كلنا شركاء
على الرغم من بؤس حال النساء السوريات في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، من احتمالات التجويع والحصار وفقد الأبناء والرجال، والخوف المطبق، إلا أن باب النزوح لا يكون غالبا مطلا على مصير أفضل.
ومنذ اللحظة الأولى تدرك المرأة السورية أنها تغادر بيتها الذي بنته وحلمت أن يكبر فيه أطفالها، ويتعلموا ومنذ الخطوة الأولى للنزوح تدرك أنها مجبرة على التخلي عن كل تلك الأحلام أملا في سماء آمنة ترقد تحتها مع صغارها.
في خيام النزوح واللجوء في سوريا والجوار 81% من اللاجئين هم نساء وأطفال، والعنصر الأهم الذي يميز هذه المخيمات هو انعدام الخصوصية، نتيجة لعوامل الديموغرافية في المكان، كما أن الفتيات والنساء يتعرض لأنواع العنف الجسدي والجنسي ابتداء من اللفظي ووصولا لما هو أخطر.وهؤلاء النساء والفتيات غالبا هم بلا رعاية صحية، وإذا كان هنالك من رعاية صحية فإنها تمر عبر الرجل، الطبيب أو الممرض أو المترجم، وهذا ما يجعل من مراجعة الطبيب محظورة لدى كثير منهن، بشكل ذاتي.
وبينما تسعى الكثير من المنظمات لإقامة ورشات عمل للتوعية، وللتثقيف، ولتأهيل هؤلاء النساء للعمل، ومساعدة المحيط على تجاوز الأزمات، بما في ذلك العمل الإغاثي والتوعوي والانتاجي، فإن العقل الشرقي يبقى المعوق الأساسي الذي تواجهه هذه الورشات.
فبينما تصطدم كثير من المشاريع الطموحة للنهوض بواقع المرأة بضعف الامكانيات المادية تصطدم أفكار أخرى بأفكارنمطية مسبقة حول المرأة وما يجب أن تفعله وما يجب أن تكون عليه.
وفيما ترتفع معدلات الانجاب لدى السوريات اللاجئات، لأسباب عديدة اجتماعية ونفسية، ولأخرى تتعلق بعدم توافر حبوب منع الحمل في مخيمات اللجوء، وبرفض تناولها في حال توفرها.
في أكثر من حالة قامت مجموعات ناشطة على الأرض بمحاولة توعية النساء السوريات بضرورة تنظيم النسل خصوصا في الوضع الصعب الذي يعانينه في مخيمات اللجوء كن يحاربن ويتهمن بنشر “الكفر” و “الرذيلة”!
وبالتأكيد فإن الأمر يصبح كارثيا في حال الحمل، مع نقص التغذية وضعف المتابعة الطبية للحمل، مما يزيد أيضا من حالات وفيات الأحمال والخدّج والرَّضّع.
هنا نتذكر تركيز كثير من إعلام النظام على تصوير اللاجئات السوريات يعملن بالدعارة ويتعرضن للاغتصاب و.. و.. في كثير من الأحيان يكون ذلك جزءا من تشويه سمعة المرأة المنخرطة في الثورة، تماما مثل تركيزه على ظاهرة “جهاد النكاح” لتشويه سمعة معتقلاتنا الحرات.
ورغم ذلك فإن النساء في المخيمات وفي بلدان اللجوء، وفي أكثر من نموذج يثبتن أنهن قادرات على إثبات أنفسهن وتحمل مسؤولياتهن في ظل عطالة الرجل وفقدانه عمله، أو غيابه عن الأسرة.
ربما يعود الأمر في ذلك بشكل رئيسي إلى تربيتنا الشرقية التي تفترض في المرأة الصبر والتحمل وابتكار الأدوات للاستمرار في الحياة، ليس لسبب ذاتي، بل لحماية أفراد أسرتها والعناية بهم.
وغالبا ما تكون المرأة السورية اللاجئة، والعقل السوري في العموم، أمام اختبار حقيقي لأفكارنا الجندرية، وأمام اختبار حقيقي لمعنى المساواة أمام ظروف الحياة الصعبة، والمتغيرة.
إحدى المساعدات الاجتماعيات في المدينة التي أقطن فيها بجنوب فرنسا، سألتني مستغربة حول اقدام حوالي ثمانين بالمائة من النساء العربيات اللاجئات على طلب الطلاق، إذا كن قد وصلن مع أزواجهن، خلال السنتين الأوليتين من لجوئهن إلى هنا؟
بالطبع فالأمر يتعلق بفرص الضمان الاجتماعي والدعم والتأهيل الذي تحظى به المرأة هنا في الغرب، حتى وإن لم تنل قسطا وافرا من التعليم من قبل.
وربما يتعلق الأمر بفكرة المساواة التي تقض مضاجع الرجل منذ وصوله إلى هذه البلاد.
وفي النهاية فإن المرأة، السورية اللاجئة، على وجه الخصوص تثبت لنفسها أولا، أنها ما تزال قادرة على تولي أمور أطفالها حيثما حط بها الرحال.
ربما قد لا تكون المعاناة سيئة بكل نتائجها، وربما تغير فكرة هؤلاء الأطفال عن أمهاتهن، حين يرونها بعين التقدير، وربما يخرجون بتصورات تخالف تصوراتنا وأفكارنا المسبقة عن المرأة!