسك أداء المهمات،وبتركيز أكبر لأن عقلك ترك جميع ما عليه أن يتذكره في ورقة أو في الحاسب والآن هوعلى استعداد لأني يركز على أداء مهمة واحدة وبكل فعالية.
لا لـ(سوف) وتأجيل الأعمال:
كم نرغب بإنجاز أعمال كثيرة ولكننا نؤجلها دائمًا إلى غد فنؤجل العمل ونسوّف، وسوف كما قال أحد الصالحين: جند من جنود إبليس، ولذا تمر الأيام والشهور ولم نحقق ما أردنا بسبب سوف، وللقضاء على سوف وخصوصًا إذا كان لديك عمل أو مشروع كبير (مراجعة نهائية لبعض المواد مثلًا)؛ فهنا عليكِ بالآتي:
أولًا: قسّمي العمل المطلوب انجازه إلى أجزاء صغيرة.
ثانيًا: قومي بعمل برنامج زمني لتنفيذ أول جزء من هذا العمل.
ثالثًا: ابدئي مباشرةً في تنفيذ العمل.
ستلاحظين بعد فترة من الزمن كم هو أمر سهل القيام بمثل هذا العمل مهما كان صعبًا، ومع تقسيم المشروع إلى أجزاء صغيرة بتوفيق الله تعالى لن يتسرب إليكِ الملل ولا الإرهاق على المدي الطويل، ولكن يجب عدم الإخلال بشرط ضروري وهام وهو التقيد بالوقت أو الحصة الزمنية المقررة لهذا البرنامج.
احرصي على الالتزام بالوقت بقدر المستطاع حتى وإن وجدت رغبة ونشاط في الاستمرار فيفضل عدم الاستمرار لأن استمرارك في العمل يعني أخذ الحصة الزمنية من المشروع اللاحق، وهذا يسبب تداخل في الواجبات، وإخفاق في بعض الواجبات الأخرى، فينبغي أن يكون النجاح ليس في مشروع واحد؛ بل يمتد هذا النجاح إلى جميع أعمالك اليومية، ولن يتم هذا إلا بالتقيد ببرنامجك اليومي بقدر المستطاع.
إن تأجيلك للعمل بدون مبرر يعني قتل الوقت، وتثبيط الهمة، فالتأجيل عقبة كؤود في طريق بناء الذات.
تعلمي متى تقولي (لا)
كثيرا ما تقول الفتاة: الآخرين لا يسمحون لي بتنظيم الوقت..!
منالسهل إلقاء اللائمة على الآخرين أو على الظروف، لكنك المسئولة الوحيدة عن وقتك، فأنتالتي تسمحين للآخرين بأن يجعلوك أداة لإنهاء أعمالهم.
اعتذري للآخرين بلباقة وحزم،وابدئي في تنظيم وقتك حسب أولوياتك وستجدين النتائج الباهرة.
وإن لم تخططي لنفسكوترسمين الأهداف وتنظمين وقتك فسيفعل الآخرون بك هذا من أجل إنهاء أعمالهم بك!!
وأخيرًا ابنتي زهرة
عند قيامك بعمل جدول لتنظيم وقتك تذكري هذه اللمحات:
- لا تنظري إلى الوقت ولكن التفتي إلى الفعالية، فالفعالية والإنتاجية هي الهدف الأساسي، فليس صرف وقت أكثر هو الهدف وإنما الهدف هو صرف وقت أقل وتحقيق إنتاجية أكثر، وهنا ينبغي معرفة الطرق الصحيحة لإنجاز العمل كالقراءة مثلًا يجب معرفة الطرق المثلى في القراءة وهكذا.
- لا تقضي وقتًا طويلًا في عمل أشياء صغيرة، وازني بين الوقت والعمل المطلوب.
- ليكن لديك زمن يومي محدد لا تسمحين فيه لأحد بأن يزعجك، تجنبي الرد على الهاتف، أو تصفح الإنترنت، أو الخروج مع صديقاتك، وإنما اجعلي هذا الوقت لمعالجة أهم الأشياء لديك والمدونة في جدولك.
- لأنك بشر فأنت معرضة للنسيان، ولكن جدولة أعمالك تذكرك في الوقت المناسب، فهي طريقة جيدة لإراحة الذهن من عناء التفكير والتذكر.
نفعكِ الله تعالى بوقتك، وجعلك من الفائزين.
المصادر:
- مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية.
- الوقت في حياة المسلم، د.يوسف القرضاوي.
- عواصف المراهقة كيف نعبرها على شاطيء الأمان؟، عاطف أبو العيد.
نظرة جديدة إلى الوقت
- التفاصيل