سحر يسري
من خواطر أم زهرة:
(كلما رجعتُ بذاكرتي إلى الوراء وتذكرت كم كنت خائفة على ابنتي وهي في مطلع الصبا؟!! ..كنت أخاف عليها من كثرة الأسئلة والجدال، وأخشى أن يتأثر سلوكها أو تتراجع مبادئها، وأكثر ما كان يصيبني بالرعب عندما كانت تناقشني في ثوابت الدين مثل: لماذا أتينا إلى الدنيا طالما أننا سنموت؟ هل نحن مخيرون أم مسيرون؟ لماذا لا نرى الله؟ كيف نصدق أن هناك ملائكة وأنبياء قد بعثوا؟ لماذا عليّ أن أرتدي الحجاب؟
كنت ألجأ إلى الله تعالى وأدعوه أن يثبت ابنتي، ويلهمني حسن إرشادها وتعليمها، قرأت كثيرًا..وعلمت أن هذه الأسئلة من سمات النمو الطبيعي المؤدي إلى النضج في مرحلة المراهقة؛ فكنت أرى أنه من الواجب عليّ ما أبثه في نفسها كل يوم من نفحات الإيمان المصحوبة بقراءة القرآن الكريم وأداء الصلوات معًا، ودفعها إلى التعلق بالله وحده والتوكل عليه وحسن الرجاء فيما عنده وأنه لا يضيع عباده المؤمنين به أبدًا...ومرّت الأيام وكبرت ابنتي واجتازت هذه المرحلة بسلام بحمد الله تعالى).
أعزائي المربين..
إنّ التمسك بالدين والانضباط بتعاليمه هو الحصن الحصين للفتاة، والملاذ الآمن من موجات الفتن والأهواء، لأن الله عزّ وجلّ قد وعد عباده بذلك، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
بل إن التدين هو حاجة من الحاجات الضرورية التي تشعر بها الفتاة المراهقة فطريًا وتحتاج إلى إشباعها بشكل صحيح، فمن ملامح مرحلة المراهقة اهتمام الفتاة الشديد بأمور الدين، ومن ملامحها أيضًا ازدواج الشعور الديني وتعدد الاتجاهات الدينية من التقليد إلى الحماس والعاطفة، بل إلى الشك والإلحاد أحيانًا. [دور الوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة، حنان الطوري، ص(143)، بتصرف].
ومرحلة بداية التكليف (المراهقة) تُعد من أخصب مراحل عمر الإنسان في الانبعاث الإيماني، فهي مرحلة تدين حقيقي، وتلبُّس بالمثل العليا وقد دلَّ البحث الميداني على أنها مرحلة توجه ديني عند غالب الشباب خاصة عند الفتيات؛ إذ دلَّت النتائج على أنهن أكثر قبولًا، وإذعانًا للدين - في العموم - من الذكور مما يدل على أن تأثير الدين، بمفاهيمه المختلفة لا يزال قوة فاعلة في حياة الإنسان عمومًا والشباب -على الخصوص- وهذا يدحض التوجه الغربي الرافض للتوجه الديني، والمغفِل لتأثيره، والذي يصف - من خلال بعض دراساته الميدانية - فترة البلوغ بأنها فترة رفض للدين، وإلحاد، وخروج من الاعتقادات، في حين أنها فترة ازدهار إيماني، وانبعاث روحي نحو عالم الغيب.
لماذا يختلف الناس في أخذهم للدين؟
قد يخاف البعض على أبنائهم وبناتهم من الاتجاه القوي للدين، وذلك بسبب النماذج التي يرونها في الواقع من أصحاب التدين الناقص، بينما الدين واحد لأنه من عند الله الواحد، قال تعالى: {نَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ولكن عند تناول البشر للدين وتطبيقه في حياتهم يختلف مأخذ كل منهم للدين، وطريقة تطبيقه ويرجع ذلك إلى: التفاوت بين الناس في درجات العلم بالدين وعمق الفهم له، وقوة الإيمان به، وكذلك تفاوتهم في أداء الأعمال الصالحة التي تتزكى بها النفوس ويزيد بها الإيمان قوةً وثباتًا، قال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163]، وقال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) [رواه البخاري].
و لمزيد من الإيضاح إليكم نماذج لبعض صور التدين الناقص:
- التدين المعرفي:وفي هذا النموذج ينحصر تدين الفرد في الجانب المعرفي فقط (مجرد معرفة عقلية ومعلومات نظرية)، وهؤلاء بارعون في الحديث عن الدين، أو الكتابة فيه، يهتمون جدًا بأسماء الكتب التي يدرسونها، وأحجامها كأن تكون من أمهات الكتب المشهورة، وعبارة عن مجلدات، يتوقون إلى التصدر ويندفعون في الفتوى قبل الأوان، العيب في هذا النموذج أنّ المعرفة عندهم تتوقف عند الجانب النظري فقط، ولا تتعداه إلى دائرة التطبيق العملي في أرض الواقع، لذلك عندما يحتكّون بالناس في مواقف عملية تكثر منهم الأخطاء المخالفة لما يحملونه من علم، فيتركون أثرًا سيئًا على عوام الناس.
- التدين الانفعالي: وفيه يبدي الشاب أو الفتاة عاطفة كبيرة طيبة وحماسًا كبيرًا نحو الدين، من دون أن يواكب ذلك معرفة جيدة بأحكام الدين، أو سلوكًا منضبطًا بقواعده، ويكثر هذا النموذج في الشباب والفتيات حديثي التدين.
- تدين البيئة والعادة:حيث ينحصر التدين في دائرة السلوك وأداء العبادات والطقوس الدينية، دون الفهم العميق لحكمة هذه العبادات أو الربط الإيماني بها، وبالتالي قد يخلو هذا النموذج من العاطفة الدينية فيما يؤديه من عبادات، ومثال هذا النموذج هم الشباب والفتيات الذين نشئوا في بيئات متدينة لكن لم تهتم بتعليمهم تفاصيل الدين أو توقد جذوته في قلوبهم، فتلقوا الدين كعادات طيبة مكتسبة، ولكنهم مفتقدون للجانب المعرفي، وإيقاظ الجانب الروحي.
- تدين المنفعة والمصلحة:في هذا النموذج يكون الدافع لكثير من مظاهر الدين الخارجية واللفظية، هو الوصول إلى مكانة اجتماعية خاصة، أو تحقيق أهداف دنيوية، فصاحب هذا السلوك يسخِّر الدين لخدمته، وليس العكس. [الصحة النفسية للمراهقين، د.حاتم محمد آدم، ص(165)].
دور الوالدين في إشباع حاجة الفتاة الفطرية إلى التدين الصحيح:
إذا كانت التربية الإسلامية تهتم بالكيان الإنساني كله، فإنها تجعل من التربية الإيمانية أساسها الأول، ومنطلقها الرئيس في بناء شخصية الإنسان المسلم، حيث تهدف إلى غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفس المتربِّي، مع القناعة بها؛ لتكون في الباطن إيمانًا راسخًا، وفي الظاهر استسلامًا وإذعانًا لممارسة مقتضيات الإيمان، ومستلزماته، في صورة سلوك وممارسة واقعية في الحياة.
وهذا الجانب من جوانب التربية الإسلامية يستوي فيه الذكور والإناث من المكلفين، فلا فرق بين البنين والبنات من جهة طبيعة الاعتقاد ومستلزماته، ولا من جهة تأثيره في النفس والسلوك، إلا أنّ الفتاة تدخل عالم التكليف قبل الفتى؛ لأن بلوغها عادة يسبق بلوغ الذكور، كما أنها تمتاز عن الفتى بقوة العاطفة والتأثر.
لذلك يقع الدور الكبير والرئيس على الوالدين في تلبية حاجتها الفطرية إلى التدين و إرواء عطشها المعرفي في هذا الجانب الهام من شخصيتها،وذلك من خلال:
- الاهتمام بتعليم الفتاة أمر دينها منذ الصغر، فقد بين الله تعالى أن الإيمان والدين لابد أن يقوما على العلم، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] ولذلك كان العلم مقدَّمًا في عقول الأمة على العبادة، وعن أبي أمامة البَاهلي رضي الله عنه قَال:
(ذُكِرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلمرجلان أحدهُما عابد والآخر عالم فَقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فضل العالمْعلى العابد كفضلي على أدناكم) [حديث حسن].
- استغلال الاتجاه العاطفي عند الفتاة في توجيهها توجيهًا قويمًا، وذك بإغناء فكرها بمسائل العقيدة الإسلامية التي لا يسع المسلم جهلها،مثل أركان الإيمان الستة ( الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) حتى إذا ما نضجت الفتاة وتوازنت عواطفها يكون البناء الإيماني قد تأصّل في نفسها قويًا متينًا ثابتًا لا يتزعزع. [شباب بلا مشاكل، د.أكرم محمد رضا، ص(229)].
- تأصيل القاعدة الفكرية الإسلامية في ذهن الفتاة، حمايةً لها من الأفكار الدخيلة الغير إسلامية، وتوعيتها بأن هذه الأفكار موجهة تهدف إلى إبعاد المسلمين عن هويتهم المسلمة التي رفعهم الله بها على قمة الوجود البشري في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]
- توجيه الفتاة نحو التدين الصحيح المتوازن الذي لا يطغى فيه جانب على الآخر، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77] فلا يوجد في الإسلام طريقان متعارضان أحدهما طريق الدنيا والآخر طريق الآخرة، بل هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، عنأنسرضياللهعنهعنالنبيصلىاللهعليهوسلمقال: (إنقامتالساعةوفييدأحدكمفسيلة، فإناستطاعأنلاتقومحتىيغرسهافليغرسها) [صححه الألباني].
- إمداد الفتاة بكتب التراجم التي تحتوي على سير الصحابة والتابعين والمصلحين رجالًا و نساءًا ونماذج عملية للأخذ بالدين بشكل صحيح يهتم بالعمل والتطبيق على أرض الواقع، ويبتعد عن الغلو والتطرف.
وأخيرًا عزيزي المربي...عزيزتي الأم
إن بناتنا أعز شيء علينا وعلى أمتنا بأكملها، لأنهن القائمات غدًا على تربية الأنفس المؤمنة وإعدادها لتنهض بالأمة وتصنع مستقبلها المشرق، فالأمل فيهن كبير والخير المنتظر منهن كثير جدًا، وعلينا أن نحسن إعدادهن لهذه المهمة العظيمة حتى نفوز بأجرهن، حتى وإن سبقناهم إلى الدار الآخرة.
المصادر:
-   شباب بلا مشاكل، د.أكرم رضا.
-   الصحة النفسية للمراهقين، د.حاتم آدم.
-  الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة، حنان الطوري.

JoomShaper