سلام نجم الدين الشرابي

"كم بذلت من التضحيات من أجلكم".. "أفنيت عمري لإسعادكم". عبارات تتردد في كثير من البيوت، خاصة على لسان الأمهات اللواتي يكرّسن حياتهن كلها لأولادهن، فإن أخذتهم الدنيا بمشاغلها ومسؤولياتها بعيداً عنهن أصبن بالإحباط والشعور بالهزيمة.

غالباَ ما تضع النساء بيضهن كله في سلة واحدة، ثم إذا انكسر البيض شعرن بالحزن والغبن، فنرى امرأة فقدت حياتها النفسية والمعنوية بفقدها زوجها،  سواء بطلاق أو وفاة أو ارتباطه بزوجة ثانية، وأخرى دخلت في حالة اكتئاب بسبب بعد أولادها عنها، وانشغالهم بحياتهم الخاصة بعد أن كرّست عمرها لتربيتهم، وتركت الدنيا وما فيها لأجلهم، فوجدت نفسها بعد رحلة طويلة من العطاء والتضحيات وحيدة في الركن البعيد الهادئ. 

وامرأة أخرى وصلت سن التقاعد فأرغمت على ترك وظيفتها التي أدمنتها منذ سنين لا تعرف لها مسؤولية أخرى، وفجأة وجدت سنينها قد قذفتها بعيداً عن عملها الذي كان يملأ حياتها، فتشعر بالغبن أن يقذف بها وبخبراتها لتستلم مكانها موظفة جديدة لا تعرف عن العمل شيئا ولا تحمل من الخبرة مثقال ذرة.

وكل ما سبق مؤلم، ولكنها الدنيا التي لا تدوم لأحد، إن أدرك حقيقتها المرء هانت بمصائبها وتقلباتها عليه.

الأمر الثاني: إنه من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها هو توجيه عواطفنا واهتمامنا لجهة بعينها أو شخص معين، نكرس حياتنا كلها له، فنصاب بالإحباط والهزيمة، إن تخلى بإرادته عنا أو أرغمته الدنيا على تركنا أو أرغمتنا الدنيا على تركه.

الحياة بوسعها وتنوعها وجمالها وغدرها تتطلب أن يكون للإنسان أكثر من مرتكز؛ جزء نخصصه لأنفسنا، وجزء لأزواجنا وآخر لأطفالنا، وللأهل والأقارب مكانتهم، وجزء للعمل والدراسة، وآخر للهوايات وتطوير الذات، وكذلك للتطوع ومشاريع الخير، وأن نحذر كل الحذر من قصر اهتماماتنا وعواطفنا على جهة واحدة فحسب؛ لأن البقاء لله فقط، والدنيا بأسرها فانية فكيف يتعلق قلب امرئ بجزء منها؟

ما سبق يحتم علينا امتلاك القدرة على التوازن في حياتنا وعواطفنا واهتماماتنا، وألا نتعامل مع أي منحى من مناحي الدنيا على أنه المنبع الوحيد لسعادتنا وأن لا حياة لنا إلا به، ولنحمي قلوبنا بعقولنا من أن تتعلق بغير الله، فنعذب بما تعلقت قلوبنا به، وأن نضع في حسباننا الاحتمالات الأخرى من فقد وتغيير حال، حتى تكون ردة فعلنا متوازنة وأن يسبق الحمد والشكر منا الغضب والحزن.

فلنبدأ بتعلم مهارة التوازن، والتمرن على ممارستها في كل أمور حياتنا؛ التوازن في عواطفنا ومشاعرنا الإيجابية منها والسلبية، التوازن في أفكارنا بحيث لا يقوى تيار على جرفنا إلا وقد حكمنا عقلنا وقيمنا، التوازن في التعامل مع ذواتنا، التوازن في توزيع اهتماماتنا ومسؤولياتنا، بحيث لا يطغى أمر من أمور حياتنا على آخر، ولا دور مناط بنا على دور آخر نفضله، وليكن شعارنا  التوازن والوسطية في كل أمور حياتنا ولنتذكر أن الله خلقنا أمة وسطا ... }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً{سورة البقرة143.

JoomShaper