فاطمة عبد الرءوف
يبدو أن معركة الحجاب في عصر العولمة لن تكون بالمعركة البسيطة التي تتحدد نتائجها بطريقة الضربة القاضية، فعلى الرغم من مرور عشرات السنوات منذ أن هبت رياح الصحوة وعلى الرغم من نجاح ليس بالحجم الصغير لصالح قضية الحجاب إلا أنه من الواضح أن المعركة لازالت طويلة.
معركة الحجاب ليست معركة لقضية فقهية فحسب كما قد يتصور البعض، وإن كان الخمار والجلباب أو ما نطلق عليه الحجاب حكم شرعي قاطع معلوم من الدين، وبغض النظر عن الخلاف الفقهي المعتبر في بعض التفاصيل (الوجه والكفين).
معركة الحجاب في عصر العولمة أصبحت معركة هوية أصبح الحجاب لها رمزا، ومنذ بدأ ينتشر الحجاب وتتسع قاعدته كان ثمة محاولة تفكيك داخلية.. لباس يطلقون عليه حجاب ولكنه في الحقيقة وإن صح التعبير حجاب جاهلي، فالمرأة في العصر الجاهلي كانت تضع غطاءًا للرأس تلفه للخلف (مثل الاسبانش)، وتبرز قرطها وسلاسل ترتديها وربما نطاق في خصرها وكانت ثيابها طويلة سابغة.
وبالتالي فلم يصل الحجاب الجاهلي لمستوى الحجاب العصري الذي ترتديه بعض الفتيات وترى نفسها بذلك أنها حشمة ومعتدلة وآخر تلك الصفات والنعوت التي لامحل لها من الإعراب.

ما صدمني حقيقة ليس هذا الصنف من الفتيات ولا هذا النوع من الحجاب.
ما صدمني حقيقة وجعلني ألجأ للكلمات أبثها حزني وألمي ومخاوفي وهواجسي هو نوعية أخرى مختلفة تماما، أخوات أحسبهن على خير وعلى الرغم من ذلك هُزمن في معركة الحجاب،  ولم يعترفوا بالخطأ والهزيمة، بل برروا وفلسفوا الأمور فمرة تقارب مع المجتمع ومرة الحجاب ليس له شكل محدد وهو قول حق يراد به باطل، وهو قول يكذبه عدم استيفاء الشكل الجديد للشروط الشرعية. نعم من حقك ارتداء الخمار المصري أو عباءة الرأس الخليجية أو العباءة العراقية أو ...

ومن حقك ارتداء اللون الذين يناسبك على ألا يكون ملفتا في مجتمعك، ولكن ليس من حقك ارتداء ملابس بها مخالفات واضحة سأتحدث عنها لاحقا، وتقولين هذا حجاب شرعي يجمع بين الشروط الشرعية والأناقة العصرية.

صدمتني هذا الأسبوع أختان لهما في قلبي مكانة خاصة:

الأولى: كانت رمزا من الجيل الاول الذي ارتدى الحجاب بعد الصحوة فوجئت بصورتها على الفيس بوك بحجاب من ذلك النوع العصري إيشارب صغير بلونين مختلفين وصفحة يغيب عنها الحماس القديم تمتلأ بالحزن والألم.

والأخرى: كانت سببًا مباشرًا في ارتدائي للحجاب فقد شجعتني عليه كثيرا وعرفتني على أخوات ودروس.. كانت وقتها ترتدي جلبابا سابغا وخمارا لا يشف.. رأيت صورتها هذا الأسبوع أيضا على الفيس بثوب ضيق من الخصر وعليه إيشارب صغير يغطي فتحة العنق فكانت صدمتي الكبيرة.

النموذجين السابقين أعرفهما شخصيا ولكن هناك نماذج كثيرة جدا من الصالحات اللاتي تخففن من الحجاب، ووضعن عنهن ثيابهن وليسوا من القواعد اللاتي قال الله عنهن: {والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. النور: 60

للأسف البعض منهن انهزمن نفسيا أمام التيار العلماني الذي كان يطلق على الخمار الحقيقي مصطلح "خيمة" حتى إن أحدى هؤلاء الأخوات للأسف اعتبرت اللباس الشرعي زيّ البوابين والفلاحين.

وهذه نماذج لأنواع من اللباس التي تظن من ترتديها أنها على الحق وليس الأمر كذلك:

ـ جونلة واسعة سابغة وخمار واسع ولكن أسفله بودي ضيق، فعندما تتحرك الأخت حركة بسيطة يكون النصف العلوي من جسدها شديد الوضوح. والأسوء من ذلك أن يكون الخمار شفاف أو نصف شفاف منسدل على البودي.

ـ معطف أو عباءة ليست ضيقة ولكنها أيضا ليست فضفاضة مع إيشارب صغير يغطي فتحة العنق فالجسد واضح ومحدد في هذه الحالة، خاصة لو كانت الأخت ممتلئة، والحل أن  تكون العباءة فضفاضة أو ترتدي فوقها خمارا سابغا (كالخمار المصري أو طرحة كبيرة جدا وغير شفافة أو ملفتة) أو جلبابا(أو ما يطلق عليه إسدالا أو ملحفة) وهذا هو معنى الثياب التي تضعها المرأة عند الخروج ولا تلزم بها القواعد من النساء فليس من المعقول أن القواعد من النساء سيكشفن عن رؤوسهن أو سيتعرين مثلا.

ـ بعض الأخوات أصبحن يرين في الحديث عن تفاصيل شروط الحجاب في ذلك الوقت المليء بالفتن والمشكلات ليس من الأولويات، ولكني أريد أن أسألهن سؤالا:

ماذا كانت نتيجة فلسفة التساهل على أرض الواقع ليس في موضوع الحجاب فقط ولكن في التقارب مع العلمانيين الذين تحالفوا مع العسكر وكانوا الواجهة التي دعمت الانقلاب؟.

مع النصارى الذين قدمنا لهم التهاني في الأعياد وتحدثنا عنهم كإخوة وتحفظنا أن نتحدث عن الشرك الذي وقعوا فيه ثم كان معظمهم وقودا للانقلاب رغم كل رسائل الطمئنة التي وصلت لهم؟.

مع الفنانين الذين جلسنا معهم على طاولة واحدة لم نقدم فيها نقدا للفن الهابط الذي حطم أخلاق الشباب؟.

نتساهل حتى يقبلوننا فيزدادوا منا نفورا.. نتهاون في ديننا حتى يكونوا لنا شركاء فينقلبوا علينا.

الشيخ الذي هاجم فنانة رديئة كان مصيره السجن في عهدنا لا في عهد الانقلاب، والمعلمة التي تشددت شيئا وهي تعاقب فتاة على رفضها للحجاب أوقفت عن العمل في عهدنا لا في عهد الانقلاب.

لم نأخذ خطوات فعلية حقيقية في مشروعنا واكتفينا بعموميات وتفاصيل الحياة اليومية فأصبحنا بلا طعم ولا لون ولا رائحة. مجرد حكومة تم الترويج على أنها فاشلة دون أن تمتلك وسيلة إعلامية ترد عنها هذه الاتهاما.. حتى أننا لم نصارح الشعب في الوقت المناسب بطبيعة المؤامرات العميقة التي تحاك له ببساطة لم نلتزم بأوامر ديننا ولم نلعب باحتراف في أمور الدنيا.

حتى الدعوة أهملناها وربما لازلنا كذلك تحت وقع التحديات السياسية.

ليس جلدا للذات، ولا حديثا في غير وقته، وإنما إعادة لتقييم الموقف. هل خذلنا الله لأننا بالفعل لم ننصر دينه كما أراد ووفقا للشروط التي وضعها {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} الحج : 41، لا وفقا للشروط السياسية البرجماتية ؟ مجرد سؤال.

JoomShaper