نور علوان نون بوست
دائمًا ما يريد الآباء والأمهات الأفضل لأطفالهم، ويسعون جاهدين لحمايتهم وإسعادهم، ولكن طبيعة الحياة، تجعل هذه الرغبة محض خيال، لأن العقبات جزء أساسي من الحياة، وقد تبدو في مرحلة من المراحل أنها لا تنتهي. وبدلًا من الخوف والقلق على الأطفال من هذه الصعوبات، ترى مرشدة أهالي ومستشارة نوم الأطفال، إيناس خلف، أن الحل يكمن في تهيئة الطفل على التعامل مع مواقف الحياة السلبية بمختلف أنواعها وانعكاساتها. وهكذا جرى حوار "نون بوست" معها ...
ما البيئة المعقمة؟


"البيئة المعقّمة" هو أساسًا مصطلح طبي، وعادةً ما يُستخدم للدلالة على أي مكان محمي وخالٍ من الميكروبات والملوثات الخارجية، بغرض المحافظة على صحة الإنسان. ولكن المبالغة في التعقيم تؤدي إلى إضعاف جهاز المناعة وبالتالي يصبح الإنسان أقل قدرة على مقاومة الأمراض. أما الحالة العكسية، بالمعايير المعقولة، تساعد في تقوية المناعة وتضمن مقاومة أفضل وأقوى.
ومن هذا المعنى، اُستنسخت هذه التسمية لتستخدم في مجال التربية للحديث عن الحماية المفرطة للأطفال، وتحمل في مضمونها معنيين: الأول، البيئة المغلقة والمُحكمة بأفكار ووجهات نظر الأهل فقط، مثل أن تربي طفلك على نوع معين من الأفكار والآراء، وتمنعه من قبول كل ما يختلف عنها على اعتبار أنها خاطئة أو مرفوضة. بينما يتعلق الجانب الثاني بإبعاد الأهالي أطفالَهم عن تحديات وصعوبات الحياة، وكل ما يتبعها من مشاعر سلبية.
الطفل والحيوان الأليف مثلًا
على سبيل المثال، إذا كان لدى الطفل حيوان أليف في المنزل، وتجمعهما علاقة مقربة، وتوفي هذا الحيوان أثناء غياب الطفل، يستصعب الأهل من مصارحة الطفل بهذه الحادثة، وسرعان ما يقررون شراء حيوان مشابه له باللون والشكل، بدلًا عن الذي توفى، خوفًا على طفلهم من الحزن والاستياء أو تجنبًا لبكائه. وينطبق ذلك على تصرفات أخرى، مثل شراء ألعاب أخرى عوضًا عن تلك التي تعطلت أو تعرضت للكسر.
هذا ما أسميه حماية مفرطة، لأن الطفل سوف يعتقد أنه لا ينبغي أن يمرّ بتجارب سلبية، وإذا خاض إحداها، فلن يكون قادرًا على التعامل معها أو التأقلم مع عواقبها، ولذلك كلما وفرنا بيئة طبيعية للطفل، بمعنى حياة مليئة بجميع أنواع المشاعر السعيدة والحزينة على حد سواء، كلما ازدادت مناعتهم أو قدرتهم على التأقلم والتعامل مع مواقف الحياة الصعبة، وأقصد بذلك الإخفاق أو الفقدان: (الموت أو الغياب) أو الخسارة.
متى ندع الطفل يواجه المواقف السلبية بنفسه؟ كيف يمكن أن نقيّم هذه المواقف؟
بشكل عام، يجب أن ندع الطفل يواجه جميع المواقف بنفسه، لكن تحت متابعتنا وليس بما يزيد عن قدرته أو عن حدود المعقول، وأقصد بالمتابعة هي ضرورة مراقبة الأهالي لتصرفات الطفل أثناء وبعد مروره بالتجربة القاسية، وطرح الأسئلة التالية: هل هناك أذى نفسي أو جسدي خطير؟ هل زادت سلوكياته حدة؟ هل يبدو عليه الاكتئاب؟ هل أصبح انطوائيًا؟
الموت مثالًا
وأطرح هنا مثالًا عن الموت، فإذا توفي أحد الأشخاص من داخل دائرته المقربة، لا نفسر له ماهية الموت وأسباب حدوثه وتبعاته فقط، بل علينا مراقبة ما إذا كانت ردة فعله على الموضوع طبيعية أم أنه بدأ يتصرف بشكل غير اعتيادي ولا يشبهه. حينها نحاول مساعدته في تجاوز المرحلة، حتى وإن استلزم ذلك استشارة خارجية من طبيب أو إخصائي.
ينطبق ذلك أيضًا على مواقف أكثر بساطةً وقابل للتكرار، مثل أن يصنع الطفل برجًا من المكعبات وأثناء اللعب يسقط البرج ويبدأ الطفل بالبكاء والصراخ والضرب لعدم تقبله ما حدث. هنا من المهم أن ألاحظ، كأم أو أب، ما إذا كانت انفعالاته تجاه الفشل أو الخسارة بتلك الحدة في كل مرة، لأن الوضع في هذه الحالة قد لا يستلزم فقط تدريبه على التعبير والمشاركة، بل رؤية إخصائي يساعد الطفل في اجتياز هذه التجارب بمرونة وخفة.
متى نخفي حزننا عن طفلنا؟ ومتى نشاركه مشاعرنا السلبية؟
برأيي، لا يُفضل إخفاء الحزن عن الطفل، إلا بحالتين، الأولى إذا كانت مشاعرنا ستؤثر على سيررورة تطور الطفل الطبيعية، مثل أن تبكي الأم أمام الطفل حين تأتي لحظة الانفصال عندما يذهب الطفل إلى الحضانة، لأن الطفل قد يعتقد بأن أمه سوف تتركه بمكان غير آمن وبالتالي قد تتكون لديه مشاعر سلبية تجاه الحضانة. أما الحالة الأخرى، عندما يكون سبب الحزن مرتبط بالطفل نفسه، فمثلًا في حالة مرضه، يجب أن نبدي تعاطفنا ودعمنا، ونسيطر بالمقابل على مشاعر الحزن والاستياء، حتى لا نشعره بتأنيب الضمير لأن الطفل قد يظن بأنه سبب تعاسة والديه وربما يتمنى الموت لنفسه.
لكن في حالات أخرى، من المهم جدًا أن نشارك مشاعرنا مع طفلنا بهدف حتى يتعود بدوره على التعبير عن حالته النفسية أيضًا، فمثلًا عند شعورنا بالحزن على موت أحد الأقارب أو الاستياء من ضغوط العمل، من الجيد أن نفسر للطفل حالتنا المزاجية، مثل أن نقول: "أنا أشعر بالسوء لأني واجهت اليوم مشكلة في العمل مع مديري وأظنني بحاجة لبعض النوم والهدوء لكي أشعر بتحسن". في هذه الحالة، سوف يتعلم الطفل تدريجيًا كيفية إظهار مشاعره والحديث عنها بوضوح وصراحة. في الوقت نفسه، سوف نتخلص من السلوكيات التي يلجأ إليها الأطفال عادةً عند التعبير عن غضبهم أو حزنهم، مثل رفض مشاهدة التلفاز أو اللعب أو المشاركة بأي نشاط آخر كوسيلة سلبية للتعبير، ونستبدلها بالحديث والمشاركة.
ومع ذلك، تتطلب بعض المواقف تقييمًا ذاتيًا من الأهل، لأن الأطفال، وتحديدًا صغار السن، لن يكونوا قادرين دومًا على فهم جميع الأسباب والتفسيرات التي نشاركها معهم، وأحيانًا قد لا يكون الأهل مؤهلين بعد لطرح أي تساؤلات أو استفسارات.
ماذا لو أهملنا مشاركة مشاعرنا مع طفلنا؟ ما الثمن الذي يدفعه الطفل.. ونحن؟
كما أشرتُ سابقًا، التعامل مع مشاعرنا يشبه تعاملنا مع جهاز المناعة، فكلما قلصنا مساحة التعبير والمشاركة وتجنبا الحديث عن مشاعرنا، كلما قلت قدرتنا على التأقلم والتجاوز، لكن اعتياد النفس على خوض هذا النوع من الأحاديث مع أطفالنا، سيمرّنهم على التأقلم مع جميع أشكال وصور المشاعر وبالتالي ستزيد مقاومتهم ومرونتهم في التعامل مع المواقف الصعبة. وأريد التذكير هنا بأن الطفل يقلد والديه بكل تفاصيلهم الصغيرة والكبيرة، فإذا أخفوا مشاعرهم وامتنعوا عن المشاركة، من الصعب أن يكسر الطفل حاجز الصمت وحده ويبوح بما يشعر به.
ولذلك لا يُنصح بتاتًا بكبت المشاعر في المنزل، لأن الطفل سيشعر بالوحدة والغرابة من مشاعره وسيبدأ بالتساؤل ما إذا كانت أعباؤه المعنوية طبيعية أم خارجة عن المألوف. عدا عن أن مناعتة مشاعره ستبقى هشة وعاجزة عن مقاومة أي تهديد خارجي، لأننا حتى وإن استطعنا تصميم بيئة معقمة، فهي مؤقتة جدًا وحالما يدخل الطفل إلى المدرسة، ستنهار أسوارها في أول موقف تنمر أو فشل يمر به الطفل، وعندها لن يستطيع الطفل التعامل مع مشكلته بنفسه، وسيعيش في صدمة وحالة من العزلة والنفور من المنظومة كلها.
كيف نخلق بيئة متوازنة شعوريًا؟
في وجهة نظري، لا أعتقد أننا مضطرّون خلق بيئة متوازنة، وأعتبرها فكرة مصطنعة، لأن وظيفتنا كأهل تتلخص بتهيئة أطفالنا للحياة بكل ما فيها من تحديات وصعوبات، أما حصرهم داخل فقاعة الحياة الوردية والسعيدة، وإبعادهم عن الواقع بكل تفاصيله المؤلمة وغير المؤلمة، لن يعلمهم كيفية المواجهة والتعايش والتخطي والتغلب، ولذلك أعتقد بأن تخلي الأهل عن المثالية والمبالغة هو أنسب حل لنمو الأطفال في بيئة متوازنة شعوريًا.
هل تساهم علاقة الأطفال بالتكنولوجيا بتقليل مهاراتهم في حل المشكلات؟
هذا تحدٍّ آخر أمام الأهل، لأن قضاء أطفالنا ساعات طويلة أمام شاشاتها، ما يقلل من الاحتكاك بين الطفل والأهل، ويُنسي الطفل أساسيات التفاعل الاجتماعي مع الآخرين. فضلًا عن ذلك، وجدت دراسة علمية أن الأجهزة الإلكترونية تزيد العدوانية والعنف عند الأطفال، وذلك أمر بدَهي ومتوقع، لأنها تحرم الطفل من التفاعل الاجتماعي في الحيز الواقعي وتحد ذكاءه العاطفي.
ولذلك أنصح بشدة، الخروج مع الأطفال مرتين على الأقل في الأسبوع، إلى الحدائق أو مساحات اللعب المفتوحة، وتركهم يلعبون ويتفاعلون مع غيرهم من الأطفال والغرباء، من أجل تدريب الطفل على مواجهة التحديات والمواقف الصعبة ليس فقط داخل المنزل ومع أفراد العائلة المقربين، وإنما خارج بيئته المألوفة، خارج منطقة الراحة، وحينها يمكن للأهل أن يراقبوا عن بعد ردة فعل طفلهم حين يقوم أحد أطفال الحي بدفعهم أثناء الركض أو سلبهم إحدى حاجياتهم، وهو أسلوب جيد لتعليم الطفل كيفية الدفاع عن نفسه أيضًا.
وبطبيعة الحال، تناقض هذه الطريقة مفهوم البيئة المعقمة وتمنح الطفل مجال أوسع في اختبار مشاعره وسلوكياته، لأن الشعور يولد السلوك، وعليه يمكن أن نفهم حقيقة شعوره وقوة مناعته المعنوية، وهو ما يصعب تحديده أحيانًا داخل المنزل لإن تعامل الطفل المحدود مع الأشخاص المقربين لا يعكس بالضرورة شخصيته أو طريقته الحقيقة في التعامل مع العالم الخارجي، وقد يُفضل إخفاء مشاعره وكبتها إما خوفًا أو خجلًا.
كيف نساعد الطفل للتغلب على الحالة المزاجية السيئة؟
تكون البداية في تدريبه على تسمية المشاعر والتمييز بين أنواعها، ومنحه المساحة اللازمة للتعبير عن مشاعره تجاه الموضوع، ثم تعريفه على منافذ الخروج من هذه الحالة، مثل أن نسأله ما شعوره في اللحظة الحالية وما سبب استيائه أو غضبه أو حزنه، ومساعدته في تفهم أفعال الآخرين. على سبيل المثال، إذا ألغى صديقه دعوة لحضور المنزل وشعر الطفل بالسوء تجاه هذا الموضوع، نحاول لفت انتباهه إلى وجهة النظر الآخرى من المشكلة وإعطاء صديقه أعذارًا مثل المرض أو التعب.
وربما نقترح عليه دعوة صديق آخر أو القيام بنشاط مختلف، وهي استراتيجيات بسيطة لكنها تساعد الطفل على أصعدة متعددة، مثل التعاطف مع الآخرين، والسيطرة على المشاعر وردود الأفعال، وتأجيل الرغبات، كما تساعده على بناء شبكة اجتماعية قوية من خلال تطوير مهارات الذكاء الاجتماعي والعاطفي لديه.

JoomShaper