د. هتون الفاسي
ومن المفاهيم الأخرى التي تشكل قلقاً لي كأم، تخويف الأطفال من ارتكاب بعض المخالفات بالحرق في النار. فطفلتي البالغة من العمر خمس سنوات تقول لي اليوم إن مدرّستهم قالت لهم "اللي يكذب يروح النار". فألجمت ولم أعرف كيف أضمّد هذه الصورة. فتوجيهي لأبنائي بخصوص الكذب يكفيني فيه أن أقول لهما إن من يكذب، أو لا يقول الصدق هو طفل ليس شاطراً، وهذا يكفي بالنسبة إليهما ويعتبرانه تهديداً صعباً يحرصان على ألا يتمثلان به. أي أن الطفل ليس بحاجة لتخويف من درجة النار وجهنم بعد، إن تخويفاً بسيطاً يكفيه ليفهم أن هذا سلوك غير مقبول. إن استخدام التخويف بالنار من هذه المرحلة العمرية يسطح فكرة الثواب والعقاب وتربي في الطفل شيئاً فشيئاً إحساساً باللامبالاة من هذا النوع من العقاب أو التخويف من باب الاعتياد على سماعه. وهو شبيه بالاعتياد على القسم باليمين لدرجة الامتهان وفقدانه لقيمته ودلالته فنسمع "والله" على لسان أطفال الخامسة والسادسة وهم لا يدركون ما يقولون.

ومفهوم آخر يقلقني عندما يطرح أمام أطفالي هو ذبح أضحية عيد الأضحى. إذ أني أجده مفهوماً من الصعب إيصاله لأطفال يتآلفون مع الحيوانات يومياً من خلال أفلام الكرتون ومن خلال القصص التي تمتلئ بالحيوانات الطيبة والصديقة والتي نستخدمها في إيصال المعاني بطرق سهلة، فضلاً عن الحيوانات التي يمكن أن تربو معنا مثل قطة أو عصفور أو حمامة أو سمكة أو حتى خروف في مزرعة دون أن نصدمهم. كيف لنا أن نبرر ذبح هذه الحيوانات لأكلها؟ إنه ولا شك مفهوم من الصعب شرحه لأطفال في مرحلة عمرية أولية. فما الداعي لأن نجعل من قصة عيد الأضحى الأساسية هي ذبح الخروف؟ لماذا لا نركز على قصة تبادل التهاني بالعودة بالسلامة من الحج، بأداء شعيرة الحج معانيها التي تتناول المساواة بين الناس والناس الذين يقدمون من كل مكان ليشكروا الله عز وجل على نعمه. بل إن بعض المدارس تستطرد في تفاصيل قصة الأضحية وتأتي قصة سيدنا إبراهيم والأمر بذبح ابنه. إنني أرى أن هذه القصص ليست مناسبة لجميع الأعمار لاسيما الأطفال منهم، وأرى أننا لا نكسب الأطفال من وراء قصها لهم بل على العكس ربما ننفرهم فكيف لقصة ذبح إسماعيل أن تعظ أطفالاً دون أن تصيبهم بالهلع؟ ثم ذبح الخروف احتفالاً بالعيد هو الآخر يعتبر إشكالية وربما صدمة للكثير من الأطفال لاسيما إن كانوا يلعبون معه قبل العيد. إنني أرى تقنين القصص والمرويات المدرسية وفقاً للمرحلة العمرية التي يمرون بها وعدم القياس بما مر بنا في صغرنا وكيف أننا لم نتأثر ونشأنا رجالاً ونساءً شداداً. فنحن لا نعرف عمن أثرت فيهم هذه القصص. وفي نهاية الأمر إن ما يعنينا هو كيف نقدم ديننا لأطفالنا. وما الهدف من ذلك، هل هو لنخيفهم، لننفرهم، لنفزعهم، لنثير العقد لديهم؟ من الضروري ترتيب أولوياتنا التربوية وتحويل قصصنا القرآني إلى أدوات مساندة لنشر آداب الإسلام وقيمه المتسامحة والمسالمة.

JoomShaper