بسام حسن المسلماني
تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقالة، عن الرؤية النسوية لحركة التاريخ، وأشرنا إلى أن النسوية ليست مجرد دعوة للمساواة بين الرجل والمرأة، أو دعوة للمطالبة بحقوق المرأة، لكنها تجاوزت هذه المرحلة، إلى محاولة تأسيس رؤية تحاول إعادة صياغة كل شيء – التاريخ، واللغة، والفلسفة، والرموز، والفن، والأدب - استنادا إلى نظرة أنثوية تتم في إطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته، ومن ثم أعادت الحركة النسوية قراءتها للتاريخ في ضوء هذه الرؤية، معتبرة أن الأصل هو الهيمنة الأنثوية على حركة التاريخ، وأن أول الأنظمة التي اتخذتها الحياة الاجتماعية البشرية كان أنثويا خالصا، فأول آلهة عرفتها البشرية كانت أنثى، وأول ديانة اهتدى إليها الإنسان هي ديانة الإلهة الأم، لكن نتيجة لعدد من العوامل تمكن الذكر من السيطرة، ومن ثم نشأ الصراع الأبدي بين الأنثى والذكر، وأن نهاية التاريخ ستشهد تخلص الأنثى من السيطرة الذكورية.
وخلال هذه الحلقة سنعرض رؤية النسوية حول الأسباب وراء التحول التاريخي، وتمكن الرجل من السيطرة على مجريات الأحداث، وكيف تطورت الأحداث من وجهة النظر النسوية؛ لكي يتمكن الرجل من فرض سلطانه على مسار التاريخ بعد ذلك؟
النظام الأمومي:
تزعم النسوية أن أصل المجتمعات هو المجتمع الأمومي، وهو المجتمع الذي تسوسه المرأة، وينتقل نسبه من الأمهات إلى الجدات، لا من الآباء إلى الأجداد، كما أن القوامة في جميع مناحي الحياة كانت المرأة هو للمرأة، ولا سيما الأم، حيث تحتكر الأدوار المركزية القيادية السياسية والسلطة الأخلاقية. هو ما يعادل السلطة الأبوية. وهناك عدد من عالمات الأنثروبولوجيا النسويات مثل: هيلين داينر، وإليزابيث جولد ديفيز، وايفيلين ريد يفترضن أن هناك عشائر أمومية كانت موجودة قبل نشأة النظام الأبوي (1).
التحول للنظام الأبوي :
ترجع الكتابات النسوية التحول في حركة التاريخ إلى تطور وسائل الإنتاج متفقة مع الفكر الماركسي - إذا كان هذا التطور حسب التفسير الماركسي أدى إلى سيطرة طبقة أصحاب أدوات الإنتاج على طبقة العمال، فإنها بحسب الرؤية النسوية أدت لسيطرة الرجل على المرأة- ، حيث تزعم النسوية أنه نتيجة لاستمرار الإنسان في العصور القديمة في تطوير وسائل الإنتاج وزيادة إنتاجية العمل الاجتماعي، وبالتالي تطوير قواه المنتجة، ومن ثم بداية تحويل المعركة لصالح الرجل في علاقته بالطبيعة، فقد تطورت وسائل الإنتاج لتمر من دق الأحجار وطرقها، للحصول على نصال حادة وقع تجهيزها بمقابض خشبية إلى اكتشاف الحديد والنحاس والبرونز التي وقع الاستعاضة بها في صنع أدوات الإنتاج، بدلا من الحجارة مرورا بصناعة أدوات قاطعة، مثل: الحراب والسواطير والمناجل، وهو ما أدى إلى الرفع من وتيرة العمل وإنتاجيته.
ونتج عن ذلك ظهور أول تقسيم اجتماعي للعمل في التاريخ، ومن ثم تراجع الدور الاقتصادي للمرأة، وبالتالي فقدان المرأة مركزها القيادي لصالح الرجل. كما زاد في تعزيز موقع الرجل أكثر فأكثر، عندما أصبحت الزراعة تمثل القطاع الأساسي في الإنتاج خاصة منذ اكتشاف المحراث البدائي، واستعماله حيث أضحت الزراعة اختصاصا رجاليا بصورة تكاد تكون نهائية.
وهكذا وقع دفع المرأة إلى الصف الورائي في عملية الإنتاج الاجتماعي، واقتصر دورها على الإنجاب والعناية بشؤون المنزل، وحلّ بذلك النظام الأبوي محل النظام الأمومي.(2) .." و مع ازدياد السيطرة الذكورية على أدوات الإنتاج، زادت سيطرته على بقاع الأرض، وظهر الملوك الذكورـ وبالتالي ظهرت الآلهة المذكرة، وبدأت تتراجع الإلهة الأم في معظم الحضارات، من صدارة النظام الديني والاجتماعي، إلى مواقع متأخرة في منظومة آلهة ذكورية… ومع توحد الممالك وتكوين الإمبراطوريات الكبرى تراجع الوجود الأنثوي أكثر فأكثر في المنظومة الثقافية البشرية؛ ليحتل مكانها كبير الآلهة ورب الأرباب الذي يمثله على الأرض الملك الأعظم سيد كل الأرض"(3)- تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
القراءة النسوية للتاريخ:
وبحسب مزاعم الكتابات النسوية فإن "أكبر النماذج لهذا التحول الدراماتيكي يمكن تصويره في توحيد الملك مينا لمملكتي الشمال والجنوب في مصر في القرن 31 قبل الميلاد… فمع تكوين المملكة المتحدة، ازدهرت عبادة الإله حورس و تراجعت عبادة الإلهة الأم إيزيس سيدة الآلهة، وتم استبدالها بابنها الإله حورس، إله الحرب الذي أصبح الإله الرسمي للدولة المصرية… ويعتقد كثير من الباحثين أن الملك مينا من أسمائه “حور آحا”، والذي ترجمتها حورس المحارب الذي كان تجسيدا شخصيا للإله حورس… فكان توحيد مينا للقطرين و تنصيبه ملكا عالميا يعنى بالضرورة توحيد ديانة الإلهة حورس بوصفها ديانة عالمية.
ونلاحظ هذا التحول الثقافي في كل الحضارات تقريبا، بحيث تتراجع عبادة الإلهة المؤنثة الأقدم، و يحل محلها آلهة مذكرة أكثر قوة و عنفا وما حدث لإزيس (أو : حتحور) في مصر حدث في الهند “لشاكتى” الإلهة الأم العظمى أم الوجود وأصل كل شيء، التي تم تنحيتها لتصبح قرينة الإله شيفا كبير الآلهة، و الشيء نفسه حصل في بلاد الإغريق للإلهة جيا الإلهة الأم العظيمة، مع تطور الإمبراطورية الإغريقية......... ومع زيادة تكون المنظومة العالمية الموحدة، و تفحش الغرور الذكوري توسعت الإمبراطوريات أكثر و أكثر، وعُظمت الملوك أكثر وأكثر فعُظمت الآلهة الذكرية أيضا، وظهر كبير الآلهة أو رب الأرباب صاحب السلطة المطلقة على سائر الآلهة (مثل زيوس و شيفا) ثم تحولت كل الإلهة إلى إله واحد مفرد ذكري قوى مطلق القوة (آتون في مصر و يهوه في إسرائيل) - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا- ، له سلطة مطلقة قاهرة التي تنتقل تباعا للملك أو الإمبراطور الذي هو ظل الإله على الأرض.
ومع انهيار الإمبراطورية الرومانية، واعتلاء الحضارة المسيحية – كأبرز نموذج للثقافة الذكورية المطلقة في التاريخ – عرش أوروبا معلنة بداية العصور الوسطى السوداء .. (وما يقابله في الشرق الأوسط سيطرة العرب على شمال إفريقيا و غرب أسيا) تمكنت السلطوية الذكورية من فرض سطوتها الكاملة على سائر مظاهر المنظومة الثقافية والحضارية للمجتمع البشري في صورة الكنيسة و الملك، و تراجع معها دور المرأة في المجتمع البشري بشكل مخزي، حتى أصبحت في العصور الوسطى على هامش الحضارة البشرية، باعتبارها أصل الشر أو سلعة جنسية تباع بعدة دنانير، وتخزن في بيت الحريم، أو أصبحت حيوانا جنسيا يلجمون فمه وفرجه بأحزمة العفة، أو في أحسن الحالات مرضعة أطفال وهاوس كيبر (HouseKeeper).. ليس لها حقوق اجتماعية أو سياسية، وليست لها حق الامتلاك أو التعبير أو ملك أهلية نفسها فهي تباع وتشترى حتى أصبحت القيم الأخلاقية لهذا العصر: يجب على النساء أن يخجلن من أنهن نساء” ..
ومع نهاية العصور الوسطى في أوروبا وبداية عصر النهضة في أوائل القرن السادس عشر أدت الثورات الفلسفية والعلمية (اكتشاف كلستوفر كلومبس للعالم الجديد، وتطوير ديكارت للفلسفة العقلانية، وإعادة اكتشاف علم الطبيعة على يد نيوتن، و الثورة الدينية على يد مارتن لوثر)، و ما آلت إليه من تفجير الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر، وما تبعها من الثورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كل هذا أدى إلى نمو المستوى الفكري لدى الإنسان، وإعادته النظر في طبيعته وأصله ومدى رجاحة وعملية معتقداته الاجتماعية والسياسية بنظره موضوعية علمية، وفي ظل هذا التطور العلمي والثقافي في العصر الحديث ظهرت الحركات الإنسانية التي تنادى بالحرية والمساواة والعدالة، مثل: الدعوات إلى إلغاء العبودية و تجريم العنصرية والتمييز العرقي والديني.. ومن هذه الدعوات الحركات النسوية ”فيمينيزم” التي تنادى بالمساواة بين الرجل والمرأة، و استعادة المرأة حقوقها المسلوبة ومكانتها الاجتماعية المغتصبة، ودروها الفعال في قيادة الحضارة البشرية "(4).
هذه هي النظرة النسوية للتاريخ ، حيث لا يوجد أية دلائل أو شواهد تاريخية تؤيدها، وإنما هي بعض من الافتراضات الوهمية، وبعض النقول عن الديانات الوثنية.
وسنحاول في الحلقة القادمة تحليل هذه النظرة، وتفنيدها ومعرفة ما تستند إليه في تحليلها للأدوار التاريخية مع عرض موجز لحقيقة دور المرأة عبر التاريخ. يتبع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات (الهوامش):
(1) موقع ويكيبيديا، النظام الأمومي.
(2) الجذور التاريخيّة لاضطهاد المرأة ، د. عبد الله بنسعد ، موقع مصر المدنية.
(3) في البدء كانت فينوس، أحمد جمال يوسف، موقع مصر المدنية.
(4) في البدء كانت فينوس، مرجع سابق.
التفسير النسوي لحركة التاريخ (2)
- التفاصيل