عبدالهادي راجي المجالي
لايوجد يوم واحد للمرأة , فكل الأيام لها ...
في هذه المناسبة أتذكر أمي , عاشت وماتت وهي لم تخلع (المدرقه) ..ولا أتذكر يوما أنها فوتت موعد صلاة , ولم أعد يوما للمنزل دون أن أجد طنجرة ممتلئة بالطبيخ ..
أمي كانت تجيد طبخ (المحاشي) , وكانت تصر على أن المنسف يحتاج (للحطب) وهي التي ربتنا جميعا وهي التي أشرفت على تربية جميع الاحفاد ,وأتذكر أنها كانت تصر حين يأتينا حفيد على أن ترفع الأذان , قرب مسمعه .
قبل أن تموت بيومين , كنت أعاني من ألم حاد في الأذن , واصرت على مداواتي عبر وضع قليل من زيت الزيتون الحامي في الأذن , وأنا كنت أؤمن أنها أهم من كل الأطباء وأتذكر أنها قرأت ايات من سورة الفلق ..لم يشفني الزيت ولكني أظن أن الله يسمع دعاء الأمهات , ويستجب لهن .

كانت تجيد طبخ المحاشي , وخرط الكوسا , وللعلم هي أمهر من يطبخ (شوربة العدس) ما مر يوم علي في حياتها , وعدت لمنزلنا إلا ووجدتها , إما تطبخ وإما تنظف المنزل وفي وقت الفراغ , كانت تلظم الخيط بالإبرة ..كيف من أجل رتق شقوق الملابس .

أنا استغرب من النساء اللواتي يتحدثن عبر المايكريفونات , في فنادق الخمس نجوم حول المرأة وحقوقها ..هل يا ترى يجدن طبخ المحاشي مثل أمي ؟ ...هل يجلسن في وقت الفراغ ويعرفن لظم الإبرة ...؟ هل يفقن في الخامسة فجرا , من أجل إعداد إفطار لكتيبة كاملة من العائلة قبل ذهابهم إلى المدارس ...

هل يعرفن سكب نقاط الزيت في الاذن التي تعرضت للإلتهاب , هل يعرفن ...كيف يقمن عائلة كاملة من الصبر والرضى .

في بلادنا , المرأة هي عمود المنزل وأساسه , يتحدثون عن أدوارها في العمل والحقوق وتجنيس الابناء , ولكن الجميع يتغاضى عن دورها في المنزل والتربية , لم أجد مقالا واحدا يتحدث عن الحب والعاطفة والصبر ...وحجم الرضى الذي تنثره على الأولاد والأب .

كل اللواتي تحدثن عن حقوق المرأة ودورها , كنت أتمنى أن أرى أو استمع منهن لأدوارهن في المنازل ...

على كل حال , أمي لم تكن تجيد القراءة والكتابة , ولكنها اصرت أن أدخل الجامعة وعلمتني كل طقوس الحرف فقد جعلتني أحفظ كامل التراث الغنائي في الكرك ..والأهم أنها علمتني الصبر والحياة , وماتت وهي تقاتل السرطان ببسالة وضراوة ...وهزمته فترة طويلة ....وحين كبرنا , قررت الموت .

أمي لم تكن سيدة فقط ..بل كانت وطنا من الورد والحب , هل يوجد أنثى تختزل في قلبها وطنا ...؟

JoomShaper