أدى تفشي فيروس كورونا إلى تغيير الركائز التي بُنيت عليها المجتمعات الحديثة. ومنها انقطاع الأطفال عن المدرسة. وتُعد العزلة الاجتماعية جراء هذا الانقطاع، وانعدام الوسائل التقنية لمواصلة الدراسة عن بعد لدى بعض الأطفال، من الإشكاليات التي يثيرها سيناريو الحجر الصحي الحالي.
وتقول الكاتبة فاليريا ساباتير -في تقرير نشرته مجلة "لا منتي إس مرافيوسا" الإسبانية- إن الأطفال الفئة الأكثر تضررا من المرض. فهم يواجهون الواقع الجديد بصمت، خاصة وأنهم يعانون من أقسى تبعاته، وهي حرمانهم من الفصول الدراسية.
وقد انقطع أكثر من ثلاثمئة مليون تلميذ حول العالم عن دراستهم، في وقت تحاول معظم الدول حل المشكلة بتقديم الدروس عبر الإنترنت. لكن، الفجوة الرقمية تفرض نفسها، إذ لا تملك جميع العائلات الوسائل اللازمة لذلك، إضافة إلى عدم جاهزية الكثير من المدارس للتعليم عن بُعد.


جيل كورونا
فيروس كورونا رسم وبوضوح معالم دراما حقيقية لها أوجه عديدة. فمن ناحية، المرض نفسه وآثاره المدمّرة، التي مست جوانب متعددة من حياتنا، ومن ناحية أخرى التجارب الشخصية لكل عائلة، إضافة للقلق بشأن ما يخبئه لنا المستقبل، بحسب الكاتبة.
وترى أن الآثار المترتبة على عدم ذهاب الأطفال إلى المدرسة -أثناء الأزمة الحالية- تتجاوز مجرد الملل أو فقدان التواصل الاجتماعي، إذ قد يعاني أي طفل من آثار سلبية وخيمة على قدراته الإدراكية والمعرفية وعلى مشاعره. والأمر الأكثر خطورة، أن يؤدي ذلك إلى فجوة أكثر عمقا مع الأشخاص ذوي الدخل المحدود.
الأكثر تضررا
ويعد انعدام التعليم أكثر خطورة للأطفال الصغار، الذين لا يزالون في طور تعلم القراءة والكتابة، خلال الفترة العمرية بين أربعة وسبعة أعوام. فهذه المرحلة تشكل نقلة نوعية كبيرة للأطفال لتنمية العمليات المعرفية والحركية والتنفيذية للدعم المستمر لإنشاء مهارات الكتابة والقراءة.
ويمكن مواصلة هذه المهمة في المنزل، فإذا كان الدعم من الأسرة كافيا، فلن يتأثروا. وفي حالة عدم توفر الدعم، فسيعاني الأطفال من تأخر دمج هذه المهارات، بحسب الكاتبة.
ذكريات الحجر الصحي
سيتذكر الأطفال والمراهقون هذه الأيام لفترة طويلة، وكل منهم سيعالجها بطريقته الخاصة بحسب التجارب التي عاشها. سيفقد البعض أحد أفراد الأسرة نتيجة إصابته بالفيروس، وسيتذكر آخرون ولأعوام مشاعر الألم التي انتقلت إليهم من تعبير وجوه ومحادثات والديهم. في المقابل، ربما يحتفظ الكثير بذكرى جيدة.
لا يمكن التنبؤ بما سيكون عليه جيل الشباب في مجتمع الغد. ومع ذلك، يمكن القول إن عوالمهم ستتغير، لأن عوالم الكبار ستتغير بلا شك. ولهذا تكمن أكبر مخاوفنا بمعرفة الآثار المترتبة على عدم التحاق الأطفال بالمدرسة أثناء الوباء.
خمسة تأثيرات
نحن نعلم أن تأثير الوباء سيستمر لفترة أطول، ولكن عندما تتم إعادة فتح المدارس والأقسام العام الدراسي المقبل، سيعرف العالم الأكاديمي والتربوي أنه سيواجه تحديا يتمثل بالأساس في تكييف التعليم مع حالات الطوارئ وإنشاء آليات بحيث يكون للتعليم عن بعد نفس جودة التعليم في الفصل الدراسي، كما تؤكد الكاتبة. وتاليا خمسة تأثيرات مهمة لعدم الذهاب إلى المدرسة أثناء الجائحة على الأطفال:
1- العزلة لدى المراهقين
عدم الذهاب إلى المدرسة خلال فترة انتشار الوباء يؤثر بشكل خاص على الأطفال فترة ما قبل المراهقة وخلالها. ففي هذه الفترة العمرية، من الشائع جدا أن يعزل الأطفال أنفسهم بسهولة نسبية، حيث يفضلون البقاء في الغرفة وقضاء ساعات متصلين بالإنترنت دون إكمال مهامهم الأكاديمية، وهذا الأمر يمثل خطرا آخر.
2- الآباء والأمهات بدور المعلمين
يجبر الحجر الآباء والأمهات على أداء دور المعلم، الآن أكثر من أي وقت مضى. وفي بعض الحالات، لن يخلف هذا مشكلة، ولكن ليس كل شخص مستعدا للقيام بذلك. إذ لا يملك كل واحد الصبر، أو على الأقل القدرة، على وضع المخاوف جانبا ليكون تلك الأداة الماهرة لتشجيع الأطفال على الاستمرار بالوصول إلى الكفاءات المنهجية.
3- لا إنترنت ولا حاسوب بكل منزل
لا شك أن الفجوة الرقمية موجودة. والتعليم عن بعد خيار إذا كان لا يمكن تقديم الدروس في المدارس، والبديل الآخر هو التعليم الافتراضي. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنه ليس لدى جميع العائلات الموارد نفسها، فهناك ملايين الأطفال حول العالم ليس لديهم إنترنت، ولا جهاز حاسوب في المنزل لإنجاز الأعمال المدرسية.
4- مكان التغذية المناسبة
هناك تأثير آخر لعدم الذهاب للمدرسة أثناء هذه الفترة، ويتجلى بالأساس على المستوى الغذائي. لا يمكننا أن ننسى أن العديد من الأطفال يعتمدون على تلك الوجبات التي يتلقونها في المطاعم المدرسية، في حال توفرها. والآن، في حالة عدم قيام المنظمات الاجتماعية بتزويد العائلات بالمساعدة، فسيبدأ العديد من الأطفال في المعاناة من نقص غذائي خطير.
5- التأخر الأكاديمي ونقص التنشئة الاجتماعية
عدم إكمال الفصل الدراسي الأخير ستكون له تأثيرات على الأطفال. فهناك محتوى لن يتعلمه، ومواضيع ستظل عالقة، وكفاءات لن تستقر، وتجارب فريدة من نوعها لا يعيشها الأطفال سوى في الفصل الدراسي. كما أن عدم الذهاب إلى الفصل بالنسبة للعديد من الطلاب يعتبر بمثابة عطلة.
وهناك جانب يحنّ إليه معظم الطلبة، وهو التنشئة الاجتماعية، إضافة إلى روتين الفصل الدراسي والأصدقاء، ومشاعر أخرى يمكن أن تعزز التطور الاجتماعي والعاطفي.

JoomShaper