محمد السيد عبد الرازق
إن المتابع لأحوال الكثير من الشباب العربي، في منتدياتهم ونواديهم وعبر مجموعاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؛ سيجد أن هذه الكلمات الثلاث بدأت تأخذ مساحة كبيرة من البحث والاهتمام.. الترفيه، التطوع، التطوير.
ربما تجد ذلك في صورة بحث عن الرحلات والأنشطة الاجتماعية التي يجد فيها الشاب المتعة والترفيه، وكذلك الأعمال الاجتماعية المختلفة التي يخدم فيها الشاب كنوع من أنواع التطوع، وأيضًا الدورات المختلفة التي باتت غرضًا للشباب يبحثون عنها حتى يشبعون حاجتهم إلى التطوير المستمر.
إن هذه الجوانب الثلاث (الترفيه، التطوع، التطوير) المفترض أن تكون عوامل بناء وحيوية في حياة الشباب، ولذا فنحن نؤكد في هذه الكلمات على المفاهيم الصحيحة لهذه الجوانب الثلاثة المهمة.
الترفيه:
الشاب يريد أن يشعر بالنجاح والتفوق، وقد يظن البعض من الشباب أن الترفيه عائق في طريق نجاحهم وتميزهم، فيحاولون الابتعاد بالكلية عن كل ما يمت للترفيه بصلة؛ ولاشك أن التفكير بهذه الطريقة به إشكالية كبيرة.
لأن الترفيه عامل مهم من عوامل الحفاظ على الصحة النفسية للشاب، فالنفس بطبيعتها تمل وتحتاج بين الحين والآخر إلى الترفيه والترويح، فما بالنا بالشاب الذي هو مستودع الطاقة والقوة والعمل والانطلاق؟
ألا تحتاج هذه الطاقة المتفجرة والقوة الكبيرة إلى قسط من الراحة والترفيه، حتى تستطيع أن تعاود من جديد وتكمل سيرها نحو الترقي والتميز، وحتى تخفف من ضغوط العمل المستمر والحركة الدائبة؟
إن نظرة واحدة إلى سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، تستطيع أن تصحح لديها الكثير من المفاهيم، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ترويه عنه السيدة عائشة رضي الله عنها فتقول: إنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فسابقته فسبقته على رجليّ، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: (هذه بتلك السبقة) [رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع].
(إن التخلص من بعض مظاهر التكلف على الشاطئ، والجري بقدمين حافيتين، وضرب الكرة بمضرب بشدة، وقذف الماء في وجوه أصدقائك في البحر، أو لعبك بمضرب التنس في ناديك الذي تركت المرور عليه من مدة، أو إعادة تنظيم الطوابع أو ألبوماتك التي كثر على غلافها التراب، أو العودة لمجموعة الأصدقاء لمعاودة النقاش أو حتى الجري لمدة ساعة يوميًّا؛ كل هذه الهوايات أو بعضها أو إحداها سيعيدك إلى عملك بسرعة مرة أخرى مستمتعًا به ومشتاقًا إليه).
وقد (روى المصنفون في أدب الطلب طائفة من أخبارهم في ذلك ومنهم الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) فروى بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال: روحوا القلوب وابتغوا لها طرف الحكمة فإنها تمل الأبدان.
وروي عن كثير بن أفلح أنه قال: آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت تناشدنا فيه الشعر) [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، (2/129،130)].
وحتى نستفيد من الترفيه حق الاستفادة، لابد وأن نسلك به المسلك الوسط فلا نلغيه بالكلية ولا نجعله يطغى على أوقاتنا فتضيع الأولويات وتذهب الأوقات (فلقد حددت الشريعة ضـوابط هامة تمنع أن يجنح الـترويح عن هدفه فيتحول إلى غاية، ومن ذلك نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تتبع الصيد والصيد في الأصل مباح، إلا أن إهدار الأوقات والأعمال الثمينة في البحث عنه، ومطاردته من مكان إلى مكان هو المنهي عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) [رواه أحمد وصححه الألباني]) [التربية الجادة ضرورة، الشيخ محمد الدويش، ص (70)].
التطوع:
قديمًا قالوا: (ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط).
وحديثًا يمكن أن نخلص هذه المقولة في كلمة معبرة هي (التطوع) أي ما يقدمه الشاب من خدمات لمجتمعة دون مقابل مادي، أما المقابل المعنوي فهو حاصل لاشك، فلا يخفى على كل متطوع قدر السعادة والشعور بالراحة النفسية التي تحل به جراء تطوعه وخدمته لمجتمعه ومشاركته في ذلك، ولعل هذه الراحة النفسية أشار إليها الكثير من الأطباء النفسيين بل وجهوا كثيرًا من المرضى الذي يبحثون عن السعادة إلا مزاولة التطوع والمشاركة في إسعاد الغير وخدمة الآخرين.
فكم هي المشاعر الجميلة التي تتدفق عليك وبكم تقدر تلك الراحة النفسية التي تشعر بها حينما تجفف دموع أرملة أو تمسح على رأس يتيم فتجبر كسره، أو تجالس مسنًا في دار المسنين فتذهب عنه بعض ما يعانيه، إن التطوع يجعل منك إنسانًا حقًا يعلي قيم الإنسانية ويرتفع بها إلى آفاق السمو والمجد الإنساني.
وقبل كل ذلك فإن هذه الأعمال تجلب رضا رب العالمين سبحانه، ومن ثم توفيقه في كل مناحي الحياة، يقول أحد الكتاب المجهولين: (اجعل الأولوية القصوى بالنسبة لك هي خدمة الآخرين، وسيأتي النجاح بعد ذلك) [قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس، ص 25].
التطوير:
(افترض أنك رأيت شخصًا يتصبب عرقًا وهو يحاول قطع إحدى الأشجار بمنشار صدئ، وحينما تسأله:
ـ ماذا تفعل يا رجل؟
ـ يرد عليك بحدة ونفاذ صبر: ألا ترى؟ إنني أحاول قطع هذه الشجرة.
ـ فتقول له: يبدو عليك الإرهاق التام، فكم من الوقت مضى عليك وأنت تحاول قطع هذه الشجرة؟
ـ فيقول: أكثر من خمس ساعات وأنا في هذه المهمة الشاقة.
ـ ولماذا لا تأخذ استراحة قصيرة تسن فيها هذا المنشار الصدئ الذي تستعمله؟ فلا شك أن ذلك سوف يجعلك تنتهي من هذه المهمة بسرعة أكبر.
ـ ليس عندي أي وقت أضيعه في سن هذا المنشار، فأنا مشغول [العادات السبع لأكثر الناس فعالية، ستيفن كوفي، ص (414)].
(ما رأيك أيها الشاب، في هذا الإنسان الساذج الذي يأبى أن يوفر قليلاً من الوقت يسن فيه منشاره الصدئ؛ لكي يستطيع إنجاز عمله بمجهود أقل وفي وقت أقصر؟ لا شك أنك تتهمه بالسذاجة والغباء، ولكن اسمح لي أن أخبرك أن كثيرًا من الناس مثل هذا الرجل، وعفوًا: قد تكون منهم؛ فإننا في الغالب نبخل بقليل من الوقت على أنفسنا نشحذ فيه قدراتنا ونطور فيه من مهاراتنا لنكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافنا، ومع أنه لا يوجد عصر من العصور السابقة قد توفرت فيه سبل اكتساب المهارات كعصرنا هذا، إلا أننا نحن المسلمين ما زلنا في وادٍ والعالم كله في وادٍ آخر!!) [صناعة الهدف، هشام مصطفى عبد العزيز، صويان بن شايع، بتصرف يسير].
فاعلم أيها الشاب (أن الوقت الذي تستثمره في العناية بشحذ قدراتك هو أهم استثمار تقوم به في حياتك؛ لأنه استثمار فيك أنت وفي قدرتك على التعامل مع مشاكل الحياة المعقدة المتشابكة) [العادات السبع لأكثر الناس فعالية، ستيفن كوفي، ص (415)].
فأعط كل ذي حق حقه:
ربما يتبادر إلى ذهنك سؤال هام فتقول: إنها أشياء رائعة لكن من أين لي أن أجمع بين هذه الأشياء؟ فهل أستطيع أن أكون متطوعًا بالإضافة إلى التطوير والترفيه؟
عزيزي الشباب، لقد اتفقنا من قبل أن هذه الأمور مهمة جدًا بالنسبة لك، ولكن عليك أن تحسن تنظيمها والتوفيق بينها، حتى تستفد منها أكبر استفادة ممكنة، ولكن حتى تحقق ذلك بنجاح عليك أن تعط كل ذي حق حقه، يقول سلمان الفارسي رضي الله عنه: (إن لنفسك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولضيفك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه)، ولما بلغ ذلك القول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صدق سلمان) [رواه البخاري].
(وهذه الأدوار متداخلة إلى حد كبير، حيث يؤثر كل دور في الآخر تلقائيًا؛ لأنها معًا تشكل حياتنا، فالحياة كلٌّ لا يمكن تجزئته والمشكلة فينا أننا منذ سن مبكرة تم برمجتنا من خلال المدارس والجامعات على هذه العقلية الانفصالية التي ترى هذه الأدوار كلها كأجزاء منفصلة عن الحياة، فنحن في المدرسة مثلاً ندرس موضوعات منفصلة تعالجها كتب منفصلة، فيحصل أحدنا على تقدير ممتاز في الرياضيات، وجيد في الفيزياء، ولا نرى أن هناك أي علاقة بين المادتين، وبنفس العقلية نرى دورنا في العمل منفصلاً عن دورنا في المنزل، ولا نرى أي صلة بينهما وبين أدوارنا في المجتمع أو في تطوير الذات.
فالمشكلة إذًا في الطريقة التي ننظر بها إلى المشكلة، فلابد أن ندرك أولاً أن مهمتنا ليست الجري ما بين الأدوار في تنازع بينها على ما نملك من وقت وطاقة، وإنما التوازن أن تعمل كل الأدوار متداخلة متزامنة في تناغم يحقق الكل، فالتوازن ليس: إما هذا... أو ذاك، إنه: هذا ... بالإضافة إلى ... ذاك) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
العملي:
وفي النهاية حاول أن تبدأ عمليًا في تطبيق هذه النقاط:
بداية لابد أن يخصص الإنسان جزءًا من وقته لهذا الجانب وتكون له فيه رؤية واضحة، ومثال ذلك: القيام برحلة كل فترة إلى مكان جديد، عليك أن تخطط لطوعك، فيمكنك:
• بناء ملجأ للأيتام.
• إنشاء جمعية خيرية لدعم أسر الشهداء.
أما بالنسبة للتطوير؛ فهناك أمثلة متنوعة للمهارات الكثيرة التي يمكن أن تكتسبها لتجعلك أكثر قدرة على تحقيق أهدافك ومن أمثلة الرسائل في هذا الجانب:
• الحصول على دورات في مجال الحاسب الآلي (الكومبيوتر).
• إتقان اللغة الإنجليزية.
• إتقان سرعة الكتابة على الحاسب الآلي.
المصادر:
• صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري
• العادات السبع لأكثر الناس فعالية، ستيفن كوفي.
• قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس.
• الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي.
• التربية الجادة ضرورة، الشيخ محمد الدويش.
ترفيه تطوع تطوير
- التفاصيل