سليم العمر – اللاذقية: شبكة تفاعل التنموية
على عكس حالات الطلاق التي ازدادت في السنة الحالية في الساحل السوري , نادراً ما نسمع في هذه الأيام عن حالة زواج , وتتفاوت هذه النسب بين المدينة والريف .
ففي المدينة لم تعد ترى هناك أي افراح سيما أيام الخميس , لكنك تسمع كل يوم أصوات سيارات الإسعاف القادمة من مناطق القتال القريبة في الريف المجاور بالإضافة الى رشقات الرصاص المرافقة لها .
والأسباب في هذه الظاهرة كثيرة ومتعددة , لكنّ رفض الأهل لتسهيل زواج البنت هو أحد أهم هذه الأسباب التي تمنع هذا الزواج , فمازال بعض الأهالي يعيشون وكأن الثورة غير موجودة , فالأوضاع داخل المدينة تكاد تكون شبه مستحيلة العيش , إما بسبب تشديد القبضة الأمنية أو بسبب صعوبة إيجاد مصدر رزق دائم .تقول أم خالد في تصريح خاص للشبكة ” على الرغم من أن الأهل يريدون حياة افضل لبناتهم , لكن في هذه الظروف المأساوية يجب القبول بالزواج ولو بأدنى الشروط فأنا شخصياً تزوجت في بداية الثورة بظروف صعبة جداً , وذلك لقناعتي بأن الحياة يجب أن تستمر , ويستمر معها بناء الأسر الجديدة ” .
وهذا الرفض من قبل الأهالي , حتى ضمن قواعد الشريعة الإسلامية غير مقبول , تلك القواعد التي تؤكد على وجوب القبول بشروط بسيطة لمقتضيات المرحلة الصعبة .
فاليوم في شوارع مدينة اللاذقية , لا تجد في الأسواق سوى النسوة والأطفال , أما الشباب فنادراً ما يكونوا في الشوارع أو الأماكن الترفيهية أوالمنتديات , ولابد أن هجرة الشباب من المدينة له دوره الكبير في ارتفاع حالات العنوسة في المجتمع المدني , هذه الهجرة القسرية في معظمها , إما بسبب طلب سلطات النظام لهم للخدمة الإلزامية الاجبارية , أو بسبب التضييق الأمني في الأحياء المعارضة .
فاليوم يذهب الكثير من الشباب السوري الى الدول المجاورة ( لبنان وتركيا والأردن ) لكون أسمائهم أصبحت على قائمة المطلوبين لدى النظام .
لكن الأخطر من ذلك كله , هو الهجرة النهائية لهؤلاء الشباب إلى بلاد اللجوء سيما أوروبا وأمريكا , وتركهم لسوريا ككل وتخليهم عن بلدهم الذي يعاني مأساة العصر بكل ما تعني الكلمة من معنى .
وأما الريف , فحاله لا تختلف كثيراً عن المدينة , وعدم الاستقرار هو سيد الموقف هناك , فقصف قوات النظام لمعظم الأماكن أجبر أكثر من سبعين بالمئة من السكان إلى مغادرة الريف, إما الى تركيا (إذا كانوا ميسوري الحال ) , أو إلى مخيمات اللجوء على الشريط الحدودي , حيث الجوع والفاقة هما المسيطران , في بيوت على شكل خيم .
ومن بقي في تركيا من الشبان الذين لم يستطيعوا الهجرة , فهم يكافحون لأجل البقاء , فغلاء المعيشة وصعوبة إيجاد فرصة عمل هو سبب تعاسة هؤلاء الشبان الذين تقطعت بهم السبل من سوريا الى تركيا الى اليونان الى إيطاليا .
وبمجرد أن تفتح الانترنت وتقوم ببحثٍ (بالعربية والانجليزية) عن شباب سوريا فلن تجد إلا الويلات والقصص التي تسمعها لأول مرة , فقبالة السواحل الإيطالية هناك عشرات الجثث لشبان فروا من ويلات الحرب في سوريا ليلقوا حتفهم في بحر هائج كما بلادهم التي غادروها مكرهين , وفي اليونان (في أثينا تحديداً) هناك حي كامل يقطنه الشبان السوريون الفقراء الذين نفدت نقودهم في بلد العبور (اليونان) , هذه النقود التي كانت كل ما استطاعوا أن يجمعوه في بداية حياتهم وهي لا تتجاوز البضع آلاف من الدولارات في أفضل الأحوال , قامروا بها على أمل العبور إلى حياة أفضل .
أحد الشبان الذين وصلوا مؤخراً إلى المانيا قال في تصريح خاص للشبكة : بقينا عشرين يوماً في بحر هائج , حيث رأينا عزرائيل أكثر من عشرين مرة , لكن رحمة الله كانت تنقذنا في كل مرة, وصلنا الى إيطاليا لننسى ما حدث معنا وننطلق الى حياة جديدة ” وقد قال هذا الكلام بصوت خافت , نتيجة خوفه أن يسمعه أحد الركاب يتكلم العربية , فيعرف بأنه لاجئ عربي .
وفي مدينة الريحانية التركيا , يمكنك أن تميز الشبان السورين في كل صلاة جمعة , جالسين في المقاعد الأخيرة من المسجد على كراسي العجزة , نتيجة إصابتهم اثناء المعارك مع النظام السوري في مختلف بقاع سوريا , وبعد الصلاة يخرج هؤلاء الشبان إما محمولين أو باستخدام أداة تساعدهم على المشي , هؤلاء الشباب بالكاد يجدون من يطعمهم ويهتم بهم , فكيف سيقبل أحد بتزويجهم .
وأما الفتيات اللواتي لحقن بركب الثورة , أصبحن لا يقبلن إلا بمن هو من مستواهن , خاصةً بعد أن تحولن إلى ناشاطات ومعتقلات , يتسابقن غلى المنظمات , كي يجدن فرص عمل , ولا يتركن أي مجال للشباب الذين إن دخلت الى مكان نومهم ستفاجأ من انتفاء أي شرط من الشروط الإنسانية للحياة والسكن .
إضافةً لكل هذا , فإن عدد الشبان المعتقلين الذين بلغ أكثر من مئة ألف شاب , ساهم كثيراً بارتفاع نسبة العنوسة , هؤلاء الشبان , منهم من ترك خلفه أسرة تصارع للبقاء , ومنهم من ترك أماً ليس لها بعد الله غيره .
هكذا صارت الحياة في اللاذقية خصوصاً وفي سوريا عموماً , خاليةً من زغاريد الفرح , ليس لقلة الحيلة أوالظرف المادي الصعب فقط , بل لأن أصحاب الموقف الرمادي مازالوا يعيشون في عالم من الخيال بانتظار الشاب الغني الوافر ليطرق بابهم بحثاً عن زوجة .
ولكن , وعلى الرغم من هذه المآسي , فإن قلب الشاب السوري المقهور , ما يزال يفرح لصوت طفل صغير يصرخ ويملأ خيمته فرحاً , ولا زال إيمانه بأن الحياة أقوى من الحرب والموت ,إيمانه هذا يدفعه إلى العمل كَعتّالٍ إذا اضطر الأمر , متناسياً شهادته الجامعية التي أمضى سنيناً لتحصيلها .