بشرى شاكر - المغرب
في السنوات الأخيرة كثر الحديث عن المرأة، خاصة التي تقطن البلدان العربية والمسلمة، كما لو أصبحت هدفًا للتفاوض. جمعيات حقوقية نسائية بعضها عربي وغالبيتها أجنبية يتعالى صوتها يومًا عن يوم مطالبة بالدفاع عن حقوق المرأة وحريتها، لا يمكن لأحد أن ينكر أن العديد من هذه الجمعيات قد ساهمت في مساعدة النساء، Background8_opt.jpeg
خاصة تلك المختصة في مناهضة العنف والتحرش ضد النساء سواء في الشارع أو في المؤسسات العلمية والتربوية, أو تلك التي تعنى بإحداث مشاريع اقتصادية تنموية للنساء اللاتي هن في وضعية اقتصادية صعبة، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أيضًا أن العديد من الجمعيات باتت تجعل من المرأة سلعة تروج بها لأهدافها «الربحية» أو لغرض إثارة البلبلة في البلدان المسلمة، خاصة تلك التي تتبنى حوار المساواة بين الرجل والمرأة، وتتهم الإسلام بسلبها حريتها وتدعو للتنصل من قيم هي أصلًا أساس كرامتها، كما لو كان هذا المشكل المطروح هو الأهم في بلداننا العربية، وكأننا وجدنا حلولًا لمشكل البطالة والفقر والأمية، وملفات الفساد وبقي الهم الوحيد هو كيف تكون مساواة بين الرجل والمرأة!
سألنا عدة أشخاص، نساء ورجالًا، وسمعنا رأيهم في الموضوع، فقالت إحدى النساء «أنا لست مع الرضوخ الكلي للرجل, ولكني أيضًا لست متفقة مع المطالبة بالمساواة معه»، أخرى أخبرتنا أنه مهما نادينا بالمساواة فإن الاختلاف أمر موجود وحتمي، وأخريات اعتبرن أن هذا الأمر لا يهمهن مطلقًا, لأن الاختلاف هو منبع للثراء وليس انتقاصًا, بل إن هذا الاختلاف هو ما يجعل الشخص كيفما كان رجلًا أو امرأة يسعى لإكمال نواقصه، والعديد من الرجال العرب لم يختلف ردهم عن النساء، وأكد لنا أحدهم وهو مختص في علم النفس اللغوي أن هذا الموضوع هو جدل عقيم في الأساس يبعدنا عن مشاكلنا الرئيسية والمهمة التي تحتاج منا لحلول فورية، ويجب أن تخصص لها الأولوية في مجتمعاتنا.

إن ما نستشفه سواء من خلال الردود أو من خلال ما يحدث في العالم العربي المسلم، وكذلك الغربي أنه ومنذ بدأنا الحديث عن المساواة بين الجنسين، تداخلت الأدوار وأصبح الاحترام المتبادل بين المرأة والرجل في تراجع مستمر، وكثرت المشاكل داخل الأسر, حتى أصبحت شائعة ومستمرة. باختصار تحولت المساواة إلى قطيعة بين الرجل والمرأة.

إن المساواة التي نسمع عنها في مجتمعاتنا الحديثة لم تكن وليدة اليوم لدى المسلمين, ولن نكون بحاجة للحديث عنها إن استوعب كل واحد فينا دينه كما يجب، فقد جاء الإسلام حاميًا لأول حق من حقوق المرأة وأهمها على الإطلاق بالنسبة لكل إنسان كيفما كان جنسه وهو حق الحياة... فمنع وأد البنات الذي كان يستهدف الأنثى أيام الجاهلية، وقد قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}.

فهل من يعطيها حقها في الحياة يحتاج لقوانين وضعية لحماية كرامتها، كرامتها من حياتها وقد وفرها لها الإسلام!

منذ مجيء الإسلام والمرأة المسلمة محفوظة الكرامة، بل لقد كرمت بآيات قرآنية كثيرة، وفي مواضع عديدة، ففي حين تم إقرار حق التصويت للمرأة من الغرب منذ خمسين سنة فقط، كان صوتها مسموعًا في الإسلام منذ أزيد من أربعة عشر قرنًا، فكانت تاجرة تسير مالها وتوفر مكسبها، وكمثال على ذلك زوجة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. بينما في الغرب منذ سنين قليلة كانت المرأة لا تستطيع أن تعيل أسرتها إن قدر لها أن تصبح أرملة أو مطلقة، بل كانت تشعر بأنها منبوذة ولم يكن يسمح لها بأن تستثمر أو تخوض في أعمال تعتبر رجالية، ولكن وعلى عكس ما يــــروج لــه بــعـــض دعــــــاة الحـــــريـــــة-الملغومــــــة- فإن الإسلام مــنح أول قرض استثماري لامرأة، وكان ذلك في عهد عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" ، حيث أرادت هند بن عتبة رضي الله عنها أن تؤسس لتجارة، فلم تملك مالًا فكانت أول من تمنح قرض استثمار من خزينة الدولة.

وفي حين كانت بعض الأنظمة تمنع الإرث عن النساء ولا تسمح لهن بحق الملكية، كالأنظمة الشيوعية مثلًا، بل هناك من كان يعتبرها هي نفسها إرثًا يورث، وكانت بعض الحضارات تحجر عليها وتتصرف في مالها دون الرجوع إليها في ذلك، بل إن قانون حمورابي الشهير كان يمنع توريث المرأة إذا كانت الوريث الوحيد، وفي هذه الحالة أيضًا تنتفع بالمال ولا ترثه إرثًا كاملًا بحيث لا حق لها في التصرف فيه ببيع أو توسعة، إلى أن يعود للأهل بعد موتها، في مقابل ذلك منحها الإسلام حق الملكية وحق أن ترث في مال زوجها ومال والديها وأقاربها وفق أنصبة معينة، بل جعل الرجال قوامين على النساء في الصرف والمسؤولية المالية في الأسرة، بحيث إنه لم يلزم المرأة بالإنفاق على أهل بيتها إلا إن كانت رغبة منها وعن طواعية، فالمرأة تجب نفقتها على أبيها وهي بعد عازبة وعلى زوجها وهي متزوجة إلا كما سبق وذكرنا، إن رغبت بذلك مساعدة منها.

كما كان بإمكان المرأة أن تتعلم وهو ما فعلته عائشة رضي الله عنها، بل فاقت الرجال علمًا فأصبحت تلقب بمعلمة الرجال، وكان بإمكان المرأة أن تكون مناضلة كما هو حال الشاعرة الخنساء، فقد شهد لها بالخروج في معركة القادسية مع المسلمين وتشجيعها لأبنائها الأربعة الذين استشهدوا.

بل إننا إن نظرنا حتى في أحدث الحضارات الديموقراطية التي تعمل للبحث عن حقوق المرأة وتسعى إلى تحريرها من عبودية تصطنعها لتجعلها باب إحكام على كل ما هو عربي ومسلم، هذه الدول التي تسمي نفسها منصفة الإنسان والمرأة بالخصوص هي التي تجد بها أكثر ألوان العنف ضد المرأة، فحسب إحصاءات سردها د.عبداللطيف ياسين قال: «يقدر عدد النساء اللواتي يتعرضن للضرب في بيوتهن في الولايات المتحدة بستة ملايين، وأن ما يقرب من ثلث النساء اللواتي يفدن إلى قسم الإسعاف إنما يفعلن ذلك لأنهن تعرضن للضرب، وهناك ما لا يقل عن 30? من ضحايا جرائم قتل النساء تتم عن طريق أزواجهن أو أصحابهن، وهناك واحدة من كل خمس نساء من اللواتي يقدمن على الانتحار إنما تقوم بذلك مدفوعة بنتائج الضرب المبرح، وفي ولاية ماساشوسيتس، هناك امرأة تتعرض للقتل كل 18 يومًا من قبل شريك عمرها.

وكل ما سبق يوضح أن الإسلام جاء تكريمًا للمرأة ولم يأت بصك عبوديتها كما يدعي من لا يعرف عنها شيئا، ولا أتى سالبًا لحريتها ومفضلًا الرجل عليها، بل أتى لإنهاء النظرة التقليدية للمرأة والتي، للأسف، ماتزال تعشش في عقول الكثير من الرجال والبيئات، لابتعادهم عن دينهم وتشبثهم بحوارات غربية عقيمة، كما قال الدكتور مأمون فريز جرار في كتابه العلاقات الأسرية: «إن النظرة التقليدية إلى المرأة في بعض البيئات باعتبارها إنسانًا من الدرجة الثانية، نظرة غير شرعية ولا إنسانية».

هاته النظرة الشرعية هي التي جاء بها الإسلام لتكون مدونة حقوق للمرأة!

أن تطالب المرأة بحقوق وهبها لها الإسلام من قبل ومنعت منها حاليًا أمر جيد، على ألا نضيع وقتًا كبيرًا وجهدًا أكبر ومالًا وفيرًا في حوارات جمعوية نستقيها من الغرب وتوجد حلولها جلها في محكم التنزيل!

إن كنا نريد الفلاح لأمتنا فعلينا أن نتوقف عن الحديث عن المساواة كما لو كنا في ساحة معركة، بل لقد تحولت مجتمعاتنا فعلًا إلى ساحات معركة بفضل الأيادي الخفية، التي تنقل لنا ادعاءاتها برغبتها في تحرير المرأة.

إن ما علينا أن نستوعبه من جديد رغم كل ما نسمعه من جمعيات - في معظمها غربية - هو أن لكل من الرجل والمرأة هويته الخاصة، وهما مختلفان، ولكنهما متكاملان في نفس الوقت، لا يمكن لأحدهما العيش دون الآخر أو الاستغناء عنه، يقول سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

نحن بحاجة في مجتمعاتنا العربية والمسلمة إلى تكاتف كل الجهود ووحدة الصفوف وإشاعة التفاهم والحوار البناء بين مختلف أطيافنا، عوض الانسياق وراء خطابات لن تنفعنا في شيء سوى في توسيع رقعة القطيعة بين الرجال والنساء... مجتمعاتنا بحاجة لكل مكوناتها رجالًا ونساء، لتعيد البناء وتستمر في العطاء.

المصدر:الوعي الاسلامي

JoomShaper