رغم مرور عامين على انتقال سامر أحمد وأمه إلى القاهرة،إلا أنه مازال يحمل ذكريات الحرب ويتذكر صوت القذائف فى سوريا ، واستشهاد أخيه الأكبر أمام عينيه، واعتقال أبيه لمكان غير معلوم، ليجد نفسه العائل الوحيد لأمه وثلاثة أشقاء، وهو لم يُكمل بعد سن الخامسة عشرة من عمره، ما دفعه للنزول إلى سوق العمل للإنفاق على أسرته، إلا أنه لم يكن يعلم أنه سيواجه ظروفا أشد قسوة داخل مجتمع جديد لا يعى ثقافة شعبه، وقال سامر: «تركنا سوريا بعد اعتقال أبى واستشهاد أخى ولم نكن نمتلك الكثير من النقود، واشتغلت فى أكثر من مهنة ليستقر بى الحال فى ورشة داخل منطقة بولاق الدكرور، أحصل منها على 800 جنيه لا تكفى الإنفاق على مصاريف البيت أو ثمن الشقة التى نعيش بها».
مع صباح كل يوم جديد تستيقظ يارا السيدة الأربعينية، لتجهز أطباق الحلويات التى سهرت على إعدادها طوال ساعات الليل، تقترب من راشد ابنها الأكبر وتطبع على جبينه قبلة، لينتفض ابن الثالثة عشرة ويرتدى ملابسه فى دقائق لبدء عمله اليومى، فى بيع الحلويات السورية فى الشوارع وداخل المقاهى، وقال راشد: «انتقلنا إلى مصر منذ ثلاث سنوات، وكنت أشتغل فى تنظيف أحد المحال، إلا أنه كانت تحدث بعض المضايقات من بعض الزبائن الذين كانوا يكتشفون جنسيتى، إلا أن إحدى الزبائن أشفقت علىَ وحاولت مساعدتى وطلبت رؤية والدتى، وسألتها عن البحث عن وسيلة لمساعدتنا، فأخبرتها أمى أنها تجيد صنع الحلويات الشرقية، فقامت السيدة بمنحنا مبلغا من المال استطاعت أمى من خلاله شراء ما يلزمها من احتياجات لصناعة الحلويات، وتسهر على إعداده طوال الليل، وفى الصباح يأتى دورى ببيعه فى الشارع».
فى مثل هذا التوقيت من كل عام، كان يستعد أسير للالتحاق بالعام الدراسى الجديد، إلا أنه منذ ثلاثة أعوام استبدل حقيبته المدرسية باللحام، فهو يعمل داخل ورشة فى مدينة 6 أكتوبر طوال 8 ساعات، يحلم باليوم الذى يعود فيه إلى مقعده الدراسى لاستكمال تعليمه، وقال أسير: «كنت من المتفوقين طوال مراحل تعليمى، ولم أتوقع أنه سيأتى اليوم الذى أترك فيه الدراسة لأشتغل عاملا فى ورشة، إلا أنه الواقع الذى أحاول التعايش فيه منذ أن حضرت إلى مصر، وأتمنى من القائمين على التعليم فى مصر الموافقة على إلحاقنا بالمدارس، مثلما فتحوا لنا أبواب العمل».
ما إن تقترب الساعة من السابعة مساء، حتى يهرول فهد الطفل السورى، ابن الرابعة عشرة، إلى أحد مراكز النت، ليلقى خلف ظهره ساعات عمل طويلة قضاها داخل الورشة التى يعمل بها، لا يشغله تشحم ساعديه باللون الأسود، وإنما ينشغل باستمتاعه فى الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر، ولا تمر سوى دقائق معدودة إلا ويندمج مع رفقائه، وتتعالى ضحكاته ولا يبدو أمامك أنه طفل يقضى 10 ساعات كامله فى ورشة «دوكو» سيارات، قال فهد: «أبى استشهد فى سوريا، وعانينا كثيرا لحين الوصول إلى مصر، وأتقاضى 700 جنيه نظير عملى، ولا يكفينا للحصول على طعامنا وأجرة البيت، وأحلم باليوم الذى أعود فيه إلى سوريا، فأنا لم أكن أشتغل فى بلدى ولكن الظروف وحدها هى التى قادتنى للعمل فى مهام شاقة».