بسام حسن المسلماني
الحركات النسوية في عالمنا الإسلامي ليس لها جذور في الشارع، أو قواعد شعبية تذكر، وإنما هي حركات نخبوية في الأساس، يقوم عليها بعض المنتفعين أو بعض المتغربين، ولكن على الرغم من ذلك، فإن لها تأثيرا كبيرا في واقع حياتنا، وذلك يعود إلى عدد من الأسباب نحو الدعم الغربي والدولي لما تطرحه من قضايا وأفكار، أو نتيجة لتبني عدد من أصحاب السلطة والنفوذ في بعض البلدان لمطالبها، غير أن التأثير الكبير لهذه الحركات هو نتاج امتلاكها آلة إعلامية ضخمة تدعمها وتضغط من خلالها على صناع القرار.
سنحاول من خلال هذا المقال أن نكشف عن عدد من أساليب هذه الحركات في الترويج الإعلامي لقضاياها ومطالبها، من خلال استعراضنا للورقة التدريبية التي  أعدها "المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية" تحت عنوان: "دليل إعلامي المرأة"، وهي ورقة تدريبية موجهة للمرأة النسوية، يشرح من خلالها كيف يمكن التعامل مع وسائل الإعلام، وأهم المهارات اللازمة لاستغلال الإعلام في التأثير في المجتمع.


لكن قبل الحديث عن مضمون هذه الورقة، يجب أن نشير إلى أن المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية والذي يعرف اختصارا بـ(NDI)، هو معهد أمريكي يعمل على نشر القيم الغربية في المجتمعات العربية، من خلال تبني وتوجيه الناشطين السياسيين خاصة الليبراليين منهم و تدريبهم، ويتهم المعهد بالوقوف وراء عدد كبير من الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية ورئيسة مجلس أمناء المعهد هي مادلين أولبرايت، وزير الخارجية الأميركية السابقة. وأحد أهم البرامج التي يعمل عليها المعهد هو مفهوم التمكين السياسي للمرأة (1)، وفي هذا الإطار جاءت هذه الورقة "دليل إعلامي المرأة"، حيث يتم تدريسها وتدريب الناشطات النسويات عليها، حتى يتمكن من تنمية مهاراتهن في التواصل والتأثير في المجتمع.


إستراتيجية إعلامية
في بدايته يدعو دليل النسويات إلى ضرورة وضع إستراتيجية إعلامية تشتمل على تحديد الهدف، واستيعاب طبيعة المهمة التي تقوم بها المنظمة التي تنتمي إليها الناشطة النسوية، والصورة التي تسعى لترسيخها في أذهان المتلقي من خلال تعاطيها مع وسائل الإعلام، والموارد المتاحة وتوسيع دائرة العمل، من خلال مشاركة الآخرين. ويطالب البحث بضرورة تعين الجمهور المستهدف من العمل الإعلامي، ومحاولة فهم وتبني طريقة تفكير الجماهير المستهدفة، وتحديد المنافذ الإعلامية المناسبة، على أن تتسم الخطة الإستراتيجية بالمرونة من خلال مراجعة الخطط عند تغير الظروف أو التعثر في التطبيق.

قواعد أساسية
ثم تشرح الورقة عدد من القواعد الأساسية التي يجب الالتزام بها في الخطة الإعلامية منها:
- الاستعلام عن وسائل الإعلام المنتشرة في بيئة الناشطة.
- التواصل مع الإعلاميين البارزين في بيئة الناشطة وعمل صداقات قوية، وإرساء علاقات طويلة الأمد معهم، من خلال الاتصال بهم باستمرار، ودعوتهم بشكل منتظم للمشاركة في الفعاليات.
- فهم المزاج العام للمجتمع أو البيئة المحيطة متى تتأثر ومتى تتعاطف.
- فهم طبيعة تعامل وسائل الإعلام لقضايا المرأة، وتحرى أسلوب تناولها، هل يتم بصورة تتوافق مع أهداف الناشطة أم تعارضها.
ثم توضح الورقة بالتفصيل معنى الحملة الإعلامية، وما تضمنه من بيانات صحفية، وتوضح كيف يمكن صياغة بيان صحفي وأهم المعلومات التي يجب إدراجها في البيان الصحفي حتى يجيب عن الأسئلة الخمسة من، ماذا، متى،أين، لماذا؟ والأسلوب الأمثل لصياغة البيان.

كما تشرح الورقة كيفية: إعداد مقال أو عمل مقابلة تلفزيونية، وتنصح بضرورة تدوين أهم ثلاث نقاط محورية يجب على الناشطة إبرازها خلال المقابلة مع سرد قصة أو ضرب مثال لإيضاح كل نقطة، مع الاستعانة بالأرقام دون الإفراط في استخدامها لأن الناس تمل من الإحصاءات.

وتبين طرق التعامل المختلفة مع المقابلات، نحو كيف يمكن التهرب من سؤال لا تود الناشطة الإجابة عليه، وكيفية الإجابة في حال كانت الأسئلة سلبية، وأسلوب التعامل مع المقاطعة المستمرة من المحاور.

وتفصل الورقة في أساليب التعامل مع الصحف والمراسلين والمجلات والإذاعة والتلفاز وأسلوب إلقاء الخطب ووسائل التواصل الاجتماعي.

بعد هذا الاستعراض السريع لهذه الورقة التدريبية نشير إلى عدد من الملاحظات:

1- هذه الورقة التدريبية وغيرها من الدراسات التي يصدرها هذا المعهد عن المرأة في المجتمعات الإسلامية، تشير إلى محاولة السيطرة الأمريكية على العقول والاختراق الأمريكي للمنظمات النسوية، وفي ضوء ذلك يتم طرح أكبر قدر من المشروعات البحثية التي تحاول فهم المرأة المسلمة من كافة النواحي، حتى في أشد التفاصيل الحرجة الخصوصية. إضافة إلى دعم كل المشروعات البحثية التي من شأنها تغريب المرأة في مجتمعاتنا ووضعها في إطار عولمي ليبرالي، يجردها من أي ضوابط عقدية أو مجتمعية.

2- كانت السيطرة والاختراق الأمريكي لمثل هذه المنظمات في الماضي يتم بشكل مستتر غير معلن، أما الآن فيتم بشكل معلن وواضح تحت دعاوي نشر الديمقراطية، وتعزيز الحريات في المجتمعات، ويتم من خلال ذلك التوصل لأدق التفاصيل.

3- الاهتمام بفكرة التمكين السياسي للمرأة، ومشاركة المرأة في العمل العام، والعمل السياسي بوجه خاص، يهدف لتولي النسويات سلطات في البلاد تمكنهن من فرض أجندتهن الاجتماعية والثقافية والقيمية في ظل فشل النسوية في فرض هذه الأجندات، من خلال القواعد الشعبية لعدم قناعة المرأة المسلمة بالطرح النسوي الصادم والمضاد لعقيدتها وقيمها.

4- تدرك الدول الغربية أهمية الإعلام ودوره في التأثير في المجتمعات؛ لذلك تحرص على تدريب وتأهيل ممثليهم في بلادنا حتى يبدو مقنعين بما يطرحونه من أفكار قد تكون صادمة لقيم هذه المجتمعات.

5- التدريب الإعلامي للنسويات هو أحد أنشطة المعهد، وهناك العديد من الأوراق التدريبية الأخرى التي تهدف لتعزيز قضية التمكين السياسي للمرأة، منها: "الديمقراطية في مواجهة التغيير،  دليل إلي تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية"، "تقييم برامج الأحزاب السياسية للمرأة: أفضل الممارسات والتوصيات"، "تعزيز مكانة المرأة في الأحزاب السياسية"، "دليل المرأة الشابة إلى القيادة"، "الترشح من أجل التغيير، تعزيز مكانة المرأة في الأحزاب السياسية".

6- المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية ليس هو المنظمة الوحيدة التي تعمل في هذا الإطار، بل هناك عشرات المنظمات الدولية التي تعمل في هذا الإطار منها على سبيل المثال لا الحصر(2):

- مؤسسة فورد: من أنشط المؤسسات التمويلية التي تدعم الحركة النسوية في العالم العربي, والتي يصنفها رفعت سيد أحمد "بأنها أخطر مؤسسات التجسس العلمي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية".

- المعونة السياسية العالمية"ICA": هذه المنظمة لها أنشطة ميدانية في الدول العربية خاصة مصر.

- الأميديست: هدفها نشر ثقافة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط, وقد زاد اهتمامها في السنوات الأخيرة بالبرامج النسوية, وانفردت لفترة طويلة بعمل برنامج طويل المدى للحقوق القانونية- خاصة المرتبطة بالمرأة- يؤدي هذا البرنامج إلى توثيق الروابط بين العاملين في الحقل القانوني والمنظمة الأمريكية, عن طريق تعليمهم اللغة الإنجليزية, وإعداد دورات لتعليم الحقوق القانونية بالإنجليزية.

- الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية-USAID : هي الوكالة الرئيسية التي تطبق المعونة الثنائية الأمريكية, وتقدم القروض والمنح للمشروعات في الدول العربية في مجالات عدة, منها: المرأة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات:
حول مفهوم التمكين السياسي للمرأة، انظر مقال "على هامش بكين +15 ... التمكين السياسي للمرأة"، سيدة محمود، موقع لها أون لاين على الرابط التالي :
http://www.lahaonline.com/articles/view/18075.htm

 

JoomShaper