لعلَّ مِن أكثرِ الأمور التي تشغلُ بالَ المرأةِ العاملةِ عندَ نُزولِها لسوق العمل هو كيفيَّةُ توزيعِها لراتبِها على مختلفِ شؤونِ حياتها، وهل يجبُ عليها أنْ
تُساهمَ بالمقدارِ الأكبرِ من راتبِها في المنزلِ أم يجبُ أن تعملَ حسابًا لنفسِها؟
تجلسُ أوَّلَ كلِّ شهرٍ تُحاول أنْ تُوزِّعَ راتبَها الشَّهريَّ على ما تريدُه من
احتياجاتِها، طامعةً في أن يتبقَّى مِنَ الرَّاتبِ مَا يسمحُ لها بشراءِ بلوزةٍ جديدةٍ، وتساءلتْ خلال تفكيرِها مع نفسِها: هل يُعقل أنْ أتعبَ طوالَ الشَّهرِ ولا أستطيعُ في النِّهايةِ أن أشتريَ لنفسي بلوزةً.. هل يجبُ أنْ أضعَ راتبي كلَّه بالمنزلِ؟ ".
تقول أميرة إبراهيم: " أرَى أنَّ راتبي خاصٌّ بي ولا يجبُ أن أُساهِمَ به في شؤونِ المنزلِ إلَّا عندَ مُلاحظتي لحاجةِ زوجي إلى ذلك، ولكنْ إذا ما رأيتُ الأمورَ تسيرُ على ما يُرام أقومُ بادِّخَارِ راتبي كلَّ شهرٍ".
وتُؤيِّدها في الرَّأيِ مرفت إبراهيم بقولها: "أنا عوَّدْتُ زوجِي منذ البداية أن تكون مساهمتِي في المنزل رمزيَّةً، ومع بدايةِ كلِّ شهرٍ أذهبُ إلى البنك لوضعِ معظمِ الرَّاتبِ، والباقي أتركُه للنَّفقاتِ الشَّخصيَّةِ أو احتياجاتِ الأولادِ "
وتضيف: "إنها ترى أنَّ الرجَل هو المسؤولُ عن الإنفاقِ، وأنَّه إذا اعتاد مشاركةَ زوجتِه بكِّل راتبِها سيحتفظُ هو براتبِه وقد يُفاجِئُها ويتزوَّج عليها، لذا يجبُ أن ُينفقَ كلَّ ما معه".
" المضطرُّ يركبُ الصَّعْبَ " هكذا عبَّرتْ عن موقفِها رُفيدة عيسى موضِّحةً موقفَها بقولِها:" رُزِقتُ بزوجٍ مبذِّرٍ جدًّا فيما يخصُّ المأكلَ والمشربَ فقطْ، لذا فأنا المسؤولةُ عن احتياجاتِ الأبناء، ولأنَّ لديَّ ثلاثَ بناتٍ، فإنَّني أُنفق مرتَّبي كلَّه عليهنَّ؛ لِيَظْهَرْنَ بمظهرٍ طيِّبٍ، و لا أشعرُ بما آخذُه من مرتَّبٍ؛ لأنه يذهبُ كلُّه للبناتِ".
ومحاولةً منَّا في تقليلِ الحيرة التي تقعُ فيها المرأةُ العاملةُ، نقلنا لكم رأيَ المتخصِّصين في هذا الأمرِ..
تقول د. عزَّة كريم أستاذةُ علم الاجتماع: الحياةُ الزوجيَّةُ تعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على المشاركةِ بين الزَّوجين، ومع نُزولِ المرأة للعمل أصبحتْ تستقطعُ وقتًا من الوقتِ المخصَّصِ لبيتها، مِن هُنا يكون من المنطقِيِّ أن تُساهمَ اقتصاديًّا في البيت، وأن تُشاركَ برِضًا وألَّا تكونَ أنانيَّةً فتحتفظَ براتبها لنفسِها.
وأضافتْ: إنَّ المشكلةَ الأساسيَّةَ تكمنُ في رُضوخِ المرأة لمسألةِ أخذِ مرتَّبِها بالكاملِ على أساسِ أنَّ هذا هو الوضعُ السَّائدُ، ولكيْ لَا تهدمَ بيتَها وهذا خطأٌ كبيرٌ، ويجبُ على كلِّ فتاةٍ مُقْدِمَةٍ على الزواج أن تؤِّكدَ استقلالَها المادِّيَّ، أو استحواذ كامل من الزوج
ونصحتْ كلَّ عاملةٍ متزوِّجةٍ أن تتفاهمَ مع زوجِها بصراحةٍ وهدوءٍ في أن يكونَ لها استقلالٌ مادِّيٌّ على ألَّا يتعارضَ مع مشاركتِها في نفقاتِ البيتِ، لكنْ دونَ إجبارٍ حتى لَا تعيشَ وهى مفتقدةٌ الأمانَ الاقتصاديَّ، أو أن تشعر أنَّ مرتَّبَها لعنةٌ عليها؛
لأنَّها لا تستمتعُ به وأنَّ زوجَها أو أهلَها يستغلُّونها.
وتؤكد د. آمنة نصير - أستاذة الفلسفة- أنَّ الإسلامَ كرَّم المرأةَ وحَفِظَ لها استقلالَها الماليَّ عن زوجِها، ولا يجوزُ لزوجِها أخذَ شيءٍ من مالِها الخاصِّ إلَّا بعد استئذانِها، وبعدَ نزولِ المرأة لسوقِ العمل أصبح من العُرفِ السَّائدِ والجائزِ شرعاً أن تعطيَ جزءًا من دخلِها لزوجها للمساهمة في نفقاتِ الأسرة.
وعلى الجانبِ الآخَرِ يجبُ على الزَّوجِ أن يُراعِيَ أنَّ مساهمةَ الزوجة يجب أن تتمَّ عن رضًا وإذا كانت ملتزمةً بتقديمِ مساعدةٍ مَا لأسرتِها فيجب ألَّا يمنعَها ، ويجب ألا يتخطَّى حدودَه ويأخذَ عائدَ عملِها كلَّه؛ لأنه بذلك يأكل سُحْتًا ولا يجوز شرعاً؛ لأنَّ الإسلامَ حفظ لها كافَّةَ حقوقِها، والجورُ على أيٍّ من هذه الحقوقِ يُعَدُّ خرقًا للشرعِ وغيرَ مقبولٍ.
عزيزتي المرأةُ العاملةَ.. مُرتَّبُك مِن حقِّ مَنْ؟!
- التفاصيل