بسام حسن المسلماني
عرضنا في مقالتين سابقتين رؤية الفكر النسوي لحركة التاريخ وتفسيراتهم لأحداث التاريخ، وأشرنا إلى أن النسوية ليست مجرد دعوة للمساواة بين الرجل والمرأة، أو دعوة للمطالبة بحقوق المرأة، لكنها تجاوزت هذه المرحلة، إلى محاولة تأسيس رؤية تحاول إعادة صياغة كل شيء – التاريخ، واللغة، والفلسفة، والرموز، والفن، والأدب - استنادا إلى نظرة أنثوية تتم في إطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته، ومن ثم أعادت الحركة النسوية قراءتها للتاريخ في ضوء هذه الرؤية، معتبرة أن الأصل هو الهيمنة الأنثوية على حركة التاريخ، وأن أول الأنظمة التي اتخذتها الحياة الاجتماعية البشرية كان أنثويا خالصا، فأول آلهة عرفتها البشرية كانت أنثى، وأول ديانة اهتدى إليها الإنسان هي ديانة الإلهة الأم، لكن نتيجة لسيطرة الرجل على أدوات الإنتاج بعد تطورها، تمكن من السيطرة على حركة التاريخ، وقام بتهميش دور المرأة واسترقها عنده كخادمة ومربية لأبنائه وأداة لإطفاء شهواته. ومن ثم نشأ الصراع الأبدي بين الأنثى والذكر، وترى النسوية أن نهاية التاريخ الحتمية ستشهد تخلص الأنثى من السيطرة الأبوية الذكورية والعودة مرة أخرى مجتمع الأمومة.
- القراءة النسوية للتاريخ مسكونة بهاجس الشك والاحتمالات، وليست حقائق علمية، بل إنها هواجس تعارض كل ما هو ثابت في النصوص التاريخية، و معظم مادتها تعتمد على خيال الكاتب وافتراضاته، التي لا يوجد ما يؤيدها من وقائع وشواهد تاريخية، وحتى النصوص التي يتم ذكرها على قلتها فهي مليئة بالثغرات، ولا تحتمل ما يفهمونه من معان ويسردوه من أحداث، بل ويتم تأويل هذه النصوص بما يخدم الفكرة التي تحاول النسوية ترسيخها. فليس معنى ديانة الآلهة الأم هو تحكم الأنثى وسيطرتها على المجتمع، فهناك ديانات العجل أبيس وعبادة النار وغيرها، فهل معنى ذلك سيطرة الحيوانات على المجتمعات، وليس هناك ما يشير إلى أن عبادة الإلهة الأم هي أول ديانة في التاريخ، بل الثابت أن التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبودية ظل دين البشر حتى وقع الشرك في عهد نبي الله نوح عليه السلام.
- القراءة النسوية للتاريخ تجعل من شخصيات نسائية هامشية ذكرت في بطون الكتب بشكل عرضي، محورا ومركزا فاعلا في حركة التاريخ، وتسرد حولها قصص مخترعة وخيالات في محاولة لترسيخ مفهوم مركز الأنثى في حركة التاريخ.
- النسوية في الوقت الذي تتهم فيه المؤرخين بتوجيه التاريخ بحسب رؤى وأنساق معينة وهي ذكورية على حد زعمها، نجدها تمارس الفعل ذاته، حين تغضّ الطرف عن تفاصيل ووقائع وأحداث وجزئيات تتعارض مع الرؤيا التي تسعى إلى تأسيسها، أو حين تحجم عن الإفصاح عن المرجعية التي استندت إليها بشكل واضح وصريح.
- تعتمد النسوية في تحليلها لحركة التاريخ على التحليل الطبقي الماركسي للتاريخ، لكنه يستبدل طبقة العمال المضطهدة بالمرأة التي تم تهميشها واسترقاقها، من خلال سيطرة الرجل على أدوات الإنتاج، ومن ثم كان الصراع بين المرأة المضطهدة والرجل المسيطر، وقد أثبتت الأيام تهافت هذا التفسير لحركة التاريخ مع سقوط الشيوعية، فالتكامل بين المرأة والرجل هو الأصل، ويظل الصراع هو حالات استثنائية ومحدودة وشخصية لا يمكن تعميمها.
- الفكر النسوي بشكل عام والتفسير النسوي للتاريخ بشكل خاص، كان رد فعل للصورة المتدنية للمرأة التي رسمها القساوسة، والتي حفل بها التراث الديني والفلسفي الغربي، حيث كان يتم تصويرها في الكتابات التاريخية والسرد الديني أنها مصدر الشرور.
وقد كانت أفكار العديد من القديسين حول المرأة، القاعدة الأساسية التي شكلت بعد ذلك الفكر الغربي المسيحي, فقد حملوا المرأة خطيئة آدم عليه السلام, فأصبحت بذلك باباً للشيطان والمسؤولة عن الانحلال الأخلاقي، وتردي المجتمعات البشرية, ومن ثم أصبحت المرأة ألدَ أعداء الرجل, وهي صديقة حميمة للشيطان.
وقد أقر بولس- رسول المسيح في المعتقد المسيحي- المبدأ الرئيس في التراث الغربي المسيحي تجاه المرأة قائلاً: "ولكني أريد أن تعلموا أن المسيح هو الرأس لكل رجل, أما رأس المرأة فهو الرجل". (الرسالة الأولى إلى كورنثوس:11-3).
ويقول أيضاً: "ذلك أن الرجل عليه ألا يغطي رأسه باعتباره صورة لله ومجده, وأما المرأة فهي مجد الرجل, فإن المرأة أخذت من الرجل, والرجل لم يجد لأجل المرأة, بل المرأة وجدت لأجل الرجل". (الرسالة الأولى إلى كورنثوس:11:7-10).
انعكست هذه الأقوال التي اتخذت شكلاً مقدساً على الكنيسة, فأصبحت كراهية المرأة في الفكر الغربي سائغة دينياً, لهذا لم تعط الكنيسة أية وظيفة كنسية للمرأة؛ لأنها في مرتبة أدنى عند الرب. وأصبحت المرأة في الفكر الغربي رمزاً للخضوع والسيطرة والتبعية للرجل الأبيض الذي يمتاز بالسمو والتفوق والعقل. لقد ثارت المرأة في الفكر الغربي المعاصر على هذه النصوص التي تقلل من شأن المرأة في الحضارة الغربية. وهذا إن كان له ما يبرره في الغرب، فليس له أي مبرر في عالمنا الإسلامي، حيث ظلت المرأة مكرمة عبر تاريخ الإسلام، تشارك الرجل في بناء ونهضة المجتمعات، وتقف معه جنبا إلى جنب دون اضطهاد ولا تمييز، بل هناك من النساء من هن أفضل من كثير من الرجال، وقد سرد القرآن قصصهن كامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وبلقيس ملكة سبأ.