القاهرة – نجاح سفر
يعاني الأطفال السوريون اللاجئون إلى مصر أسوأ أنواع الظروف والانتهاكات لطفولتهم. فقد اضطروا لترك بيوتهم ومدارسهم في سوريا هرباً من طاحونة الحرب ليواجهوا ظروفاً قاسية في مجتمع جديد. مما دفعهم للنزول إلى سوق العمل لإعانة أهاليهم، خصوصا في حال عدم وجود رجل بيت معيل، فهو إما شهيد أو معتقل أو معاق نتيجة إصابة من قذيفة أو غيرها. هناك المئات من الأطفال السوريين المحملين بذكريات الحرب القاسية والمضطرين لمواجهة الظروف المادية القاسية في مقرهم الجديد في مصر وتحمل مسؤوليات ثقيلة بدل أن يتحمل أحدهم مسؤوليتهم. 1
ولا تقتصر معاناة الأطفال السوريين في مصر على العمل، بل تتعداه إلى الاستغلال سياسياً، حيث يُجبرون أحياناً للمشاركة في التظاهرات التي تنتشر في طول البلاد وعرضها، بالإضافة إلى الاستغلال الاجتماعي من قبل عصابات أطفال الشوارع المصريين، الذين يرهبون الأطفال السوريين ويهددوهم بالقتل إن تعدوا على مناطقهم أو أعمالهم. حيث يلاحق أطفال الشوارع المصريين الأطفال السوريين ويهددونهم بالسكاكين طالبين منهم ترك المنطقة لأنهم يضاربون عليهم، ويتم استغلالهم من قبل عصابات أطفال الشوارع المنظمة ويتم إجبارهم على التسول أو بيع المناديل، مما يعتبر مخالفة لحقوق الطفل.فها هو “أحمد”، 14 عاماً، يرتب وينظف كراسي وطاولات المطعم الذي يعمل فيه لساعات طويلة في منطقة السادس من أكتوبر، بدل أن يقضيها على مقاعد الدراسة، متذكرا طفولته في بيته في إحدى القرى السورية، حيث كان يرتاد المدرسة مثله مثل معظم أقرانه. وتتنوع أعمال الأطفال السوريين بين العمل في المصانع وورش السيارات وغسل الأطباق والتنظيف في المطاعم، وذلك مقابل أجور مالية تتراوح بين الـ500 إلى 1200 جنيه شهرياً، وذلك وفقاً لساعات العمل وطبيعته.
يقول أحمد: “أعمل كي أساعد أهلي، فأبي شهيد وأمي كبيرة في السن، لذا نزلت إلى العمل وأنا أتقاضى (700) جنيه شهرياً، وهو لا يكفينا، فنحن خمسة والراتب يتوزع بين أجرة المنزل ومصروفنا اليومي، لكنه أفضل من لا شيء، أعمل لمدة 12 ساعة يومياً، وأنا عاجز في سني هذا عن الالتحاق بعمل شاق وأجره مرتفع”. 2يذكر أن السوريين اضطروا للسكن في منزل يطلق عليه اسم “بيت العائلة” حيث يسكنون بأعداد كبيرة في منزل واحد لتوفير أجور المنزل التي تزايدت بعد توافد السوريين إلى مصر، وذلك بعد نفاد مدخراتهم التي أتوا بها من سوريا على أمل ألا يطول أمد الحرب ويتمكنون من العودة سريعاً إلى بيوتهم وحياتهم السابقة، لكن الحرب طالت وانتهت آمالهم في العودة قريبا، لذا كان عليهم التأقلم مع الظروف الجديدة ومحاولة التعايش معها.
وهناك بعض الأطفال الذين هربوا من سوريا وقدموا إلى مصر لإعالة عائلاتهم في سوريا الذين فقدوا كل شيء في مناطق القصف ولا معيل لديهم، لذا كان على أولئك الأطفال العمل في مصر بأعمال مجهدة وخطرة وضمن ظروف اجتماعية وسياسية قاسية لتأمين بعض المال لأهلهم في سوريا. والأطفال السوريون يقبلون بأجور أقل من العمالة المصرية ويتم استغلالهم على أنهم عمالة رخيصة.
وهناك “سامر” الذي يفترض أن يكون في صف الثاني إعدادي، لكنه اضطر لترك مقاعد دراسته ليعيل أسرته، التي وصلت إلى مصر منذ عام ونصف العام، ويعمل لمدة 9 ساعات يومياً، له أخ في السادسة عشرة من عمره يعمل في مصنع لتصنيع الأدوات البلاستيكية، ويتقاضى 1000 جنيه شهريا، وهو عمل صعب وخطر، وقد تعرض بعض الأطفال السوريين الذين يعملون فيه إلى إصابات معيقة.
وهناك حالات أشد قسوة من ذلك، فها هي السيدة أم لؤي التي تعيش في شارع فيصل، زوجها معتقل بسوريا وهي بالقاهرة مع أولادها الصغار، الذين عجزت عن الاستفادة من أي قرار لتسجيلهم في المدارس الحكومية قبل التسهيلات وبعدها. بالإضافة إلى كونها بدون معيل يساعدها على سداد أجرة المنزل، ولم تتمكن من الحصول على عمل لها، رغم أن معظم جيرانها من السوريين ويعرفون حالتها لكنها لم تجد مساعداً ولو بابتسامة. وبسبب عمرها ومكان إقامتها، عجزت عن العمل في أحد المصانع أو الورش، فطلبت تشغيل ابنها البالغ من العمر 13 سنة، الذي عمل في مقهى شعبي كعامل نظافة يمسح الطاولات مقابل 15 جنيه يومياً ويعمل من الساعة الثانية ظهراً حتى الثانية ليلاً.
وخلال ذلك يتناول لؤي وجبة واحدة على حساب القهوة عبارة عن خبز وعلبة جبنة صغيرة. مبلغ بالكاد يكفي أمه وأخوته الثلاث الأصغر منه، الذين لا يرتادون المدرسة أيضاً، لعجزهم المادي، وحتى لو تم قبولهم في المدارس الحكومية سيعجزون عن دفع ثمن الدفاتر والأقلام وغيرها. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد اكتشف صاحب القهوة بعد شهر من بداية عمل الطفل أنه غير كفؤ، فصرفه ليجلس إلى جانب أمه وأخوته… لا عمل ولا دراسة ولا معونة من أي جهة كانت.3
أم عامر، سيدة تقيم مع عائلتها في منطقة 6 أكتوبر، زوجها شبه معاق بسبب التعذيب في المعتقل ولا يستطيع العمل أبداً، عامر ابنها الوحيد في الخامسة عشرة من عمره، اضطر للعمل في أحد مصانع الأزياء على أطراف 6 أكتوبر، بعد التدخل من عدة أشخاص لصاحب المصنع “السوري”! عامر يعمل حالياً 10 ساعات يومياً بمرتب 600 جنيه فقط شهرياً، الذي لا يكفي أجرة منزل.
ما يلفت النظر في الأمر هو أن التجار السوريين افتتحوا الكثير من المشاريع الإنتاجية في مصر إلا أنهم يرفضون دعم أخوتهم وأبنائهم السوريين، وهذا أمر نعجز عن تفسيره في ظل الظروف القاهرة التي يعيشها السوريون في مختلف دول الشتات.
كما حاول جزء من الأطفال السوريين اللجوء إلى الهجرة غير الشرعية من مصر للوصول إلى دول اللجوء ومساعدة أهاليهم فيما بعد على اللحاق بهم، لكن تم القبض عليهم واحتجازهم من قبل الشرطة المصرية التي أحبطت محاولة سفره مع مجموعة من الشباب، واستمروا في الحجز لمدة طويلة في ظروف قاسية.
لكن ذلك لا يمنع الأطفال من ممارسة بعض طفولتهم بعد انتهائهم من عملهم، حيث يتجمعون في الملاعب الصغيرة المتواجدة في أماكن سكنهم ليلعبوا كرة القدم التي يعشقونها، محاولين تناسي يومهم المتعب وظروفهم القاسية.