ياسين الجيلاني
- كثيراً ما يتذمر الآباء والأمهات، من ضعف أو غياب المسؤولية لدى أبنائهم، ويؤكدون أن أبناءهم يتهربون من أداء أعمالهم المنزلية، أو واجباتهم المدرسية، ولا يؤدونها في وقتها، ويميلون إلى المماطلة والتأجيل، وبعد الإلحاح يؤدون ما يطلب منهم بتثاؤب وكسل. ومع حيرة الآباء والأمهات لتصرفات أبنائهم، يسألون عن الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك؟
إن تربية الشعور بالمسؤولية، أمر مهم في بناء شخصية الفرد والمجتمع، فالشعور بالمسؤولية ليست لفظاً مجرداً، بل له ميادينه: فهناك شعور المرء نحو أسرته، ونحو نفسه، ونحو مجتمعه وأمته... ثم هناك الشعور بالمسؤولية نحو مهنة أو فكرة، أو عقيدة أو مذهب سياسي...الخ. والأسرة مجتمعة، هي حصن الديمقراطية المنيع، والمجال الذي تتكون فيه شخصية الفرد، وهي دعامة الأمة. والأبناء يعملون عندما يتحملون مسؤولياتهم، ويمارسون حرياتهم عندما يفعلون ما يميلون إليه وفق هذا الاختيار. فإذا كانت المسؤولية إختياراً طوعياً، كانت الحرية عندهم سلوكاً وفعلاً نحو أداء الواجبات، والسبب أن لكل من العاطفة والعقل في حياة أبنائنا مهمة مختلفة عندهم، لذا فإنهم يختارون أهدافهم وأعمالهم بالعاطفة أولاً . ثم يضعون الخطط بالعقل، بما تمليه عليهم مسؤولياتهم لتحقيق هذه الأهداف.
ولما كان الطفل لا يولد عارفاً بالمسؤولية، فإنه يتعلم تحملها، ويتعلم التعاون والطاقة واحترام الآخرين، كما يتعلم المشي والكلام. لذا ينبغي أن تبدأ عملية تعلمه المسؤولية منذ ولادته، لأن الطفل لا يستطيع تنميته الشعور بالمسؤولية من تلقاء نفسه، وهذه التنمية؛ لا تأتي فجأة أو بطريق المصادفة، بل تحتاج للصبر والمثابرة من الأبوين معاً.
فالطفل منذ ولادته يعتمد على أمه، حين تبدأ بعملية رضاعته، وأن الحنان والرعاية من الأم هما السبيل الأمثل في تعليم المسؤولية، كما أن تقبيل الطفل ومعانقته وملاطفته،   وتوفير الغذاء والدفء العاطفي له، ثم حمايته من الخوف والغضب والانفعال... هذه الأفعال بمثابة المدماك الأول الذي يقوم عليه كل سلوك، وتتمثل فيه جوانب المسؤولية وإنمائها لدى الأطفال.
وعند بعض الأبناء يبدو أن عملية الرضاعة من بدن الأم، تستمر رضاعة من فم المعلم، ثم تستمر رضاعة من فم المحاضر الجامعي، وعندما يتخرج المتعلم للحياة العملية، يطلب الرضاعة من الدولة في كل أمر، وعليها أن تفعل له كل شيء، أما هو فليس عليه شيء. وهكذا؛ تصبح حياة البعض أغلبها حقوق، وأقلها واجبات، أغلبها مطالب وأقلها مسؤوليات.
لقد أثبت دراسات إجتماعية عديدة، أن الذين يشعرون بالمسؤولية الحقة، يكون الحب دائماً أساس علاقتهم بالآخرين، وأن الذين يميلون إلى العداوة وتنطوي نفوسهم على المرارة وإيذاء غيرهم،   يكونون عادة مشغولين بأحاسيسهم الخاصة، لدرجة تبعدهم عن تحمل المسؤولية الحقة، حيال أنفسهم وغيرهم.
وفي الحق؛ أن تحمل الفرد لمسؤولياته، يقع في جانبه الأكبر على مناهج وزارة التربية والتعليم، التي تشكل الفرد تشكيلاً يجعله يشعر بالمسؤولية، ويندفع نحو تحقيق غاياتها بطريقة سليمة، ثم يأتي دور الأسرة والمعلمين في دور الحضانة ورياض الأطفال والمدرسة، في تنميته المسؤولية لدى الأطفال والأبناء، حتى يشبوا رجالاً مسؤولين بأفضل درجات المسؤولية.
إن الشعور بالمسؤولية، هدفه عمل، فالشخص الذي يشعر بالمسؤولية، شخص إيجابي عملي وسوي... والشعور بالمسؤولية، لا يتم إلا عن طريق الممارسة والإشعار الفعلي فيها، ومن الخطورة بمكان، تركز المسؤولية في جهة واحدة.... فإذا ركز الأب مثلاً كل مسؤوليات أسرته في يده، يكون قد حرم بقية أفراد أسرته من ممارسة مسؤولياتهم، وهو بهذا أشبه برئيس الدولة المستبد، الذي يدير شؤون بلاده، وسبيله الإستقواء والتفرد في كل شيء.
بعض الآباء في أيامنا هذه، يخطئون حين يتحملون مسؤولية إختيار ملابس أبنائهم، واختيار أصدقائهم، بحجة حمايتهم من سلوك رفقاء السوء... البعض يختار ألعاب أطفاله وهم في مراحل عمرية متقدمة، والبعض الآخر يتحمل مسؤوليته ما يقع بين أطفاله وزملائهم في اللعب... وبعض الآباء يختار الزوجة للإبن والزوج للإبنة، ويستمرون بتدخلهم في تفاصيل حياتهم، حتى بعد زواجهم وإنجابهم للأطفال... وكثيراً ما تحطمت أسر بسبب هذا التدخل، وأدى إلى نشوء المنازعات بين الزوج والزوجة، التي غالباً ما تقود لحالات الطلاق وتشرد الأبناء وتفكك الأسر.
ومن المفيد القول؛ أن نمو الشخصية البشرية، وتمتعها بصحة نفسية وعقلية، يتطلبان أولاً وقبل كل شيء، إحساس الفرد بمسؤولياته، وحين يأخذ الإبن على عاتقه القيام بأفعال متدبرة، قد انبثقت عن إختيار حر متعقل، فهناك لابد من تزايد الشعور بمسؤولياته، التي هي دليل أو علاقة على نضجه النفسي والعقلي والابداعي والوجداني والخلقي... الخ.

JoomShaper