تربية الأطفال جزءُ من أحكام الطبيعة إلا أنها تشكل تحدياً في الوقت عينه. حين تعجزين عن تصور شكل الجنين الذي اعتدت رؤيته عبر جهاز التصوير بالموجات الصوتية، فأنّى لك أن تتصوري ما سيكون عليه بعد 20 عامًا. على غرار الأمهات، عمومًا، تسعين إلى هدفٍ سامٍ ألا وهو بناء علاقات جيدة مع أولادك وتدركين أن الثقة هي الأساس الأهم.
قد يُخيل إليك أنك أنجبت أبناء عدة في طفل واحد، لا سيما حين ترينه يتحوّل من رضيع مدلل إلى طفل كثير الحركة أو هادئ ومن ثم إلى مراهق متعب، فما بالك حين تكونين أماً لعدة أطفال؟ لا شكّ في أن حياتك بعيدة عن الرتابة والملل، ورغم احتياطاتك التي تتخذينها لسلامته وحمايته، يأتيك طفلك بيدٍ مكسورة أو جرحٍ عميق وتتذكرين لقاحه... لا تشبه تربية الأطفال النهر الهادئ إلا أن ذلك لم يثنِ يوماً امرأةً عن قرار الأمومة. خلال المرحلة الأولى أي الحمل تجهل النساء في الغالب صعوبة الأمر، فهيهات لو أمكن نقل تجربة أمٍ إلى أخرى، إلا أن الأمر يبقى ضرباً من المستحيل، لا سيما أن لكل امرأة أسلوبها في تذوّق الأمومة والعلاقة مع طفلها.
الطفولة: مرحلة أساسية
تنشأ الثقة في البداية من التعلق المتبادل بين الطفل والأم قبل أن يثبت الأب وجوده. يعبر الطفل بالبكاء عن حاجاته المختلفة من تعبٍ وخوفٍ وجوع، فتهرع أمه لتهدئته ويفهم بدوره أنها موجودة لتساعده، في أوقاته الحرجة، ويطمئن ويبدأ التقدّم. يُعدّ هذا الشعور ضمنياً لذلك قد لا تبدو الكلمات أساسية، يكفي أن يشعر بنغمة أمه المُطَمئِنة ليدرك أنها إلى جانبه.
خلال نموّه، يتعلق الطفل بوالديه ما يساعده على التغلب على مراحل الضغط، فهو يبتسم ويبحث عنك ويسعد لرؤيتك عند عودتك إلى المنزل بعد نهار عملٍ طويل، لذلك لا بدّ من أن تعيريه الاهتمام الضروري حين يبكي ما يسمح لك بالتمييز بين دموع الألم ودموع الجوع أو دموع الرغبة بأخذه بين يديك.
نموذج قابل للتكاثر
حين يثق الطفل بوالديه، ينقل الثقة إلى البالغين الآخرين المسؤولين عن رعايته وتلبية احتياجاته كجليسة الأطفال أو الحاضنة. يعرف الصغير تمامًا حين يكون بأمان وحين يفتقد إليه، إلا أن ذلك لا يمنع من أن تعيري المراحل المختلفة الأخرى الاهتمام: تغيير جديد أو دخوله إلى الحضانة...
تدرك المسؤولات في دور الحضانة أن ثمة أطفالاً قد يبكون لأيام قليلة حين تتركهم والدتهم كلّ صباح. لكن في حال استمرت حالهم لا بدّ من مناقشة الأمر مع الأم، لا سيما أن الطفل يفهم سريعاً، في العادة، أنه سيلتقي والديه كلّ مساء أو بانتظام. يستفيد الطفل من العلاقة التي تنشأ بينه وبين والديه ليتقبل أنواعًا أخرى من العلاقات من دون خوف، إلا إذا كانت ناتجة من قلق عادي جراء الانفصال عن والديه الذي سرعان ما يزول حين ينغمس الطفل في نشاطات مختلفة.
حالة الزوجين
من الواضح أن تربية الطفل تبدو أسهل حين تكون علاقة الزوجين جيدة، فحين تتدخل المشاكل العاطفية والمالية والصحية يتأثر الطفل بها، لا سيما أن والديه لا يهتمان به أحياناً كفاية لأنه يصعب إدارة كلّ شيء في الوقت عينه. قد تمتد هذه الظروف إذا كانت على صلة بمشاكل صحية وقد تتطور الحال فيفتقد الطفل الشعور بالأمان.
لا شكّ في أن البالغين قد يعانون مشاكل وظروفًا مماثلة. المهمّ بالنسبة إلى الطفل ألا تستمر وأن يعود كلّ شيء إلى طبيعته، فلا يُرغم على الاعتياد على روتين جديد. قد لا يكون الأمر ممكنًا دائمًا، إلا أن الطفل يخشى التغيير أيًا كان نوعه، ويحبّ الثبات رغم استحالة ذلك أحياناً. في الوقت عينه، قد يُظهر الطفل قدرةً على التأقلم، المهمّ أن تكون الظروف واضحة قدر المستطاع.
أهمية الروتين
يحبّ الجميع، من رُضّع وأطفال وكبار الروتين، لذلك لا بدّ من منحهم حاجاتهم التي قد تعيق البالغين وبقية أفراد العائلة. يبدو الروتين أمراً مهماً في ما يتعلق بتوقيت النوم (قيلولة الطفل الشهيرة) أو الوجبات التي تشكل في الغالب أوامر عسكرية. الروتين في ما يتعلق بالنوم أمر أساسي على صعيد الوقت، والطقوس أيضاً (نوم قصير أو طويل).
يدرك الأهل أن الطفل يكره الانتقال من مكان إلى آخر ويحبّ أن يلتقي أصدقاءه المعتادين. حتى حين يكبر قليلاً ويميل إلى اكتشاف العالم من حوله، يصعب على الطفل تقبّل انتقال والديه للعيش في مكان آخر أو انفصالهما. تتطلب طبيعة الأطفال إلقاء مرساة قارب الأسرة بشكلٍ تترسخ بقوة في القعر.
الثقة تنشأ عن الحبّ
ينشأ كلّ ما سبق ذكره عن الحبّ الذي يكنّه الوالدان للطفل. يساعد الحبّ الطفل على الشعور بالحماية وبقيمته، لذلك من المهم أن يصفق له الأب والأم وبقية أفراد الأسرة حين يبتسم ويخطو خطوته الأولى ويفوز في اللعب أو في مباراة جودو، ومن المهم في السياق عينه أن تقدّر المعلمة نقاطه الإيجابية.
تفيد السلسلة هذه تطور الطفل وتدعم ثقته بنفسه، ويساهم الوالدان والمربي أو المعلم في المقام الأول في بناء الظروف التي تساعد الطفل على التقدّم. قد تبدو السنوات الأولى غير مناسبة في حياة بعض الأطفال المهملين. هنا لا بدّ من العمل ليشفى هذا الجرح ويختفي من روح الأطفال، علماً أن علماء النفس على غرار مارسيل روفو وبوريس سيرولنيك يعتقدون أن ثمة أطفالاً يتخطون هذه العوائق، بشكلٍ أسهل من غيرهم، بفضل مرونتهم العالية التي لا يُعرف لها أساس.
يقدّم الاختصاصيون نصائح منطقية إنما يصعب تطبيقها أحيانًا، لذلك لا بدّ من تقدير جهود الطفل وتقدّمه، فهو يحب سماع كلمة «أحسنت» إذ تساعده على تعزيز ثقته بنفسه، لكن حذار من أن تتحول هذه الكلمة إلى مجرد إعجاب فارغ. عمومًا، لا يصعب على الأهل إطلاقاً التصفيق لخطوة طفلهم الأولى وكلمته الأولى، لكن يجب ألا ينسوا ضرورة أن يتكرر ذلك مع الوقت.
استقلالية
لا بدّ من تشجيع الاستقلالية الذاتية لدى الطفل لتعزيز ثقته بنفسه، سواء عند نزوله السلالم للمرة الأولى أو عند ذهابه إلى المدرسة وحيداً، أو حين ينجح في ركوب الدراجة بعجلتين فقط. حتى وإن لم يحقق الطفل النجاح المطلوب، تبقى الأهمية الكبرى للتقدّم الذي يستحقّ عليه في كلّ مرة التهنئة: حين يشارك في سهرته الأولى، أو يضع قالب الحلوى الأول في الفرن، أو يشارك في منافسة رياضية من دون أن ننسى الأحداث الكبرى كنيله الشهادة المتوسطة أو الثانوية.
يتعين على الوالدين أن يكونوا إلى جانب الطفل ليتجرأ على التقدم، فوجودهما يساعده على تخطي الخوف حين يجد من يفسر له ألا داعي للخجل من الشعور بالخوف. إلا أن التحدي الأكبر للأهل يكمن في تقبّل فشل أطفالهم وإخفاء غضبهم وكبته مخافة أن يتحول إلى شيء أعظم من ذلك. إلا أن السيطرة على الذات في بعض الظروف تبدو صعبةً عند التعامل مع الأطفال، لا سيما حين يتعلق الأمر بعلامات سيئة أو كذبة أو سؤال صعب... من الطبيعي أن تلجأي كأم إلى تأنيب طفلك ولكن حذار من استعمال كلمات جارحة مخافة إغاظته وإثارة ردود فعله التي غالباً ما تكون سيئة.
الأسوأ من ذلك مقارنته بأخيه أو أخته، على سبيل المثال، أو إهانته عن غير قصد، فقط لأنك غاضبة أو لأنك مررت بنهار سيئ. أحياناً، قد تهزأين بطفلك كرد فعلٍ عفوي إلا أن سخريتك تفقده شجاعته. يدرك الأهل جيداً مدى صعوبة الأمر، يكفي أن يضعوا أنفسهم مكان الطفل ويتخيّلوا أنهم في مواجهة مع ربّ العمل. كيف سيتحملون الأمر حين يسخر منهم أو يقارنهم بزميل لهم؟ لا شكّ في أن الأمر صعب علماً أنهم أنهوا مرحلة الطفولة والمراهقة منذ زمنٍ بعيد.
لا تنسي أن هدف التربية المثالي تحويل الطفل إلى راشد قادر على إدارة حياته وحده في خضم الحياة العصرية التي نحياها.
تفسير مقابل الطاعة
يبدو الحوار دائماً أفضل من الأوامر. لا تتعلق المسألة هنا بالتوصل إلى حلّ وسط في ما يتعلق بالتهذيب بل بتفسير الأسباب والطرق للتوصل إلى أفضل نتيجة، علماً أن ثمة ظروفًا تفرض نفسها، وقد تجدين أن إعطاء الأوامر أسهل وأكثر فاعلية من أساليب أخرى. لكن ليتمكن الطفل من تقبل الأمر، يُستحسن أن تفسري الأمر ولو بجملة واحدة وأن تتخطي أسئلته التي لا تنتهي وتتجاهلي كثرة تكراره لسؤال «كيف» دونًا عن سواه.
يؤدي الأهل دورًا أساسيًا، فيتعين عليهم أن يُصلِحوا التخبطات التي يرتكبها بالغون آخرون، علماً أنه قد يصعب عليهم أحياناً التقدّم كشخصٍ مثالي وليس كمجرد أم أو أب. الخطأ واردٌ دائماً، ومن المهم أن تدركي أن رد فعلك قد يكون مفرطاً لمجرد أنك كونت أفكاراً مسبقة، يتعلق الأمر بمسألة بناء الثقة.
ثقة تجاه الأطفال
إذا كانت الثقة المكتسبة أساس تطور الطفل، يتعين على الأهل أن يتعلموا كيف يضعون ثقتهم في الطفل، وهو ليس بالأمر السهل دائماً.
لحسن الحظ، تغيّرت العلاقات بين الأهل وأطفالهم، ففي الماضي كان الأب يمثل السلطة العليا وقرارته لا تناقش، أما اليوم، فبات دور الأم والأب في حياة الطفل متوازناً وقد يحصل أن تكون السلطة العليا في يد الأم. عمومًا، أخذ الحوار بين أفراد الأسرة اليوم حيزاً واسعاً بالمقارنة عما كان عليه في السابق.
يحتاج الطفل الذي ينمو أن يشعر بثقة والديه على الأقل في ما يتعلق بالمهام التي يمكن أن توكل إلى شخصٍ في عمره. لن يختبر الطفل أسوأ من قلة إيمان والديه بقدراته ومستقبله أو شجاعته. قد لا تكون الأمور دائماً وردية، لكن في النهاية لن يجدي نفعًا الحديث على مائدة الطعام عن نسبة البطالة أو التشاؤم من الأحداث الراهنة بل قد يزيد الطين بلّة. يحتاج الطفل إلى ثقة والديه من دون أن تصل إلى حدّ المثالية ليتمكن من الانطلاق في الحياة.
تخطي الشعور بالذنب
حين تنحرف الأمور عن مسارها الصحيح في حياة الطفل، ينشأ شعور بالذنب والفوضى. تُعتبر الرغبة في تعلّم كيف تكونين أماً جيدة وحاجتك إلى مساعدة خارجية عائلية أو نفسية أمراً عادياً. لكن رغم ذلك، لا تكون النتائج دائماً على قدر تطلعاتك.
ينبغي أن يثق الوالدان بنفسيهما وبقدرتهما على التصرف بشكلٍ صحيح. حين تحبين أطفالك وترغبين في تقديم الأفضل لهم، ستبقى خياراتك العفوية والنابعة من حاستك السادسة دائماً الأفضل. الخطأ وارد دوماً، لكن المهم تصويبه عبر تقديم شرحٍ لما حصل. الأهم أن تدركي أنك لن تتحولي إلى أم مثالية بضربة ساحر، إنما يحتاج الأمر إلى بعض الوقت.
وجهة نظر المعالجين
لا يتردد المحللون النفسيون في استعمال عبارات رهيبة تربط مباشرة بين نقص الثقة بالنفس وعجز الأهل عن زرع صورة إيجابية في مخيلة الطفل ومن ثم البالغ عن نفسه. سلوك يكتسبه الطفل كلما تعرضت مواقفه لقمع مبررٍ أو غير مبرر وغالباً ما ينجم عن تربية صارمة.
لما كان الطفل يعجز عن اتباع دوافعه الطبيعية، يميل إلى التصرف بشكلٍ منهجي من خلال السيطرة على نفسه والاقتناع بأن دوافعه غير صحيحة. في هذه الحالة، ينشأ شعور باحتقار الذات فيعيق الأمان الذي يحتاج إليه الطفل. يبلغ الطفل، إلا أنه لا يرى إلا عيوبه ما يمنعه من اللجوء إلى الآخرين الذين يعجزون بدورهم عن منحه الثقة التي يفتقد إليها.
تتعدد النتائج: قد يكبر الطفل ليتحوّل إلى شخص سلبي ومتقاعس يتجنّب المشاكل، أياً كان نوعها، أو إلى شخص يستطيع الوقوف على قدميه بفضل محبة شريكه أو طبيبه ودعمه. قد ينتج ذلك أيضاً من مشاكل صحية ألّمت بأحد الوالدين، كالاكتئاب. فالأم المكتئبة مثلاً تعجز عن السيطرة على نفسها ومن دون أن تدرك تؤثر سلبًا على طفلها وتولّد القلق في نفسه. نعلم جميعاً أن الاكتئاب يوّلد التشاؤم الذي يتحوّل في الغالب إلى مخاوف متنوعة تطبع حياة الوالدين وحياة الطفل على حدٍ سواء.
قد يحصل أن تطبع تصرفات الوالدين السلبية النظرة التي يكوّنها العالم عن الطفل. لحسن الحظ، يندر هذا الأمر، لأن تأثير الأم يختلف عن تأثير الأب.
تعدّ الثقة أساس العلاقات بين الأهل والطفل لذلك لا بد من أن يملك الوالدان ثقة ضرورية ليتمكنا من نقلها إلى الطفل.
كيف تبنين علاقات ثقة مع أولادك؟
- التفاصيل