هنادي الشوا - أورينت نت
ليس غريباً أن يُجمع غالبية المتخصصين في العلاج النفسي, أن أحداث العُنف في سوريا ستترك آثاراً خطيرة على الحالة النفسية للطفل السوري على وجه الخصوص، سواء بوصفه شاهداً على حالة عنف، أو مستمعاً، أو نازحاً، أو مُهجراً بشكل قسري, ممن تعرض للعنف بشكل مباشر أو غير مباشر, أو الأخطر من هذا وذاك الأطفال الذين صُدموا بظاهرة الموت الجماعي، والأطفال الذين تعرضوا لصدمة فقد أحد الوالدين أو كليهما!
ولا يخفى على أحد أن هذه المظاهر ستتدخل في تشكيل شخصياتهم في المستقبل, ومن هنا يأتي التأكيد على أن الأطفال السوريين بعد الثورة يشكلون تحدياً حقيقياً للأخصائيين النفسيين والتربويين في سوريا. ولأنه لا يمكن الإحاطة بكل أشكال العنف و آثارها بمقالة واحدة, لذا فسوف أخصص حديثي عن بعض الأخطاء الشائعة في التعامل مع الأطفال ضحايا العنف والوقوف على مخاطرها, مع أسفي الشديد لأن الحصول على الدعم والعلاج النفسي في الوقت الحاضر مهمة شبه مستحيلة لاسيما في المدن التي تشهد عمليات عسكرية.عزل الطفل السوري عن مشاهد العنف!
كما نعلم إن من أكثر المهام التربوية صعوبة في الوقت الحالي عزل الطفل السوري عن مشاهد العنف, فما كان بالأمس مُتاحاً أمام الأهل أصبح اليوم صعباً, ويكاد يكون مستحيلاً في بعض المدن ,في ظل غياب أحد أهم طرفي التنشئة الاجتماعية للطفل وهو المدرسة في بعض المدن التي توقفت فيها العملية التعليمية بشكل كامل , أصبحت الأسرة أمام اختبار صعب.
الطفل السوري اليوم في بعض المدن على تماس مباشر مع بيئة يسودها العنف, فهو يسمع أزيز الطائرات في الجو, ويرى الدبابات تقصف,وقد يرى أحياناً الاشتباكات التي تدور بين الفينة والأخرى,وقد يفقد أحد المقربين في محيطه, وبالتالي فإن مهمة الأسرة هنا تتضاعف وتغدو معها احتمالات النجاح أكثر صعوبة . وانطلاقاً من هذه الصعوبات يتوجب على الأهل توخي الحذر في تعاملهم مع الطفل. و حتى لا يبدو الكلام نظرياً أكثر من كونه تطبيقي سأسوق بعض الأمثلة حول الأخطاء الأكثر شيوعاً في التعامل مع الأطفال ضحايا العنف. إن من غير المجدي اليوم إنكار حقيقة ما يجري أمام الطفل بل على العكس تماماً تبدو هذه المحاولة خطرة, نظراً لأن الطفل ليس كما يتخيل البعض بأنه الكائن البسيط المسالم الذي يقبل كل شئ ,ولاسيما إن لم يقتنع, وبالتالي إنكار ما يجري, هو تحريض غير مباشر للطفل للبحث عن مصادر المعرفة خارجياً وبعيداً عن سلطة الأهل, وأحياناً وفي تشديد حالة الرقابة الوالدية يلجأ الطفل إلى عالمه البسيط وتخيلاته ومخاوفه من المجهول التي قد يكون أذاها النفسي أكثر من إخباره حقيقة ما يجري. من ناحية أخرى, نجد على النقيض تماماً, بعض الأهل يفضلون إطلاع أولادهم على ما يجري على الأرض وبكل تفصيل متناولين الشرائح الاجتماعية والمدن والتقسيمات غير آبهين بمستقبل ما يتم تلقينه للطفل, فتسأل احدهم ما جدوى أن تقول لطفلك أن جارنا قُتل على يد فلان وقد جاء من المنطقة الفلانية أو المدينة الفلانية ؟ فيقول لك : إن الطفل يجب أن يعرف لأنه سيكبر بيومِ ما ويجب أن يعرف. تكاد تكون هذه الظاهرة من أخطر الظواهر التي نشاهدها اليوم والتي لاتقل عن ظاهرة حمل الأطفال للسلاح, كلاهما لا يعدوان عن كونهما تهيئة الطفل ليكون قاتل.
شحن الطفل بمشاعر الكارهية!
خطأ شائع آخر, وأحياناً غير مقصود, هو ترك الطفل يشاهد أعمال العنف من خلال نشرات الأخبار أو التقارير أو الأحاديث اليومية,نتحدث عن ظاهرة الإدمان أو التعود على مشاهدة العنف, عن ظاهرة الحقد والانتقام, عن شحن الطفل بمختلف أشكال الكراهية تجاه الآخر المجهول الذي لا يعرفه... ومن هنا فإن أول ما نطالب به كآباء وتربويين وعاملين في ميادين الصحة النفسية هو الضغط على وسائل الإعلام للحد من انتشار ظاهرة استخدام الأطفال في الريبورتاجات لإثارة الجمعيات الحقوقية العالمية, وهذا لا يقتصر على طرف وإنما للأسف حقيقة يشمل كل الأطراف وغالباً في النزاعات والحروب الأطفال هم من يدفعون الثمن.
لأنهم يكبروا على سماع كلمة حينما تكبر ستثأر لأبيك أو لأخيك .....وبالنهاية أنت تربي طفلك ليصبح مشروع قاتل...أي بالمحصلة ستفقده بشكل أو بآخر. إن توعية الطفل على مفهوم العدالة والقصاص وفق القانون هو أفضل وأسلم من كل النواحي , ولا يتعارض مع فهم الطفل الذي ربما فقد والده ,و لديه مشاعر كره كرد فعل طبيعي تجاه القاتل , ولكن بدلاً من شحنه وتهيئته لفكرة الانتقام يمكننا أن نشرح له شيئاً مبسطاً عن القانون في المجتمع ,وأن المجرمين سيمثلون إلى القضاء وسوف يحاكمون. يمكننا كذلك توجيه انفعالاته بشكل إيجابي , كأن نغرس لديه القناعة بأنه قادر على التغيير نحو الأفضل, وأن البلد ورفاقه الصغار بحاجته أيضاً, وأن له دور يمكن أن يقوم به . أعلم تماماً أن هناك من سيقول ألهذا الحد يعتبر الأمر سهلاً ؟ بالطبع لا ولكنه ليس مستحيل, هذا يتوقف على عدة عوامل منها المرحلة النمائية للطفل أثناء تعرضه للصدمة, وطبيعة الصدمة من حيث الشدة والمدة, والمهارات الشخصية الخاصة بالطفل, ودور الأهل في تعويض الطفل عن الحب والحنان الذي فقده, ودعمه من خلال تكثيف التواصل معه والاستماع إلى هواجسه, من المعروف أن الطفل في هكذا حالات غالباً مايرى كوابيس, ويحصل لديه صعوبات في النوم وأحياناً صعوبات في التواصل اللغوي, والفزع, وكلها آثار نفسية ناجمة عن الصدمة, يشكل رد فعل الأهل عليها من أهم سًبل معالجتها. تختلف سبل معالجتها باختلاف عمر الطفل ولكن بالعموم يمكن للأهل في هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها سوريا المساعدة في الحد منها بتوجيه الطفل نحو تعلم مهارات جديدة,و توجيه طاقاته وانفعالاته باتجاه الرسم, واللعب , والتنفيس عبر سرد القصص وتبادل الادوار, كأن تروي الأم قصة وتطلب من الطفل أن يقوم بالمقابل بسرد قصة لتتولى فيما بعد توعية الطفل من خلال قصة أخرى دون أن تشعره بأنها موجهة له وهكذا.
من هو الطفل غير المتضرر؟!
خطأ آخر هو اعتقاد الأهل أن الطفل الذي لايُظهر انفعالات الحزن هو طفل غير متضرر , ولكن في واقع الحال -أحياناً - الطفل وكنوع من التخفيف عن أهله يقوم بكبت مشاعره , ويعيش حزنه بداخله دون أن يشعر به أحد. هنا يجب على الأهل الانتباه إلى هذا وتعليم الطفل أن من الضروري أن لا يُخفي مشاعر حزنه ويكبتها, على العكس يجب أن يرى فيها مشاعر طبيعية , وللتنفيس عبر البكاء دور مهم في تسريع الوصول إلى مرحلة التأقلم مع الفقد التي تعرض لها الطفل. وأختم مع خطأ شائع جداً وهو إبعاد الأهل للطفل الذي تعرض للصدمة عن الأطفال الذين تعرضوا لحوادث مماثلةً , يعتقد معظمهم أن في هذا تخفيف للأذى الواقع على الطفل ولكن هناك تجارب أثبتت أن هذا الدمج له دور في تسريع عملية التأقلم مع الخبرة المؤلمة عبر تعلم استجابات جديدة خصوصاً مع الأطفال الذين يواجهون الصدمة بالانسحاب والانطواء على الذات , وحسب ماك كامبريدج ودوكا إن تقرب الفرد من أفراد يفهمون ما يعاني منه, يكونوا أيضاً فقدوا شخصاً أو أشخاصاً عزيزين عليهم, هؤلاء بلا شك سيرشدونه للخروج من المحنة. يمكن للأسرة هنا أن تحاول دمج هذا الطفل مع أطفال آخرين عانوا من نفس الخبرة , من أبناء الحي أو الأقارب أو زملاء الدراسة فوجود أطفال عانوا من نفس الخبرة ولو بدرجات متفاوتة, سيغرس في نفسه الأمل بالأفضل وسيعزز ثقته بنفسه ويخلصه من شعور الذنب الذي يتعاظم خلال فترات العزلة ويتلاشى في الجو الاجتماعي, ومن ناحية أخرى سيتعود الطفل على الاستجابة بشكل متوازن على كل ماسيصادفه في حياته من مواقف مشابهة قد تحمل بين ثنياتها تفاصيل تبعث على اليأس, أي بالمحصلة سيتعلم الطفل أن المحاولة أول خطوات النجاح أما الهروب وتأنيب الذات والانسحاب سيحرمه من فرصة النجاح خلال مواجهة أي موقف مشكل في المستقبل.
7/7/2014