لوحيات وهواتف ذكية وحواسيب، شاشات في كل مكان.. هكذا تبدو البيوت هذه الأيام، فهل تعوق هذه الشاشات بشكل دائم التنمية العاطفية والفكرية والاجتماعية لأطفالنا أم أنها تعزز قدرتهم على الاستنتاج وردود الأفعال المناسبة وانفتاحهم على العالم؟
للإجابة عن هذا السؤال قامت لوفيغارو بتحقيق "دون تحيز" شمل علماء النفس والآباء والمعلمين والأطفال أنفسهم.
ما الذي حدث هذه الأيام؟ يصل المرء البيت فلا يسمع صرخات الأطفال المعتادة، يطرق الباب فلا يجيبه أحد، ثم يصرخ "هل هناك أحد؟" ويظل الصمت مخيما على الجميع؛ فكل منهم منهمك بهذا الشكل أو ذاك من الشاشات التي غدت كائنا تغيرت به الحياة فتتنظم من خلاله العلاقات وتتولد عبره الصراعات.

معدة هذا التحقيق غيون دو مونتيو كشفت أن هذه الأجهزة تصبح مألوفة لدى الأطفال في سن مبكرة جدا، بل إن المربيات في أحد مراكز الأمومة والطفولة رأوا طفلا لم يتجاوز 18 شهرا يحمل هاتف آيفون يعرض أفلاما كرتونية.
وتعليقا على ذلك، تنقل الكاتبة عن المختصة في علم النفس بياتريس كوبر روير قولها "هذا الإدمان في وقت مبكر تسبب في سلسلة من المشاكل، من بينها: تأخر الكلام وعدم القدرة على التكيف مع الجماعة وأعراض التوحد، وقبل كل هذا وذاك، إهمال تحفيز ثلاث حواس أساسية هي: الذوق والشم واللمس".
ولا ترى هذه الاختصاصية سوى حل وحيد لهذه المشكلة، حل جُرِّب وأعطى نتائج مذهلة، وهو "فطم الطفل كليا عن الأجهزة من تلفزيونات وحواسيب وهواتف، وذلك لعدة أسابيع!".
وغالبا ما تكون هذه فرصة لإعادة تأهيل الأسرة بأكملها، لأن الأطفال المرتبطين بهذه الأجهزة إنما يحاكون استخدام البالغين لها.

فلا بد إذن أن يتماشى خطاب الوالدين للأطفال بشأن هذه الأجهزة مع موقفهم هم منها، إذ إنهم هم قدوة الأطفال. وتوصي بياتريس ألا يترك الطفل الذي لم يتجاوز ثماني سنوات يستخدم أيا من هذه الأجهزة لأكثر من عشرين دقيقة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وترى الكاتبة أن علينا عزل مناطق في المنزل عن تغطية الإنترنت، وإشغال الأطفال بدلا من الأجهزة بمسائل أخرى تفيدهم وتنمي مهاراتهم بعيدا عن الشاشات، كما أن علينا حظر الشاشات داخل غرف النوم.
ويحذر المتخصص في الاستخدام الصحيح للشاشات، من التشويش الذي يتسبب به استخدام الأطفال للهاتف في الليل، ويؤكد أنه يحولهم في الصفوف الدراسية إلى "بلداء" غير قادرين على التركيز.
وتنقل الكاتبة عن ملينا زوجة بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسفت، قولها -في تصريح لصحيفة واشنطن بوست- إنها لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لتأخرت كثيرا في إعطاء أطفالها حواسيب جيبية.
مدارس دون إنترنت
ومن المفارقات العجيبة أن سكان كاليفورنيا -وهم من هم في الريادة في تصميم تقنيات الغد- غالبا ما يسجلون أطفالهم في مدارس لا يوجد فيها إنترنت.
فمدرسة والدورف مثلا تنمي لدى الأطفال مهارة "القيام بالشيء فعليا"، كما تركز على تنمية ذاكرتهم وقدرتهم على العمل في بيئتهم الحقيقية، وعلى التفاعل مع الآخرين وإطلاق العنان لإبداعهم.
فهذه المدارس -التي ولدت عام 1984 في وادي السليكون ويبلغ عددها عبر العالم ألف مدرسة- تحترم كل خطوة من خطوات تطوير الطفل، بعيدا عن الشاشات، وتركز على تشييد مباني الطين بدلا من استخدام الفأرة ودخول مواقع ذات محتوى مشكوك في دقته وصحته.
وتخلص الكاتبة إلى أن حرمان الأطفال كليا من هذه الأجهزة قد لا يكون أفضل الحلول، لكنها تنقل عن جاك هنو قوله "علينا أن نستمر لأطول فترة ممكنة في حرمانهم من الهاتف الذكي، أي إلى أن يصبح عدم حيازته يمثل عائقا اجتماعيا لطفلك، عندها ينبغي أن توضع قواعد صارمة لاستخدامه وتضاف له برمجيات مراقبة الوالدين".

JoomShaper