محاسن أصرف

أرخى التطور التكنولوجي الذي شهده العالم سدوله على ميول الأشخاص، وبخاصة الأطفال لهذا العالم التقني الذي يديره وفق إرادته ورغباته، سواء في اللعب أو التعلم أو تنمية العلاقات الاجتماعية، وإقامة علاقات صداقة مع أفراد مختلفين في بلاد متباعدة ومن ثقافات متباينة.

 

وتشكو بعض الأمهات من انجذاب أطفالهن نحو الألعاب الإلكترونية، وتفضيلهن لقضاء ساعات طويلة بصحبتها بعيدًا عن الأجواء الأُسرية واللعب مع الأشقاء، وتقول أم خليل 35 عامًا: "إن ابنها في الصف الثالث الابتدائي مولع جدًا بالألعاب الإلكترونية، ويقضي في اليوم ما لا يقل عن ساعتين في لعبها على جهاز الكمبيوتر أو الهاتف المحمول إن كانت الكهرباء مفصولة عن المنزل".

 

"لها أون لاين" في سياق التقرير التالي تقف على شغف الأطفال بالألعاب الإلكترونية وتبحث مع المتخصصين في آثارها الإيجابية والسلبية على الطفل وأدائه ونشاطه.

 

امتعاض أم خليل من انجذاب ابنها "9 سنوات" للألعاب الإلكترونية جعلها تبحث عن دراسات تتعلق بالألعاب الإلكترونية ومخاطرها؛ لتحاول إقناع ابنها بتجافيها والابتعاد عنها، لكنها فوجئت بما لم تتوقعه أبدًا، تقول: "وجدت إحدى الدراسات تؤكد فعالية الألعاب الإلكترونية على تنمية الفكر، وتنشيط الذاكرة لكني لم أقتنع إلا بعد التجريب"، تؤكد السيدة أنها راحت تختبر نتائج الدراسة عمليًا، ففي خلال فترة الامتحانات النصفية كانت تعاني من عدم تركيز"خليل" بالدراسة بعد مرور ساعتين، تقول: "أشعر بأن الخمول انتابه، وبدأ يتثاءب بل ويخطئ الإجابة رغم أنه يحفظها جيدًا، فما كان مني إلا أن أتركه لبعض الوقت للراحة"، وتتابع كان ابني يقضي فترة الراحة التي أسمح له بها بالاتجاه إلى الكمبيوتر ولعب الألعاب الإلكترونية، مثل: زوما، الطيور الغاضبة، وسباق السيارات وغيرها، وما إن يعود للدراسة ومراجعة الدروس أجده في حالة نشاط جيدة، ولديه القابلية لأن يستكمل المراجعة، تؤكد السيدة أن تجربتها جعلتها تصدق نتائج الدراسة التي قرأتها سالفًا، وكانت نتائجها تُشير إلى أن الألعاب الإلكترونية تحافظ على مرونة الذهن، وتنشيط الذاكرة وتمنح الطفل فعالية وسرعة في الاستجابة بالرد لما يتعرض له.

تأثير إيجابي على الدماغ

ووفقًا لنتائج دراسة أعدها باحثون في معهد "يونيون كوليدج" فإن الشغف بالألعاب الإلكترونية لدى الأطفال يؤثر إيجابيًا على الدماغ، ويؤدي إلى قيامه بوظائفه على مستوى مميز، وأشار الباحثون إلى أن مزاولة ألعاب الفيديو من شأنها أن تُحافظ على مرونة الذهن وسرعة الرد وحب الحياة أيضًا.

وقال كاي أندرسون هينلي المشرف على الدراسة : "إن الألعاب الإلكترونية ثلاثية الأبعاد الحديثة تتطلب من اللاعب تركيز الانتباه والدقة وسرعة اتخاذ القرارات". مؤكدًا أن ذلك ينسحب على تفاعله مع كل أمر في حياته، سواء الدراسة أو العمل فيلتزم الدقة والسرعة تمامًا كما في اللعبة الإلكترونية كي لا تناله الخسارة، وأضاف أن وجود اللاعب وممارسته اللعبة في عالم افتراضي يجعله يقظًا لكل شيء يمكن أن يحدث بما يؤثر إيجابيًا على مستوى الذكاء لديه.

ليس وحدها

ويؤكد "علي" الطالب في الصف التاسع أن الألعاب الإلكترونية القائمة على حل الألغاز من شأنها أن تُعزز التفكير الإبداعي لدى الفرد، وتُحقق مرونة للذاكرة وتنشيط بالوصول إلى الحل، سواء في صورة مبعثرة أو في متاهة يريد الخروج منها ليصل إلى الكنز، ويفيد الفتى الذي بدا مؤيدًا للدراسة التي عرضتها "لها أون لاين" عليه، والمُشيرة على أن الألعاب الإلكترونية تزيد من مرونة المخ وتُحفز العقل على الإبداع، يقول: "عندما كنت أمارس الألعاب الإلكترونية وبخاصة في مجال المسائل الرياضية، وألعاب البازل، وحتى الكلمة الضائعة في الجرائد والمجلات كنت أشعر بمدى تأثير تلك الألعاب على تحفيزي على التفكير "ولم يمارس الفتى الألعاب الإلكترونية منذ عام 2009، مؤكدًا أن ذلك انعكس على مستوى تفكيره وإبداعه الذي كان عليه، ويُتابع قائلًا: "نعم الألعاب الإلكترونية تُنمي الذاكرة، وتُشجع على التفكير لكن لا يمكن هنا إغفال دور القراءة الواعية"، وبمزيد من التفصيل أشار الفتى أنه من الخطأ الاعتماد على الألعاب الإلكترونية في تشكيل أو تمرين الذاكرة فمهما كانت الألعاب لا تُغني عن الكتاب، والمعرفة التي تزيد من حصيلتك وتؤهلك لتحقيق الأحلام بالعلم، وقال: "أما تنشيط الذاكرة فأيضًا يمكن لبعض الأطعمة أن تؤدي المهمة كالزعتر والشوكولاته التي تعمل على تنبيه المخ وتحفيزه على تقبل المعلومات" ويُشدد الفتى مجددًا: "من الخطأ الاعتماد فقط على الألعاب الإلكترونية في تنشيط الذهن وتحقيق الفعالية في الرد وسرعته".

إيجابية مع التوجيه

وترى الأستاذة عزة العجلة – مدربة في مجال التنمية البشرية- أن الألعاب الإلكترونية تمتاز بآثار إيجابية مميزة على الطفل، وقالت: "إذا تم توجيه الطفل بشكل جيد أثناء اللعب من خلال تحديد الوقت اللازم للعب، نُحقق له عدة فوائد فندربه على استثمار الوقت، بالإضافة إلى اختيار الألعاب بدقة وعناية، ناهيك عن تفعيل نشاطه الذهني، وتمرين ذاكرته وخلايا دماغه"، وتابعت أنه لتحقيق ذلك الغايات من الأفضل مشاركة الآباء أبناءهم في اللعب ومناقشتهم فيها بعد الانتهاء من باب التأكد من استفادة الطفل من الجانب الايجابي للعبة.

وتسرد "العجلة" بعضًا من الآثار الإيجابية التي تُحققها الألعاب، فتُشير إلى أن تُنمي من جهة قدرات الطفل العقلية وتساعده على تَمَرُس التفكير الإبداعي للوصول إلى حلول تُحقق له الفوز باللعبة، مؤكدة أن ذلك ينسحب على تطبيقاته الدراسية، فمثلًا في أسئلة الرياضيات نجده يبدع في إيجاد حل للمعادلة وقد يُقدم قانونًا جديدًا، وأضافت على الصعيد الاجتماعي فالألعاب الإلكترونية من وجهة نظرها تُدرب الطفل على التغلب على المشكلات التي تواجهه مهما كانت صعوبتها، وتجعله يجتهد في إدارتها كما تُعزز لديه بعض الأخلاقيات الحسنة كالصبر والمثابرة، وهنا تُشير إلى ضرورة أن تكون الألعاب الإلكترونية منتقاة وفيها إبداع ولا تعتمد على العنف، وتُحقق عناصر التفكير الخلّاق، ولفتت إلى أن تلك الألعاب تُحقق للطفل الترفيه وقضاء وقت مثمر في الوقت نفسه، ومرضي لرغباته مما يدفعه للإقبال على الدراسة بروح معنوية عالية".

 

JoomShaper