سحر يسري
إذا كنتِ ممن يسهل عليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل فأنتِ سَخِية، وإن كنتِ ممن يعطون الأكثر ويُبقون لأنفسهم الأقل؛ فأنت جوادة.
أما إن كنت ممن يعطون الآخرين مع حاجتك إلى ما أعطيت لكنك قدمت غيرك على نفسك؛ فقد وصلت إلى مرتبة الإيثار، خلق النفوس الكبيرة!
معنـى الإيثـار:
الإيثار هو أن يقدم الإنسان حاجة غيره من الناس على حاجته، برغم احتياجه لما يبذله، فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه.
تقول أُمِّنا عائشة رضي الله عنها: "ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شئنا لشبعنا، ولكننا كنا نؤثر على أنفسنا".
نماذج رائعة:
عندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، كانوا لا يحملون من متاع الحياة سوى ثيابهم البالية، وأجسادهم المنهكة، وثقتهم بموعود الله، فوقف الرسول صلى الله عليه وسلم محدثًا الأنصار قائلًا لهم: "إخوانكم تركوا الأموال والأولاد، وجاءوكم لا يعرفون الزراعة؛ فهلا قاسمتموهم ؟" قالوا :نعم، يا رسول الله! نقسم الأموال بيننا وبينهم بالسوية، فقال ءلهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أوَ غير ذلك؟ قالوا: وما غير ذلك يا رسول الله؟ قال: "تقاسموهم الثمر،قالوا:نعم يا رسول الله، بم؟ قال: "بأن لكم الجنة" [صححه الألباني]. وفيهم نزل قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
و لو لم يكن من فضائله إلا أنه دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام ورفعة الأخلاق لكفى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير) [صحيح الجامع للألباني].
ومن جميل ما يروى في الإيثار عن سلفنا الصالح، عن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلًا لهم أرغفة معدودة لا تكفيهم شبعًا، فكسروها وأطفأوا السراج، وجلسوا للأكل، فلما رفعت السفرة؛ فإذا الأرغفة محلها لم ينقص منها شيء، لأن أحدًا منهم لم ياكل إيثارًا للآخرين على نفسه حتى يأكلوا جميعًا..!
وأما "الأثرة" فلستِ منها في شيء!
والأثرة هي الصفة المقابلة للإيثار، وهي من الصفات السلبية والأخلاق السيئة، يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
(إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان، وغول فضائله إذا سيطرت نزعتها على امريء محقت خيره، ونمت شره، وحصرته في نطاق ضيق خسيس، لا يعرف فيه إلا شخصه، ولا يهتاج بالفرح أو الحزن إلا بما يمسه هو من خير أو شر..أما الدنيا العريضة والألوف المؤلفة من البشر؛ فهو لا يعرفهم إلا في حدود ما يصل إليه عن طريقهم ليحقق آماله أو يثير مخاوفه.
ولقد حارب الإسلام هذه الأنانية الظالمة بالأخوة العادلة، وأفهم الإنسان أن الحياة ليست له وحده، وأنها لا تصلح به وحده، فليعلم أن هناك أناسًا مثله، إن ذكر حقه عليهم، ومصلحته عندهم، فليذكر حقوقهم عليه، ومصالحهم عنده..وعندئذ ينخلع المرء من أثرته ويحمله على الشعور بغيره. [الشخصية الساحرة، كريم الشاذلي، ص(180)].
لن تستطيع الإيثار إلا المؤمنة..!
أن تحبي للناس ما تحبيه لنفسك، حقًا إنه شيء رائع وخلق جميل، وهو مطلب أكدت عليه الدراسات الحديثة في علوم التنمية البشرية وفنون التعامل مع الناس، غير أن التعامل معهم من منطلق الإيثار وتقديم مصالحهم على مصالحك إن تعارض الإثنان..فهذا الخلق لم تعرفه أمة من الأمم، ولم توصي به دراسة من الدراسات، إنه خلقٌ احتكره الإسلام..يصعب أن يقتنع به أو يمارسه أي شخص لا يؤمن بالله واليوم الآخر..!!
وبقدر درجة الإيمان تكون قوة الإيثار، حتى ليؤثر المؤمن بنفسه من أجل دينه، ويقدم حياة نبيه صلى الله عليه وسلم على حياته، ففي غزوة أحد حمى أبو دجانة جسد النبي صلى الله عليه وسلم بجسده، وارتضى أن تصيبه السهام بدلًا من أن تصيب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه يقول واصفًا هذا المشهد: ( نظرت إلى ظهر أبي دجانة؛ فإذا ظهره كالقنفذ من السهام..!!)
وفي نفس الغزوة تقف امرأة عظيمة من الأنصار تفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسها وتقاتل قتال الأسود، إنها أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، يقول عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني) [طبقات ابن سعد (8/303)][(د.محمد اسماعيل المقدم:عودة الحجاب،/ج2،ص:552)].
الإيثار تدريب على أفعال النفوس العظيمة..!
لأن الرغبة في التحلي بمكارم الأخلاق، والتنزه عن رديئها، لا تأتي بالتمني ولكن لابد من حمل النفس على أفعال الكرام وأمجادهم،وهو دليل الإيمان أيضًا، إذ بحسب صدق اليقين فيما عند الله تعالى يكون إيثار المرء.
- وهو تخليص للنفس من الشُّحِّ، فمن أبغض الشُّحَّ علم ألا خلاص له منه إلا بالجود والإيثار.
- وتوطين النفس على تحمل الشدائد والصعاب، فإن ذلك مما يعين على الإيثار.
- وتعظيم الحقوق، فمتى عظمت الحقوق عند امرئٍ قام بحقها وأيقن أنه إن لم يبلغ رتبة الإيثار لم يؤد الحقوق كما ينبغي فيحتاط لذلك بالإيثار.
درجات الإيثار:
أولها وأعلاها: إيثارُ رضا الله على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن.
وإيثار رضا الله عز وجل على غيره، هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلْق، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].
ثم تُؤْثِري الخلقَ على نفسك فيما لا يفسد عليك دِينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، يعني أن تُقدمهم على نفسك في مصالحهم.قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: 9].
أما كلُّ سببٍ يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثِري به أحدًا، فإن آثرت به فإنما تُؤْثِرين الشيطان على الله وأنت لا تعلمين، فلا تؤثرين صديقاتك. – مثلًا بوقتك وقد حضر وقت الصلاة المفروضة، أو وقت تلاوتك لوِرْد القرآن، أو إنهاء أعمال المنزل معاونةً لأمك وبرًّا بها، أو وقت المذاكرة والدراسة...وهكذا، فهذه أولويات مرتبة يسألك الله عنها يوم القيامة، وتأثمين إن أخللت بها.
وإليك ثماره اليانعة:
- انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، وشعور الفرد خاصة المحتاج أن المسلمين لُحمةً واحدة وكيان واحد، وهذا الكلام ينطبق تمامًا على الأسرة إذا مارس أفرادها هذا الخلق العظيم؛ فإنه ولابد سيزيد من الترابط بينهم.
- تحقيق الكفاية المادية في المجتمع، وهو أمر مقصود شرعًا، حتى لا يعود بين المسلمين فوارق شاسعة في المستويات المادية الأمر الذي يولد الحقد والحسد والطمع في نفس الفقير، ويولد الأثرة والأنانية في نفس الغني، وكلها أخلاق رذيلة مفسدة على مستوى الفرد والجماعة.
- بتحقيق الإيثار يتحقق الكمال الإيماني في النفس, قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [رواه البخاري].
كيف تكتسبين خلق الإيثار؟
ابنتي زهرة..قد تتأثرين بهذا الكلام عن خلق الإيثار وتتمنين أن يكون من أخلاقك، وذلك لن يتم لك إلا بالممارسة العملية لهذا الخلق، وهكذا تكتسب الأخلاق الحسنة حتى تصير من سجايا المرء وطبائعه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن يستعفف يُعفه الله، ومن يستغن يُغْنِه الله، ومن يتصبر يصبره الله) [ رواه البخاري]، يعني أن من تكلَّف هذه الفضائل، وحَرَص عليها، وتعاطاها: حصل له مقصوده من التخلق بها، حتى تصبح جزءًا طبيعيًا راسخًا في كيانه وشخصيته.
ويكاد يُجمع رجال التربية على أن الملكات الخلقية – مهما كانت قناعة الإنسان بها – لا تحصل له إلا من خلال اعتياد ممارستها، والمواظبة عليها، وفي هذا المعنى يقول الإمام الماوردي:
(الأدب مكتسب بالتجربة، أو مستحسن بالعادة.. وكل ذلك لا يُنال بتوفيق العقل، ولا بالانقياد للطبع، حتى يُكتسب بالتجربة والمعاناة، ويُستفاد بالدربة والمعاطاة) بمعنى أن الخلق – حتى وإن كان فطريًا – لا بد له من التدريب والتعويد حتى يرسخ، وتتشربه النفس، وفي هذا المعنى أيضًا يؤكِّد الراغب الأصفهاني فيقول:
(كل متعاطٍ لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى فيه بالازدياد منه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فباحتمال صغار الأمور يمكن احتمال كبارها، وباحتمال كبارها يستحق الحمد) ومصداق هذا الفهم كوسيلة لترسيخ الخلق في النفس.
وأخيرًا زهرتي الحبيبة
لتبدئي من الآن مسيرة عطاء لا ينضب، وإيثار لكل محتاج على نفسك، وستجدين في العطاء حلاوة تفوق بكثير حلاوة الأخذ..حلاوة تُحَسُّ ولا توصف بالكلمات..إنها قوة وإرادة يقذفها الله في قلوب عباده الذين وسّع عليهم في رزقهم ونصيبهم من الخلق الحسن.
المصادر:
- الشخصية الساحرة، كريم الشاذلي.
- عودة الحجاب، محمد إسماعيل المقدم.
- طبقات ابن سعد.

JoomShaper