لها أون لاين
بدأ الغرب يحصد تبعات الانجرار وراء الاتفاقيات والمعاهدات الدولية كالسيداو وغيرها، التي تدعو إلى إزالة أي فوارق طبيعية بين المرأة والرجل في الأدوار والتشريعات. وتدعم الزنا، وإباحة الإجهاض، وحقوق الشواذ، إذ يعاني المجتمع الغربي الآن من قلة عدد المواليد، مقارنة بعدد الوفيات، الأمر الذي يجعله في ورطة أمام إيجاد حلول ناجعة لتخطي هذه الأزمة، بعد السياسات الطويلة للحد من تزايد أعداد المواليد.
الدراسات الجديدة الآن تبحث في الأسباب التي أدت لتراجع نسبة الولادات في الدول الغربية، منها دراسة حديثة أجرتها مجلة شبيغل أولاين الألمانية، توصلت إلى أن استخدام حبوب منع الحمل ليس هو السبب الرئيس وراء تراجع نسبة الولادات في الدول الغربية بخلاف ما هو شائع، وذلك بناء على حقائق وأرقام شملتها الدراسة، بينت أن تراجع عدد الولادات بدأ منذ الثورة الصناعية بداية القرن 19، تزامنا مع تطور الاقتصاد وتقدم الطب، وأن تغير نظرة المجتمع لدور المرأة والرجل هو ما ساهم في انخفاض نسبة الولادات.
وبعدما كان الغرب يخشى ارتفاع معدلات النمو السكاني، يقف الآن قلقاً أمام هذه المشكلة؛ إذ إن أكثر من 80 دولة تعاني من قلة أعداد المواليد. وبالتالي أصبحت هذه الدول بحاجة إلى تدفق كبير من المهاجرين سنوياً، لمنع وصول النمو السكاني إلى ذروته، ومن ثم انخفاضه مرة أخرى.

ففي مقال نشره الكاتبان غاري بيكر، وريتشارد بوسنر في مدونتهما ذكرا أن أكثر من 40% من سكان العالم يعيشون في هذه الدول التي تعاني من انخفاض عدد المواليد، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، دول أوروبا الغربية، والصين، واليابان، وروسيا، وبولندا، وكندا. **

وبحسب ما ذكر المقال فإنه منذ وقت ليس ببعيد، كان ارتفاع معدلات الخصوبة في العالم وتزايد السكان بسرعة هائلة مصدراً لإثارة القلق. لكن الأمر قد اختلف الآن، وأصبح مصدر القلق هو انخفاض معدلات المواليد، وانخفاض النمو السكاني، حيث قام العلماء هناك بقياس مستوى الخصوبة وفقاً لمعدل الخصوبة الكلي، والذي يعادل متوسط عدد الأطفال الذي تنجبهم المرأة في حياتها. ويذكر أن البلدان ذات معدلات الخصوبة الكلية أقل من مستوى الإحلال المقدر ب2.1 طفل لكل امرأة، تقع ضمن قائمة الدول ذات معدلات الخصوبة المنخفضة. وفي الأساس، لم يكن هناك أي دول تقع ضمن هذه القائمة في عام 1970م، لكن مع نهاية كل عقد تزداد أعداد الدول التي تكون فيها معدلات الخصوبة أقل من مستويات الإحلال. علاوة على ذلك، لم ترتفع معدلات الخصوبة مرة أخرى، في أي دولة عن مستوى الإحلال، بعد أن كانت أدناه.

ويورد المقال أن المناقشات ازدادت مؤخراً في العديد من الدول ذات مستوى الخصوبة المنخفض حول الآثار السلبية لقلة عدد الأفراد الأصغر سناً، وآفاق انخفاض النمو السكاني، الذي تحول بالفعل إلى حقيقة واقعة في ألمانيا، واليابان، وروسيا، وبعض الدول ذات مستويات الهجرة المنخفضة. حيث ذكر الكاتبان أنه في البلاد الأكثر ثراء، يتم تحصيل الأموال اللازمة لمعاشات المتقاعدين، والرعاية الطبية لكبار السن بشكل أساسي من الضرائب التي تُفرض على الشباب العامل. ومن المتعارف عليه أن انخفاض معدلات المواليد يؤدي في النهاية إلى قلة عدد الرجال والسيدات ممن هم في سن العمل، وبالتالي قاعدة ضريبية أصغر لتمويل مدفوعات الضمان الاجتماعي الأعلى.

ويرى الكاتبان أنه على الرغم من كون الصعوبات المحتملة لتمويل استحقاقات الضمان الاجتماعي تستحوذ على أكبر قدر من الاهتمام، فإن هناك آثارا سلبية أخرى لانخفاض معدلات المواليد، قد تكون على القدر نفسه، أو قدر أكبر من الأهمية. إذا إن انخفاض مستوى الخصوبة يقلل من معدل الابتكارات العلمية وغيرها من الابتكارات الأخرى، حيث عادة ما تأتي الابتكارات بشكل رئيسي من الأفراد الأصغر سناً في المجتمع. علاوة على ذلك، فإن الشباب والأفراد الأصغر سناً بشكل عام أكثر قدرة على التكيف، وهذا هو السبب في أن الصناعات الحديثة، مثل الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، عادة ما تجذب العاملين الأصغر سناً ممن لا يهتمون كثيراً بالصناعات الأكثر قدماً.

وتفند مقالة بيكر وبوسنر المخاوف والمزاعم التي تحدثت عن أضرار ارتفاع معدلات المواليد، كانخفاض نصيب الفرد من الدخل، أو التأثير السلبي لإمدادات الطعام ومستوى المعيشة، أو انخفاض مستوى التعليم، وتبين أنها مخاوف عارية عن الصحة. إذ دعا الكاتبان إلى المقارنة بين الآثار السلبية المحتملة للنمو السكاني الكبير، والفوائد الكبيرة التي يمكن الحصول عليها من وجود المزيد من السكان في المجتمع. وتشمل هذه الفوائد زيادة أعداد الأفراد الأصغر سناً، والأكثر قدرة على الابتكار، حيث بإمكانهم التوصل إلى وسائل أكثر كفاءة لزراعة المحاصيل الغذائية، ودفع الأموال اللازمة للرجال والنساء المتقاعدين. كما أن زيادة أعداد السكان تزيد أيضاً من الطلب على العقاقير الجديدة، والبرمجيات، والشبكات الاجتماعية، وغيرها من الابتكارات ذات العائدات المتزايدة المرتبطة بوجود عدد أكبر من السكان.

ومن الأدلة التي ساقها الكاتبان لدحض ادعاءات المنادين بتحديد النسل، أن النمو السريع لتعداد السكان في العالم على مدى الـ250 سنة الماضية، قد صاحبه ارتفاعاً غير مسبوق في نصيب الفرد من الدخل في جميع أنحاء العالم.

وهذا ما جعل الصين الآن تفكر جدياً في إجراء تعديل كبير أو التخلي تماماً عن سياسة الطفل الواحد، لما لها من أثر على عدد الشباب والأفراد الأصغر سناً، وانخفاض عدد السكان. أما فرنسا، فقد وضعت نظاماً قوياً ومكلفاً من الدعم المالي للأسر التي تنجب طفلين أو أكثر. وتناقش، أو في بعض الأحيان تنفذ، كل من ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وروسيا وغيرها من الدول الأخرى، برامج مماثلة لدعم الطفل.

إلا أن التحدي الآن أمام الدول الغربية هو ابتكار وحلول ناجعة لزيادة معدلات الخصوبة، حيث يعترف الكاتبان في مقالتهما بأن تطبيق برامج دعم الخصوبة والتشجيع على الإنجاب باهظة الثمن، وعالية التكاليف، مع الجزم بأن زيادة عدد السكان في العالم الحديث لها فوائد أكبر من التكاليف.

أحد التعليقات الملفتة على مقالة بيكر وبوسنر لأحد المراسلين ويدعى جوش، والذي كان مصيره الحذف فيما بعد يقول فيه: لنكون صادقين. إذا كان هناك أكثر من 9 ملايين من الأميركيين مثلي الجنس، فكيف لا نجد انخفاضاً في معدلات المواليد؟!

إن الغرب الآن مضطر إلى بذل الكثير من المال والجهد، إضافة إلى الوقت لإنجاح مشاريع دعم الخصوبة؛ بهدف تشجيع أفراده على الإنجاب بعد الشوط الكبير الذي قطعه لإقناعهم بتحديد النسل!، فهل يعتبر المنادون بتطبيق التشريعات الغربية ممن هم من أبناء جلدتنا للتخبط الذي يعيشه الغرب جراء قوانينه الوضعية، فيما أكرمنا الله بدين سماوي معجز في تشريعاته الثابتة والملائمة لكل زمان ومكان، ولنتذكر هنا  قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" رواه ابن حبان وصححه، ورواه أحمد و أبو داود والنسائي، وصححه العراقي وابن حجر، والألباني(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما حديث: "تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" قال عنه ابن حجر: رواه الشافعي بلاغا عن ابن عمر، وقد ضعفه العلماء كابن حجر والسيوطي والشوكاني، والألباني.
روابط ذات صلة

JoomShaper