يوسف إسماعيل سليمان
أبنائي الأحباب، أتدرون من هما أحق الناس برعايتنا وبرِّهما، وأن نطيعهما ونحسن إليهما وندعو لهما دومًا؟ واللذان لا يقبل الله أي إساءة إليهما ولو من أفضل الناس عبادة وإخلاصًا وأخلاقًا، لا شك أنكم تعرفونهما، فتعالوا نعرف أصل الحكاية.
الصحابي وأمه
حدث يومًا أن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص t دخل في دين الإسلام، فسُرَّ به النبي r، وبشَّره بالجنة؛ لأنه من السابقين إلى الإسلام، والمخلصين لله تعالى ولرسولهr، فلما علمت أم سعد بإسلامه أمرته أن يعود إلى عبادة الأصنام فهي دين آبائه وأجداده، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، فقالت له: إما أن ترجع عن إسلامك، وإما أن أمتنع عن الطعام حتى أموت، فتكسب معرَّة العرب – يعني تهدده بأن تجعل العرب يعيرونه بأنه كان سببًا في موتها جوعًا بسبب عدم طاعته لها.
فلما سمع الصحابي سعدٌ كلامها ـ وكان يحب النبي r حبًّا عظيمًا، ويحب الإسلام حبًّا شديدًا، ويبغض الكفر أشد البغض ـ أجابها قائلاً: تعلمين والله يا أماه، لو كان لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكُلي، وإن شئت لا تأكلي.
الله (عز وجل) يعاتب سعدًا:
هكذا ردَّ عليها سعد بمنتهي الجدية والحزم، وصبرت أم سعد يومًا ثم آخر، ثم أتعبها الجوع في اليوم الثالث فأكلت وشربت، فكانت هذا الموقف سببا في نزول قول الله تعالى: )وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ([ لقمان: 14، 15].
فعلم المسلمون أن هذه الآية عتابٌ لسعد على شدته في الكلام مع أمه، رغم أنها كافرة، فتأملوا مدى تقدير الإسلام للوالدين ولو كانا غير مسلمين، فهل يليق بمؤمن بعد ذلك أن يسيء لأمه أو لأبيه؟!
سببا وجودي ومصدرا إسعادي:
إن لوالديك عليك فضلاً عظيمًا، فهما اللذان كانا سببًا لوجودك في هذه الحياة، وهما اللذان يُوفران لك كل ما يستطيعان لإسعادك؛ من فراش مريح، وطعام شهي ولذيذ، وملبس جميل، ولا يجدان طعمًا للراحة أو الهناء إلا بعد أن يوفرا لك ما تحتاج إليه، وإذا أصبت بأذًى أو مكروه لم يهدأ لهما بال حتى تعود البسمة إلى شفتيك، ويدعوان لك بالليل والنهار أن يرزقك الله بكل خير، ويحميك ويحفظك من كل شر وسوء.
إنهما اللذان يحبانك حتى لو كنتَ لا تشكرهما، أو كنت تسيء الأدب أو التصرف معهما، فهل هذا إلا لأنهما يُحبانك أشد الحب؟ ألا يستحقان منك بعد كل هذا أن تصنع ما أمرك الله به في كتابه: )وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا( [سورة الإسراء: 23].
الأم بحر العطاء والتضحية:
وعلى الرغم من أن كلا الوالدين يبذل الجهد والتضحية من أجل راحتك وإسعادك، إلا أن الله ورسوله r قد خصَّا الأم بمزيد التوصية، والتأكيد على إكرامها والبرِّ بها، وحسن صُحبتها، وهذا لكثرة ما تحملته من آلام ومتاعب في الحمل والولادة والرضاعة؛ فهي التي كانت لا تنام مهما كانت متعبة، حتى تطمئن أنك قد رضعت وشبعت ونمت هانئًا وأنت صغير، ولم تكن تحتمل أن تراك باكيًا أو حزينًا، فتسارع إلي إرضائك وملاطفتك حتى تعود إليك ضحكتك، فهل نعجب بعد ذلك أن يجعل الله شكر الوالدين والإحسان إليهما أفضل الأعمال وأعظم العبادات بعد شكره (عز وجل) كما قال سبحانه وتعالى: )أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ( [سورة لقمان: 14].
فالله يأمرنا ويُعلمنا أن أحق الناس بشكرنا وطاعتنا بعد شكره هما الوالدان، وأن الله إليه المرجع يوم القيامة ليحاسب مَن أحسن إلى والديه ويكافئه بأحسن الأجر والثواب، ويُحاسب المقصر في بر والديه أو مَن يسيء الأدب معها، ويعاقبه على إساءته وتقصيره.
أبر الناس بوالديه:
إن المسلم الذي تربي علي تعاليم القرآن لا يمكن أن يكون إلا إنسانًا بارًّا بوالديه يحيطهما برعايته، بل وبأجمل مظاهر الحب والاحترام والتقدير، فيقبل يديهما كل صباح قبل أن يذهب إلى مدرسته أو عمله، ويقوم لهما إذا دخلا عليه في غرفته أو مكان جلوسه كما يقوم لأستاذه، ويغض من صوته أمامهما تأدبًا واحترامًا، وينتقي العبارات المهذبة الرقيقة في حديثه معها مهما كان متضايقًا أو مهمومًا؛ لأن الله نهانا أن نخاطبهما بأي لفظ يدل على الضيق أو الضجر، ولا حتى بكلمة «أف» التي هي من أقل الكلمات وأصغرها.
عذرك مرفوض أيها العاقُّ (العاصي لوالديه):
وقد يكون الوالدان يرتكبان أخطاء معينة أو بعيدين عن الالتزام بتعاليم الإسلام، فهل نعصيهما ونضايقهما أم كيف نتصرف؟
إن واجب الابن المسلم البار بوالديه هنا أن يُقبل عليهما برفق ولطف وأدب، لينصحهما بترك هذه الأخطاء التي يقعان فيها، أو بالالتزام بفرائض الإسلام التي يُهملانها أو يتكاسلان عنها، وكل هذا في أدب شديد، وكلمات لطيفة مهذبة، ويحاول إقناعهما بذكاء وتلطف حتى يحببهما في الخير الذي يدعوهما إليه، مستعينًا على ذلك بحُسن أسلوبه، وصدْق محبته لهما، والدعاء الدائم لهما
الفاضلان الرائعان
- التفاصيل