محمد السيد عبد الرازق
ما زالت رحلة العفاف مستمرة، وقد قطعنا شوطًا كبيرًا من قبل أنهيناه بالإجابة على السؤال المهم: لماذا؟ لماذا تحولت الشهوة في حياة الكثير من الشباب والمراهقين على وجه الخصوص إلى وحش يدمر كل ما أمامه ويهتك ستائر العفة؟ لماذا أصبح الكثير أسرى لنداء الشهوة ريثما ينادي يلبى النداء، إن الإجابة أجملناها في نهاية المقال السابق في أربعة نقاط، وكانوا:
1. صرح الإيمان المتهاوي:
2. أصدقاء السوء:
3. السهام الإبليسية:
4. الفراغ القاتل
وفي هذا المقال نفرد الحديث لنقطة خامسة ننهي بها الإجابة على سؤال لماذا؟ السابق.
وبهذه الخماسية وما قبلها في المقال السابق نكون قد بينا بوضوح أسباب الداء، ويتبقى لنا رصد نتائجه ثم التوجه مباشرة إلى سلسبيل الدواء حتى تفيض حياتنا بالعفة، ونكون قد قطعنا رحلة ممتعة إلى سعادة الدنيا والآخرة وكما قال الأستاذ محمد فتح الله كولن: (لو يدرك الشاب فعل الزمن في هدمه وتجريده مما يتباهى به، لسارع يفتش عمن يأخذ بيده نحو عالم لا يشيخ فيه ولا يفنى، بل يبقى خالدًا مخلدًا) [أسئلة العصر المحيرة، فتح الله كولن].
والآن دعونا نفسح الطريق للإجابة الخامسة على سؤال: لماذا؟
هنا ملتقى الخطيئة
ونقصد به الاختلاط المحرم، هذا الاختلاط الذي يساعد على اشتعال نار الشهوة لدى الشباب، ويعمل على تأجيجها، وما ذاك إلا لأن (اختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا) [الطرق الحكمية، ابن القيم، ص(326)].
ومن أجل ذلك؛ فقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم منع اختلاط الرجال بالنساء، حتى في أحبِّ بقاع الأرض إلى الله وهي المساجد، وذلك بفصل صفوف النساء عن الرجال، والمكث بعد السلام حتى ينصـرف النساء، وتخصيص باب خاص بالنساء في المسجد، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيرًا قبل أن يقوم) [رواه البخاري].
قال ابن شهاب: فأرى ـ والله أعلم ـ أن مكثه لكي ينفذ النساء، قبل أن يدركهن من انصـرف من القوم) [عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني الحنفي، (9/391)].
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو تركنا هذا الباب للنساء)، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر رضي الله عنهما حتى مات [رواه أبو داود].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) [رواه البخاري].
فر من الكبت، وفي الكبت وقع
(ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجـنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... إلخ.
شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تميزه عن الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين، وبخاصة نظرية (فرويد).
ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية، رأيتُ بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتًا من جميع القيود الاجتماعية الأخلاقية والدينية والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس.
نعم، شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي، والاختلاط الجنسـي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها، إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع!
وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي ادُّعِيَ أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب، شاهدتها بوفرة، ومعها الشذوذ الجنسـي بكل أنواعه، ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد، ولا يقف عند حد.
وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد، مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (4/2511)].
حديث الأرقام
والآن أخي الحبيب إليك نتائج دراسة نشرت في 8 يوليو سنة 2002م، قامت بها هيئة حكومية بريطانية تدعى (المؤسسة الوطنية للبحث التعليمي)، والتي أجريت على (2954) مدرسة ثانوية في انجلترا لدراسة مدى تأثير حجم المدرسة ونوعه ـ مختلطة أو غير مختلطة ـ على أدائها التعليمي [مقالة بعنوان: آفة الاختلاط في المجتمع المسلم، على موقع إسلام ويب، www.islamweb.net].
أوضحت هذه الدراسة نتائج مدهشة، أبرزها: أن أداء الطلبة الذكور والإناث كان أفضل دراسيًّا في المدارس غير المختلطة، والفتيات كن أكثر استفادة من الفصل بين الجنسين في تنمية أدائهن.
كذلك وجد من تحليل نتائج الامتحانات البريطانية العامة، أن المدارس غير المختلطة تحقق أفضل النتائج وأعلاها بشكل روتيني؛ ففي سنة 2001م كان العشـرون الأوائل في الامتحانات البريطانية من طلاب المدارس غير المختلطة، وأغلب الخمسين الأوائل من الدارسين في تلك المدارس.
يضاف إلى ذلك أن تجارب علمية تم القيام بها في بعض المدارس، أكدت أن التعليم غير المختلط أفضل بكثير من التعليم المختلط، ولذا؛ فقد تم تحويل مدارس مختلطة إلى مدارس غير مختلطة يفصل فيها بين الجنسين، لكن مع بقاء نفس الطلاب ونفس المدرسين، ونفس المنهج ونفس الإمكانيات.
وقد أثبتت التجارب والمشاهدات الواقعية في دنيا علم النفس الحديث، أن اختلاط الرجال بالنساء يثير في النفس الغريزة الجنسية بصورة تهدد كيان المجتمعات.
فنتيجة للاختلاط الكائن بين الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات، ذكرت جريدة الأحد اللبنانية في عددها رقم (650)، أن الطالبة في المدرسة أو الجامعة لا تفكر إلا بعواطفها، والوسائل التي تتجاوب بها مع هذه العاطفة، وأن أكثر من (60 %) من الطالبات سقطن في الامتحانات بسبب تفكيرهن في الجنس أكثر من دروسهن أو حتى مستقبلهن [الإسلام والجنس، عبد الله ناصح علوان، ص(13)].
وهذا يتسق مع ما ذهب إليه د. ألكسيس كاريل في كتابه "الإنسان ذلك المجهول"؛ حينما يقول: (عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان تُفرِز نوعًا من المادة، التي تتسـرب بالدم إلى دماغه وتخدره؛ فلا يعود قادرًا على التفكير الصافي) [نقلًا عن: تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان، (1/230)].
ولكن.. انتبه!
ليس معنى الكلام السابق أن الاختلاط هو السبب الأول والأخير لضياع العفة، فلا ينبغي لنا أن نعتقد ذلك، وإنما كل ما سبق لننتبه فقط إلى خطورة الأمر وتأثيره، ومن ثم نتخذ معه الضوابط الشرعية اللازمة.
وما أردت منك أخي الحبيب اعتقاد أن(الصورة الصحيحة للمجتمع الطاهر العفيف، هي أن ينقسم إلى قسمين قسم للرجال وآخر للنساء، بلا أي التقاء بينهما أو مقابلة إلا في بيوت الزوجية، فهذا تصور ساذج ولا يمكن حدوثه.
وحتى على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أطهر العهود وأنقاها، لم تكن صورة المجتمع بهذا الشكل، وإنما كانت هناك ضوابط شرعية وحدود آمنة، في التعامل بين الرجال والنساء للحاجة، بلا نظر محرم ولا اختلاط فوضوي.
ولكنها صيحة تحذير وتنبيه، خشية ألا تدرك خطورة الأمر أو تتعامل معه بصفاء نية وحسن سريرة؛ فالكثير من الشباب ينطلق مدافعًا عن نفسه حين تكلمه عن أخطار الاختلاط ومضاره، فهو حين يكلم فتاة في عمل أو في دراسة لا تطرأ على ذهنه أي أفكار سيئة، وإنما يتعامل معها ببراءة ونقاء وكأنها أخته.
وأنا لا أتهمك في نيتك، ولكن النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد، فما تجدي النية الحسنة في عمل دلت النصوص على تحريمه؟!
وإذا كانت نيتك سليمة وقلبك صافٍ، فلتكن أعمالك براهين على هذا الصفاء، بأن تكون منضبطة بأحكام الشريعة الغراء، كما قال العرب قديمًا (كل إناء بما فيه ينضح)) [على خطا يوسف الصديق، محمد السيد عبد الرازق].
المصادر:
في ظلال القرآن سيد قطب.
أسئلة العصر المحيرة فتح الله كولن.
الإسلام والجنس عبد الله ناصح علوان.
الطرق الحكمية ابن القيم.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري.
الاستجابة للشهوة.. لماذا؟
- التفاصيل