بسام حسن المسلماني
تجاوزت الحركة النسوية فكرة أنها حركة حقوقية، تطالب بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، إلى مفهوم أعم وأوسع، يحاول إعادة صياغة كل شيء - التاريخ واللغة والرموز والفن والفلسفة والأدب - استنادا إلى رؤية أنثوية تتم في إطار الفكر النسوي وتستفيد من فرضياته وتصوراته، وكانت أبرز ما قام به الفكر النسوي في هذا الإطار هي: محاولة إعادة قراءة التاريخ البشري من جديد في ضوء هذه الرؤية، وهذه المحاولة لم تقتصر على مجرد إعادة سرد الأحداث التاريخية وفق الرؤية النسوية وفقط، بل تعدى ذلك إلى المصطلحات التاريخية نفسها، حتى "أعيد تسمية التاريخ، فهو بالإنجليزية History التي وجد بعض الأذكياء أنها تعني "قصته his story، فتقرر تغيير اسم التاريخ ليصبح Her story قصتها..!!"(1).
القراءة النسوية للتاريخ:
وعلى مستوى الأحداث التاريخية ترى النسوية أن الأصل هو الهيمنة الأنثوية على حركة التاريخ، لكن نتيجة لعدد من العوامل تمكن الذكر من السيطرة، ومن ثم نشأ الصراع الأبدي بين الأنثى والذكر، وأن نهاية التاريخ ستشهد تخلص الأنثى من السيطرة الذكورية، ليعود الأمر إلى ما كان عليه منذ البداية، وبالتالي فإن حركة التاريخ هي تعبير عن هذا الصراع، وأحداث التاريخ هي سرد لهذا الصراع.

السيطرة الأنثوية..!!
تدعي النسوية  أن "المرأة هي المؤسس الأول للأسرة البشرية، وأن تكوين الأسرة البشرية كان قرارا أنثويا، قررت المرأة البقاء بجانب أطفالها ورعايتهم و الاهتمام بهم، مما أدى إلى زيادة اعتماد الأطفال على أمهاتهم، وبالتالي زيادة ارتباط الأمهات بأبنائهن، وكانت المرأة هي المحور الأساسي الذي يدور حوله المجتمع البشري الناشئ، فهي ربة البيت و هي جامعة النباتات، و هي صانعة الأدوات، وهي ملهمة للحس الروحي و الجمالي و هي مربية الأطفال – والأهم على الإطلاق: صانعة الأطفال-.. بينما كان يقتصر دور الرجل على صيد الحيوانات وإبعاد الضوارى"(2).

و يزعمون أن أول الأنظمة التي اتخذتها الحياة الاجتماعية البشرية كان أنثويا خالصا، فأول آلهة عرفتها البشرية كانت أنثى وأول ديانة اهتدى إليها الإنسان هي ديانة الإلهة الأم… ومن هذه النظم الاجتماعية الأولية ظل الطابع الأنثوي ظاهرا في كل التشكيلات الاجتماعية و الدينية و السياسية الأكثر تعقيدا، حتى تحولت الحضارة البشرية تدريجيا خلال العشرة آلاف سنة الأخيرة من نظام أنثوي خالص( Matriarchal Societies ) إلى نظام ذكوري خالص(Patriarchal Societies )، ويشير "كافين رايلي" إلى أن السيطرة الأنثوية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، حيث يقول: "الشواهد كثيرة على أن العصر الحجري الحديث غلبت عليه الثقافة النسوية، بل والخصائص الجنسية النسوية. مثال ذلك: أن ربات الأمومة أو "فينوس" في العصر الحجري القديم، اللائي أخنى عليهن الدهر في الفترة المتأخرة من العصر الحجري القديم قد رجعن بكل قوة مع اكتشاف الزراعة. ولقد كانت النساء في العصر الحجري الحديث هن بلا شك مصدر الحياة، ليس فقط لاستحواذهن على خصائص القمر السحرية التي مكنتهن من ولادة البشر، بل لاكتسابهن السيطرة على الأرض والشمس حتى يستطعن إقامة أود الحياة التي قدمنها. فالنساء في العصر الحجري الحديث كن يبدون وكأنهن نصدر الخصب كله ومصدر الحياة كلها. وكانت الآلهة الكبرى عند الشعوب الزراعية، أي ربات الأرض، هن اللواتي يحيين الأرض بعد موتها فتزهر وتثمر، وهكذا اتخذ القدماء في بلاد ما بين النهرين الربات الأمهات تيامات Tiamat وننهورساج Ninhursag وعشتار Ishtar، واتخذ قدماء الهنود من الهندوس الربة كالي كما اتخذ المصريون ايزيس.. وكثيرا ما عبدت في مجتمعات العصر الحجري الحديث الأم الأرض، والابنة الشابة العذراء (كانت كلمة "عذراء" في تلك الأيام تعني "المستقلة" أكثر مما تعني "التي لم تلد" أو "الغريزة". والصورة اليونانية القديمة لهذا النمط هي ديميتير Demeter الأم الكبرى للأرض، وبرسيفوني الابنة التي تبعث حية من الموتى في كل ربيع مثمر"(3).
ويزعم  الكتاب النسويون أن "كل التظاهرات الحضارية الكبرى في العالم القديم بدأت أنثوية، و في عالم تحكمه النساء بالكامل ترعرعت الفنون والعلوم والتشيدات الحضارية والثقافية.. ومن أمثلة الحضارات القديمة التي حافظت على التكوين الأنثوي الأصلي للمجتمع البشري أو على الأقل أخرت التحول الذكورى مثل: حضارة سومر القديمة في الهلال الخصيب والحضارة المينوسية في جزيرة كريت، ويعتقد أن الحضارة المينوسية كانت من أكثر الحضارات القديمة تنظيما، وازدهارا في الفنون والثقافة والسلام الاجتماعي، مع أنها كانت مجتمعا أنثويا خالصا، تدير فيه المرأة كافة أمور الحكم و الاقتصاد، حيث كانت كل آلهة الديانة المينوسية إلهة مؤنثة، وكانت رأس الدولة هي “الملكة كبيرة الكهنة” و كان كل الكاهنات من النساء ، وتولت المرأة إدارة كل مناصب الحكومة و كانت الأطفال تنسب إلى أمهاتهم لا إلى أبائهم"(4).
هذه هي النظرة النسوية لتاريخ العالم القديم، حيث تعتبر دون سند أو دلائل أو شواهد تاريخية أن المرأة هي التي أسست هذه الحضارات وشيدتها وكانت لها السيطرة التامة عليها".
لكن لماذا حدث هذا التحول التاريخي وتمكن الرجل من السيطرة على مجريات الأحداث، وكيف تطورت الأحداث لكي يتمكن الرجل من فرض سلطانه على مسار التاريخ بعد ذلك؟؟ يتبع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات (الهوامش):
(1)العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ، د.عبد الوهاب المسيري ، دار الشروق.
(2) في البدء كانت فينوس، أحمد جمال يوسف، موقع مصر المدنية.
(3) الغرب والعالم، تاريخ الحضارة ، كافين رايلي، ترجمة عبد الوهاب المسيري ، كتاب عالم المعرفة.
(4) في البدء كانت فينوس، مرجع سابق.

JoomShaper