ديمة محبوبة
عمان- “ما حدا بده يحكي معي.. برفضوني وبتعمدوا يبعدوا عني”.. بهذه الكلمات بدأت الطفلة جود (8 أعوام) حديثها وهي تشكي لوالدتها ما يحدث معها في وقت الفرصة المدرسية. وبعينيها الممتلئتين بالدموع تسأل والدتها عن الأسباب وراء ابتعاد الفتيات عنها وعدم مشاركتها الحديث أو اللعب.
شعرت الأم ليلى بصدمة وتعجب، وسألت طفلتها لِمَ تشعر بذلك؟ فأجابتها: “كل البنات في صفي بكونوا مع بعض وبياكلوا سوا.. وأنا بضل لحالي وكل ما أحاول أقرب ببعدوا”.


وجع كبير غلف قلب ليلى التي شاهدت الحزن بعينين ابنتها، إذ أصبحت تميل للعزلة والجلوس وحيدة بغرفتها، ويغلب عليها الصمت، فشعورها أنها “مرفوضة” أثر سلبا على تصرفتها وطريقتها حتى داخل البيت. قررت ليلى أن تتحدث مع المرشدة الاجتماعية في مدرسة ابنتها، خصوصا أن صغيرتها أصبحت عصبية ومتذمرة طوال الوقت.
ليلى التفتت لمشكلة ابنتها وشعرت بحزنها، خصوصا أن الصغار بحاجة لتكوين صداقات في المدرسة، فهذا الأمر مهم جدا لبناء شخصيتهم، وتنمية مهاراتهم، مستغربة بأن بعض الأطفال وخصوصا في هذا العمر الصغير يتعاملون بطريقة مؤذية مع زملائهم، ويأتي ذلك بعد غياب ما يقارب العام عن الأجواء الدراسية.
أما الطفل نبيل (5 أعوام) فقررت والدته تسجيله في إحدى دور الحضانة، ليتسنى له تلقي علوم بسيطة ونشاطات يستفيد منها، ليقينها بأنه يحتاج في هذه الفترة تحديدا لتكوين صداقات تعزز من نموه وتفاعله الاجتماعي.
وتؤكد في البداية انها واجهت صعوبة معه إذ أنه لم يرحب بفكرة اقتراب أحد منه، وكان يخاف الجميع حتى أنه لا يريد أن يتحدث مع المسؤولة عنه في الحضانة، إلا أن هذا الأمر تغير بعد أقل من أسبوع إذ ذهبت لاصطحابه ووجدته مسرورا ويلعب مع أصدقائه، ويحدثها طوال الوقت عن يومه ونشاطاته.
المربية في إحدى الحضانات سعاد الحاج التي تعمل بهذه المهنة منذ ثمانية عشر عاما تقول: “ليس جميع الأطفال يستطيعون الانخراط مع محيطهم، أو يتعاملون بالطريقة نفسها، فالأطفال لديهم شخصيات مختلفة، فأحدهم اجتماعي ويحب الانخراط مع الآخرين، وآخر يفضل الابتعاد عن محيطه، وغيره يحتاج لوقت لكي يكون ضمن مجموعات، ومنهم من لديه شخصية قيادية ويحب أن يكون المسيطر”.
وتلفت الحاج إلى أن المعلمة المسؤولة لها تأثير كبير على شخصيات الأطفال، فهي من عليها أن تجعلهم جميعا يشاركون في نشاطات جماعية، ليصبحوا أكثر آلفة وتقاربا مع بعضهم البعض، وذلك بتكوين صداقات تجمعهم.
آلاء (أم لطفلين)، أحد صغارها يسارع في التأقلم وتكوين علاقات في أي مكان، لكن ابنتها الكبرى فتاة هادئة، وخجولة، والفتيات لا يفضلن التقرب منها، وللأسف تعاني هذه المشكلة منذ طفولتها حتى وصلت إلى الصف الرابع، فلم يكن من الأم سوى المبادرة بالذهاب إلى معلمتها وطرح الأمر.
وتصف بأن أسلوب مربية الصف كان عمليا جدا، إذ سارت مع ابنتها خلال الفرصة، وباتت تتحدث معها باستمرار، ما لفت انتباه زميلاتها وزملائها في الصف، وبات الجميع يحاول التقرب منها، بل باتوا يرغبون بالحديث معها، وبهذا السلوك البسيط انتهت المشكلة.
المرشدة التربوية نيفين علي تؤكد أن على المعلمة ومربية الصف أن تكون واعية وأكثر قربا من طلابها وطالباتها في الصف، وهذا سيجعلها على تماس مباشر مع طلابها وتعرف المشكلات التي يعانونها إن وجدت.
وتذكر حالة مشابهة لهؤلاء الأطفال الذين يفتقدون الصداقات، إذ جاءت إحدى الأمهات وشرحت لها المشكلة، بأن زميلات ابنتها يبتعدن عنها في الصف، فأصبحت لا تشعر بالانتماء للمدرسة، وكان عليها كمرشدة اجتماعية أن تعرف من بنات الصف لما يحدث ذلك، وقامت بإعطاء بطاقات لكل فتاة تعبر فيها عن الأخرى بكلمات جميلة وأن ترسم الأخرى، مما ساعد بالتقريب بينهن، وبالفعل حدث ذلك وباتت كل منها صديقة للأخرى.
وحول ذلك، يؤكد اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطارنة، أن الصداقة بجميع أنواعها ضرورة اجتماعية، وتعمل على تحسين الذات، وتقوية ثقة الفرد أمام نفسه، وأمام الآخرين. ويضيف، “غياب الصداقات يؤثر سلبا على حياة الفرد مهما كان عمره، فهي تساعد على تطوير مهارات التواصل لديه”. ويؤكد مطارنة أن هاجس الخوف لدى الأمهات في بداية حياة أطفالهن، يعد طبيعيا، إذ تحرص كل أم على أن يحظى طفلها بعلاقات جيدة في مثل سنه وبكل مراحله المدرسية. وينصح الأهالي بأن لا يختاروا هم الأصدقاء بأنفسهم، ولكن في المقابل يمكنهم تطوير مهارات أبنائهم الاجتماعية، وتشجيعهم على تكوين صداقات في المدرسة.

 

JoomShaper