رقية خالد
سألتْني ذاتَ يوم: هل أبدو أجمل بالحجاب؟
حينها تردَّدتُ كثيرًا قبل أن أُجِيبها، كيف أخبرها بأنها الأجمل، وقد غطَّت ذلك الشَّعرَ المنسكب على الأكتاف، والوجهَ الذي طالما اهتمَّت به ووضعت كل المساحيق عليه، والجسدَ الذي تغزَّل فيه العرب قبل العجم، كيف؟!

وودتُ لو أخبرتها لو كنَّا أجملَ بالحجاب، لارتدينا حجابًا يحجب ذاك الجمالَ، فقضيَّتنا إخفاءُ الجمال وستره، لا اختيار ما الذي يجعلنا أجمل!
سنكون الأجمل، ولكنْ جمالٌ مختلف عن ذلك الذي نراه في طرقاتنا ومجالسنا، سلتبسينه وسترَين بعينك أن غيرك الأجمل، ولكنَّ الله لا يرى بعيننا، فالحمدُ لله على تلك النعمة.



أن تنظري للمرآة وقد لوَّنتِ خصلات شعرك، ووضعتِ مساحيق وعطورًا جعلَتْك زهرةً متفتحة تمشي على الأرض، ثم تختاري أن تحجبي ذلك كلَّه عن كل مَن لا يحل لهم رؤيتُك، فقط بأمر منه سبحانه، بالطبع لا يوجد ثمة جمال ظاهري سترينه حينها، ولكن نحن لا نبحث عن الأجمل في الدنيا، فالجمال خلَقنا الله به، سواء أخفيناه أم أظهرناه، وكلٌّ منا له جماله الذي خلقه الله به، ولكن ما نحن مأمورون به أن نُظهِر التقوى ونكون القدوة، أن نُظهر جمال قلوبنا وأرواحنا، أن نبحث عن مراد الله في كل خطوة فعلناها، وكلِّ أمر تركناه.

لو كان الأمر بالجمال الذي توهَّمناه يومًا، ما ارتدينا الواسع الفضفاض، ولا أخفينا جسدنا تحت لباس لا يصف ولا يشفُّ، ولا سِرْنا في طريقٍ حُفَّ بالمكاره ليخلفنا الله بكلِّ ما تركْنا أضعافًا أضعافًا في الجنة.

ليس عبثًا أن نُمتحن في جُلِّ ما تعلقت قلوبنا به، ليس عبثًا أن نكون خُلقنا وجُبِلنا على حبِّ الحلي والحرير، ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18].

نشأنا وترعرعنا في الحلي والزينة منذ نعومة أظفارنا، وإهداء والدينا لنا تلك الدُّميةَ التي نُمشِّط شعرَها ونزيِّنها، إلى أن نُكفَّن ويمشَّط شعرُنا بضفيرتين.
ليس عبثًا أن نُخلق وقد استقرَّ فينا حبُّ أمر، ثم نؤمر بإخفائه إلا لمن أحلَّهم الله لنا.

وليس عبثًا أن يُرغِّبنا الله في الجنة بأساورَ من ذهب، ولباس سندس وإستبرق، ونُحلَّى باللؤلؤ والحرير، ونكون حينها أجمل من الحُور العِين.
إن جُلَّ ما تركناه يومًا ها هو الله يرغبنا فيه، بل وأكثر، ها هو الله يجعلنا نستشعرُ قولَه تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96]، فالله تعالى لا يريد حجابًا على الرأس وحسب، فحجاب الرأس بالطبع لا يساويه كلُّ ذلك النعيم الذي رغَّبنا الله فيه، بل حجابًا على الجسد كله، وعلى الروح إن شئنا.

حجابًا عن التعلق بزينة الدنيا، وإنه مهما استمتعنا بها إلا أننا نعيش في دار ممر لا مستقر!
أن نُجبَل على حب أمر، وبأمر منه سبحانه نُخفيه، وبأمر آخر نُظهره حينًا.
حجابًا يحجبك عن كل ما يسوءُك يومًا.
حجابًا يخبرهم أنكِ مؤمنة بقضية وبدينٍ، ليست مجرد جسد يبحث عمَّا يجمِّله ويزينه فيظهره.
حجابًا يخبرهم أن الجمال باقٍ فينا وإن سترناه يومًا.
أن تجعليهم يشعرون بجمالك دون أن يَرَوْه.
أن يكون جهادك في الدنيا ليل نهار هو حجابك.
أن يكون ارتداؤك له فقط ليرضَى الله عنك، فقط له ولأجله.
أن تحتسبي أنه جهاد قبل أن يكون حجابًا، بل والله إنه لأعظم أنواع الجهاد جهاد هوى النفس، فما بالك بحجابٍ يحجبك عن ذلك الهوى، الذي طالما جاهدناه وفي كل مرة ينتصر، فأحسِني جهادك ليحسُن الجزاء، فجهاد يتخلَّله بعض الهوى لا يجتمعان، فاربئي بنفسك عن أحدهما.
حتسبِيه حجابًا لقلبك قبل أن يكون حجاب رأس، وسينعم الله عليكِ بالجمال، الذي طالما بحثتِ عنه وتوهَّمتِ يومًا أن سترينه في المرآة، التي طالما حصرنا رؤية الجمال فيها.
وأخيرًا أخبرتُها: ربما لن تكوني الأجمل بالحجاب، ولكن ستشعرين بجمالٍ فاق ذاك الجمالَ الذي سألتِني عنه، ستشعرين بالجمال في نفسك، ستشعرين بجمال انتصارك على هوى نفسك والشيطان.

JoomShaper