04 أيلول , 2014 - 00:03 التصنيف: خاص - المصدر / الكاتب: نادين جوني
لا يكمن الخوف عند انتهاء أيّ حربٍ من عدم إعادة إعمار الوطن، بل يكمن الرعب في كيفية إعادة بناء وهيكلة مجتمعٍ من جديد، فأطفال اليوم هم شباب الغد ومستقبله، وإن دمّرت طفولة جيلٍ بأكمله فإنّ وطنًا دمرت ثقافته لأجيال قادمة.
هذه الفريضة التي يدفعها أطفال سوريا اليوم، الذين شرّدوا ونزحوا من بلادهم وهم أول من يدفع ثمن حربٍ لا ذنب لهم فيها، حربٌ سلبتهم بيوتهم، دمرت مدارسهم، ومزقت كتبهم، أحرقت أعمارهم وقضت على طموحاتهم وأحلامهم.
ليست الحرب وحدها من سلب منهم الحق في التعليم، فقد قررت وزارة التربية اللبنانية إتخاذ إجراءاتٍ صارمة بحق النازحين الذين يودّون التعلم في لبنان، فلا يكفيهم اختلاف المناهج، وغلاء المدارس الخاصة وعدم مجانية التعليم الرسمي الذي اعتادوه في بلادهم، لتأتي القرارات الجديدة قاضيةً على أحد أهم حقوق الإنسان، بقرارها إستقبال 30000 لاجئٍ سوري في مدارسها الرسمية، لسنة كاملة، من كافة الأعمار والصفوف، ولكن الأولوية ستكون للتلميذ اللبناني، بحيث لا يمكن تسجيل أيّ نازحٍ في المدارس لغاية شهر تشرين الأول الجاري، وبعدها يمكن للنازحين التسجيل في الأماكن المتبقية، أي أنه إذا تبقى 1000 مقعد فيسمح حينها لألف تلميذٍ بالتسجيل وتكون الأولوية لمن هم قادرون على دفع القسط، هذا عن دوام ما قبل الظهر.أما عن دوام ما بعد الظهر فقد قررت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين السوريين ومنظمة اليونيسيف تغطية تكاليف أقساط 30 ألف تلميذ تقسم بينها بالتساوي، عبر دعم التلاميذ الذين يستوفون الشروط المطروحة حيث يجب على التلميذ أن يكون مسجّلًا في مفوضية الأمم، وقد التحق بالعام الدراسي الماضي داخل الأراضي اللبنانية، في حين لن يقبل تسجيل أي تلاميذ جدد، بينما لم تحدد اليونيسيف أية شروط حتى الآن.
وقد اتخذت المفوضية واليونيسيف قرارًا بعدم تغطية تكاليف المواصلات للتلاميذ الذين سيتسجلون في المدارس، كما أنهما لن تقدّما مساعدات "العودة إلى المدرسة" التي تحتوي على قرطاسية ولوازم مدرسية وكتب. يأتي هذا القرار بعد النزوح الهائل للسوريين إلى لبنان وبعدما عجزت الدولة اللبنانية عن تغطية تكاليف التعليم للطلاب السوريين، وبعدما اكتظت المدارس اللبنانية بهم في العام الماضي ما أدى إلى مشاكل كثيرة كانت تبعاتها سلبية على الطالب السوري وحده.
أثار هذا القرار سخط النازحين، حيث عبّر الأهالي بصرخةٍ يعلمون مسبقًا أنها ستضاف إلى صرخات معاناتهم دون جدوى. فـ"عدنان" الوافد الجديد إلى منطقة وادي الزينة في إقليم الشوف، نزح من سوريا منذ حوالي الشهر وهو يبحث عن مدرسةٍ ﻷولاده الثلاثة في مرحلة التعليم الإبتدائي، يعبّر عن امتعاضه من غلاء الأقساط في المدارس الخاصة وهو الذي إعتاد على توفّر التعليم مجانًا ﻷطفاله، لجأ إلى مدرسةٍ رسمية ليجد أنه لن يقدر أيضًا على دفع أقساط أولاده وسعر الكتب الذي سيتطلب منه حوالي الأربعمئة وخمسون دولار أميركي ما بين قسطٍ وقرطاسية ومواصلات. وهو مبلغٌ لا يقدر على تأمينه، هو الذي يعمل عامل حر خمسة أيام في الأسبوع مقابل 10 دولار يوميًا بالكاد تكفيه قوته اليومي، كونه لا يتلقى مساعدات غذائية من مفوضية الأمم.
حال عدنان لا يختلف عن حال فاتن (أم لخمسة أولاد)، التي تسأل عن كيفية تعليم أولادها وهي التي تفاجأت كما عدنان، بعدم إمكانية تسجيلهم للعام الثاني بسبب الظروف القاسية وكونها أم ﻷيتام ليس لها من معيل.
إمتعاض الأهالي لا يقلّ عن غصة الأطفال، فـ"يزن" إبن الحادية عشرة الذي علم أنه لن يستطيع أن يتعلم وهو الذي اعتاد على التفوق في مدرسته بحلب، يغضب ويقول: "أريد كتبي أريد مدرستي، أعيدوني إلى سوريا، أعيدوني هناك سأجلس فوق الركام، لأحمل كتابي وأتعلم". كلماتٌ تعبر عن معاناة أطفالٍ كثر، فتية انسلخوا عن مقاعد الدراسة، أطفال كسرت أقلامهم برصاصة، عن فتياتٍ يجدن بالتعليم خلاصًا وسلاحًا في المجتمع أصبحن يُزوّجن قاصرات، فبدل الكتاب يحملن أطفالًا بين أيديهنّ.