القاهرة: محمد شعبان
على الرغم من الحديث المتواصل في كل دول العالم عن حقوق المرأة، وقوائم المطالب التي تطالب بمزيد من الحقوق، وضخ آلة الإعلام الغربية ما يفيد بأن المرأة المسلمة واقعة تحت ظلم كبير وأنها تفتقر الحرية التي تحظى بها المرأة الغربية، إلا أننا حينما نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله نجد الإسلام وضع المرأة في مكانة عالية وكرمها وأمر لها بكل حقوقها، سابقا كل الدساتير والقوانين الدنيوية في مجال حقوق الإنسان.. تعالوا نتعرف من علماء الإسلام إلى مدى إنصاف الإسلام للمرأة.
د. آمنة نصير أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر تؤكد أن الحديث عن حقوق الإنسان وحرياته وكرامته رجلا كان أم امرأة من خلال القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم حظي بعناية فائقة.. فالإسلام منع وحرم الاتجار بالمرأة، وحرم توريثها كسلعة، وحرم وأدها، وأكد إنسانيتها كمخلوق من خلق الله خلقها الله، لها نفس حقوق الرجل وحرياته وكرامته، وذلك كما قال تعالى "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"..
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "النساء شقائق الرجال" وقال أيضًا "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

وتوضح د. آمنة أن الإسلام أكد أيضا حق المرأة في الحياة والتعليم والعمل وتقلد المناصب القيادية في المجتمع، وحقها في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومنحها ذمة مالية مستقلة عن الرجل، حيث أعطاها الحق في البيع والشراء والتملك والرهن والهبة والوقف.. كما أعطاها الحرية الكاملة في اختيار زوجها وفي اختيار فكرها وعقيدتها وكل ذلك في إطار معايير الإسلام وقيمه، التي تحول دون الانجراف إلى الفساد أو الإفساد. وفي الوقت الذي أرسى الإسلام حقوق المرأة نجد المجتمع الغربي لم يعرف أو يعترف بشيء من هذه الحقوق إلا عام 1882م، عندما صدر بإنجلترا قانون حصلت النساء على ميزة لم تكن لديهن من قبل وهي حقهن في الاحتفاظ لأنفسهن بالمال الذي يكسبنه من العمل.. ولم يكن وراء هذا القانون أسباب دينية، إنما أسباب اقتصادية حيث وضعه أصحاب الأعمال في مجلس العموم البريطاني من أجل جذب النساء للخروج للعمل، إعلاء لحجم الإنتاج والربح وهذه هي الفلسفة الحقيقية لإطلاق الدعوة لمنح المرأة حقوقها.

حقوق كثيرة
إلى ذلك، تؤكد د.سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن أن المرأة العاملة في المجتمع الإسلامي لها حقوق كثيرة لا تتنافى مع تعاليم الدين الحنيف أهمها حرية تقلد المناصب مادامت كفء لذلك، وكذلك حرية الاحتفاظ بذمتها المالية مستقلة تمامًا عن زوجها، كما أن لها حقوق تتعلق بطبيعة العمل نفسه من حيث ساعات العمل وكذلك أجازات الوضع والرضاعة ورعاية الأطفال.

وتشير إلى أن المرأة تختلف عن الرجل اختلافات بيولوجية وفسيولوجية وسيكولوجية، وهي اختلافات راعاها الإسلام، فمنع إلحاقها بأعمال ووظائف تتعارض مع تكوينها الأنثوي وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم حيث قال تعالى "وليس الذكر كالأنثى" وهذا يعتبر تكريمًا للمرأة، وهذا حق يتجاهله الغرب الذي يتعامل مع المرأة كجسد للإغراء وأداة للتسويق والإعلان، بعيدًا عن البعد الإيماني وبعدها الإنساني، وكذلك الأعباء الصحية والأخلاقية الملقاة على كاهلها.

وتوضح أن هذه الحقوق التي أرستها تعاليم الإسلام للمرأة العاملة يجب ألا تجعلها تنشغل بعملها على حساب أسرتها ورعاية بيتها الذي يعتبر مهمتها الأولى ورسالتها العظمى التي تفوق أية مكاسب أو أهداف يمكن أن تتحقق من خلال العمل، مشيرة إلى ضرورة أن تقوم بتقسيم وقتها جيدًا بحيث تجد متسعًا من الوقت لملاحظة أبنائها ومتابعتهم والوقوف على مدى تقدمهم في الدراسة.. إضافة إلى رعاية الزوج وتلبية كل احتياجاته. وإذا حدث تعارض بين عمل المرأة وأدائها لرسالتها في البيت فالأولى أن تترك عملها والتفرغ لرعاية أسرتها.

تسويق النموذج الغربي
أما د. محمود يوسف كريت أستاذ الثقافة الدينية بكلية أصول الدين فيؤكد أن هناك محاولات مستميتة لتسويق النموذج الغربي لحقوق المرأة داخل العالم الإسلامي، وللأسف هناك من يقوم بالترويج لهذا النموذج داخل أوطاننا، متناسين أن هذه القيم التي يدعو إليها الغرب تنطلق من النموذج الليبرالي الذي يعلي من قيمة المادة والاقتصاد، وأصحاب هذا النموذج أرادوا للمرأة أن تخرج لأداء وظيفتين أساسيتين في المجتمع، الأولى الإسهام في الإنتاج الاقتصادي بأقل الأجور وساعات عمل أطول.. والثانية استخدامها في كل عمليات التسويق والإعلان لفتح شهية المستهلك واستنزافه من خلال إبراز مفاتنها وتعريتها دون النظر إلى قيم دينية، أو عقيدة، أو أخلاق، وهذا ما تقوم عليه فلسفة الربح والإنتاج.

ويرفض كريت مزايدة الغرب على المسلمين في قضية حقوق المرأة العاملة التي وضع الإسلام قواعدها كاملة، مشيرًا إلى أن أصحاب المصانع في أوروبا كانوا يستغنون عن عمالة الرجال ويطالبونهم بإرسال زوجاتهم وبناتهم للعمل في المصانع لأنهن أقل أجرًا وأكثر صبرًا وأقل تمردًا من الرجال.. كما أن البرلمان الاسكتلندي كان قد أصدر قرارًا في عام 1567 بعدم منح المرأة أية سلطة على أي شيء من الأشياء.. وفي فرنسا صدر قانون عام 1941 يعتبر الزوجة ناقصة الأهلية لا يحق لها التصرف في ملكها إلا بإذن زوجها.. فأي حرية وحقوق للمرأة يتشدقون بها ؟!

ويؤكد كريت عدم وجود تعارض بين حقوق المرأة العاملة التي أرساها الإسلام وبين تلك التي أكدتها قرارات الأمم المتحدة والمنتديات الدولية والمؤتمرات العالمية مادامت لا تتصادم مع معايير شرعية، أو مع قيم الدين الإسلامي، أو مع المنطق العقلي السليم والفطرة الإنسانية السوية كما خلقها الله.

موروثات ثقافية
ويرى د.صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن أنه بالرغم من أن النموذج الإسلامي أرسى حقوق المرأة العاملة إلا أن هذا النموذج غير مطبق في مجتمعاتنا .. فما زالت المرأة تعاني من العنف والتخلف والقهر والتبعية والاستغلال في كثير من جوانب حياتها، وهذا ليس له علاقة بالدين، إنما هو راجع في الأساس إلى غلبة الموروثات الثقافية كالعادات والتقاليد والأفكار البالية التي تقف بالمرصاد ضد إعطاء أي حق للمرأة في المجتمع الإسلامي.

هذا التمييز يحدث دومًا ضد المرأة في المجتمع الإسلامي على الرغم من أن النموذج الإسلامي يحقق أسمى درجات التكامل والتكافل للأسرة وأسمى درجات التكريم للمرأة وتحريم كل أشكال التميز ضدها ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع "استوصوا بالنساء خيرًا" وقال "ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم".

JoomShaper