صدر بتاريخ 16/7/2017 في سورية المرسوم التشريعي رقم 230، والذي يقضي “بإلغاء تحفظ الجمهورية العربية السورية على المادة الثانية من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” والمصدق على الانضمام إليها بموجب المرسوم رقم /330/ تاريخ 25/9/2002 بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية” .
وهو مثال على الوجه الحضاري العلماني المزيف الذي دأب النظام على التزين به لإيهام الناس وخاصة غير العارفين وغير المهتمين بالقضية النسوية بأنه المدافع الأول عن حقوق المرأة كنظام علماني يقف في وجه التشدد والتطرف الديني، إلى غير ذلك من الأكاذيب التي روجها ويروجها دائما.

وهنا لابد من سرد الحكاية من البداية.
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي يطلق عليها اختصارا اسم (السيداو) CEDAW هي معاهدة دولية تم اعتمادها عام 1979 وتوصف بأنها وثيقة حقوق النساء الدولية.
يرد في مقدمة الاتفاقية أن الدول التي تصادق عليها ملزمة ليس فقط بشجب جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وإنما باتخاذ الإجراءات المختلفة للقضاء على هذا التمييز، وأن عليها كذلك تجسيد مبدأ المساواة في دساتيرها الوطنية أو قوانينها الأخرى، وتبني التدابير التشريعية بما في ذلك الجزائية منها، والامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام، واتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة، والعمل على تغيير الأنظمة والأعراف والممارسات القائمة والتي تشكل تمييزاً ضد المرأة.
رفض النظام السوري التوقيع على الاتفاقية سنوات عدة رغم مطالبات التجمعات النسوية السورية العديدة، والتي كان صوتها مخنوقًا بسبب منع ترخيصها من قبل أجهزة الأمن السورية وحصر النضال النسوي بالاتحاد النسائي الذي لم يكن له همّ سوى التهليل والتطبيل لإنجازات السلطة العظيمة، فحتى عام 2001 عندما سئلت رئيسة الاتحاد النسائي في مقابلة لها (في جريدة الثورة السورية في 22/ 2/2001) عن سبب عدم توقيع سورية على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) أجابت “لأن عدم توقيع الاتفاقية حتى الآن لا يسبب أي مشكلة فالمرأة في سورية لا تعاني أي تمييز في ظل الحقوق التي نالتها”!!!
ولكن كعادته عند اشتداد الضغوط الدولية، فاجأ النظام رئيسة اتحاده النسائي بعد عام من هذه المقابلة بمرسوم تشريعي حمل الرقم 333 بتاريخ 26 / 9 / 2002 يعلن انضمام سورية إلى هذه الاتفاقية، ولكن بعد أن وضع تحفظات عليها مشابهة للتحفظات التي وضعتها باقي الأنظمة العربية الاستبدادية (ومن بينها السعودية) أفرغت محتوى هذه الاتفاقية من مضمونها وألغت أي أمل للنساء بالاستفادة من هذه الاتفاقية في تحسين أوضاعهن، خاصة على الصعيد القانوني.
أهم هذه التحفظات تحفظه على المادة 2 من الاتفاقية والتي تتضمن تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين، وضمان الحماية القانونية لها من أي فعل تمييزي يصدر عن منظمة أو مؤسسة أو شخص، والعمل على تبديل القوانين والأنظمة والأعراف بما يتناسب مع ذلك، لأن ذلك سيلزمه بتغيير المواد الدستورية والقانونية المميزة ضد المرأة. كما تحفظت سورية على المواد التالية: المادة 9، فقرة 2، المتعلقة بمنح المرأة حقاً مساوياً للرجل في منح جنسيتها لأطفالها؛ والمادة 15 فقرة 4 : التي تمنح المرأة حقاً مساوياً للرجل فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم؛ ومادة 16، بند 1، فقرات ج، د، و، ز، والتي تمنح المرأة حقوقاً مساويةً للرجل في الزواج والطلاق والولاية والقوامة والوصاية، كذلك الحق في اختيار اسم الأسرة، والمهنة، والوظيفة، وتحديد سن أدنى للزواج، وتسجيله إلزامياً. كما تحفظت سورية على المادة 29 : فقرة 1 المتعلقة بتحكيم أي خلاف ينشأ بين دولتين فيما يتعلق بهذه الاتفاقية.
كمبدأ يعتبر أي تحفظ على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحد ذاته تمييزاً ضدها. كما أن هذه التحفظات تتطابق مع كل ما يحمل تمييزاً ضد المرأة في القوانين السورية كمواد قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات، والتي تتعارض أصلاً مع المادة 33 من دستور الجمهورية العربية السورية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، والمادة 23 التي تشير إلى تشجيع الدولة لمساهمة المرأة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وقد استند المشرعون في إقرارهم المواد التي تحمل تمييزاً ضد المرأة في قانون الأحوال الشخصية إلى حجة أنها مستقاة من الشريعة الإسلامية.
لقد أثارت التحفظات التي وضعتها سورية على الاتفاقية حفيظة الكثير من الناشطين والمهتمين والمدافعين عن حقوق المراة، ما قادهم إلى دراسات متعددة تؤكد عدم تعارض مواد الاتفاقية مع الشريعة الاسلامية ، وأن المشرعين القانونيين اعتادوا أن يستندوا إلى أكثر الآراء الفقهية تمييزا ضد المرأة، التي سمحت لهم بها المادة الثالثة من الدستور التي تقول في فقرتيها الثانية والرابعة:
– الفقه الاسلامي مصدر رئيسي للتشريع
– الأحول الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية
بما يخالف المادة 33 من الدستور نفسه التي تضمن التساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الجنس أو أي سبب آخر.
المادة الثالثة في الدستور هي الثغرة الدستورية التي سمحت بإقرار قانون أحوال شخصية مميز ضد المرأة، ومواد مميزة ضد المرأة في قوانين الجنسية والعقوبات وغيرها، وبالتالي ألغت مبدأ المواطنة بعدم المساواة في الحقوق بين النساء والرجال وبين النساء أنفسهن في الوطن الواحد.
المضحك في الأمر أن الحكومة السورية كذبت عند تقديمها تقريرها الأول إلى لجنة السيداو عام 2007 وادعت أن سوريا ملتزمة بإلغاء بعض هذه التحفظات، ثم أخلت بوعدها بكل بساطة، ما أدهش لجنة السيداو التي لم يمر عليها لا من قبل ولا من بعد حكومة تكذب هذا الكذب الفاضح.
ولتبرير كذبه عقد النظام جلسة لمجلس الشعب في الشهر العاشر من عام 2008 أعلن بعدها رئيس مجلس الشعب “تأكيد المجلس “بالإجماع” على التحفظات الواردة بالمرسوم 330 على اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة السيداو كما وردت”، والتي تعفي سورية الموقعة على الاتفاقية من إي التزام بتغيير قوانينها وأنظمتها النافذة، التي تحمل تمييزاً ضد المرأة، ودون أن يكلف اي عضو من مجلس الشعب نفسه عناء نقاش هذا القرار، بما فيهم إحدى وثلاثين نائبة في المجلس، لم يكن لديهن على ما يبدو أي فكرة عن المواد المجحفة بحقهن في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات، والتي تدعو تلك الاتفاقية إلى استبدالها بمواد عادلة تجاه المرأة.
فيما بعد تابعت المناضلات النسوية مطالباتهن بإلغاء تحفظات سوريا على الاتفاقية فأطلق تجمع سوريات، الذي ضم مجموعة من الهيئات السورية المعنية بقضايا المرأة نداء، كما شارك بتحالف عربي للمنظمات غير الحكومية لإطلاق حملة “مساواة دون تحفظ”.
كما طالبت تلك المنظمات بالتصديق على البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية والمتعلق برفع شكاوى التمييز ضد النساء وآلياتها والتوعية بمضمون الاتفاقية. وثابرت المنظمات النسوية السورية على تقديم “تقرير ظل” يدحض التقرير الحكومي الذي كان يمتلئ بالأكاذيب والادعاء بإنجازات وهمية داعمة لحقوق النساء ووضعهن العام، في كل دورة تعقد للجنة سيداو كل 4 سنوات.
وقد دأب النظام على مفاجأة الرأي العام كل فترة بفرقعة إعلامية تظهر دعمه لحقوق النساء، كتعيين نساء في مناصب قيادية كلنا نعلم كم هي خلبية، وأن النساء في تلك المناصب لسن سوى أبواقًا تردد حرفيا ما تسّطره لهن الأجهزة الأمنية، ولا يجرؤن على مخالفتها بحرف واحد، حتى أن إحدى وزيرات الشؤون الاجتماعية والعمل عندما اجتمعت مع إحدى المنظمات النسائية -التي حصلت بإعجوبة وعلاقات شخصية على ترخيص- لتوبخهن على مطالباتهن بتغيير المواد المميزة ضد المرأة في قانون الأحوال الشخصية، كانت تضع آلة تسجيل تسجل الحديث بينها وبينهن لعرضة على الأجهزة الأمنية دون خجل أو حياء، وطبعا أصدرت بعد ذلك أمرًا بحل تلك الجمعية.
والفرقعة الإعلامية قبل الأخيرة كانت بتعيين امرأة رئيسة لمجلس الشعب ما لبث أن طردها النظام شر طردة، ربما بسبب تجاوزها للتعليمات الحرفية التي كانت تردها من أجهزة الأمن.
النظام السوري رغم انشغاله بإبادة وتهجير الشعب السوري وتدمير تاريخ وحاضر ومستقبل سوريا لديه الوقت ليشعر بالغيرة من الضجة التي أثارها الرئيس التونسي بإعلانه عن طرح موضوع المساواة بالإرث بين المرأة والرجل للنقاش العام، وإمكانية طرحه كمشروع للمصادقة عليه في البرلمان.
ويبدو أن هذا سبب توقيت الفرقعة الأخيرة التي يتوقع النظام إحداثها بهذا المرسوم الجمهوري الأخير الذي يدعي إلغاء تحفظه على المادة 2 من اتفاقية السيداو، لكنه يبدو انه يستغبينا عندما يتذاكى ويضع جملة “بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية” والتي ستتيح لفقهاء السلطة، كما دوما، الابقاء على التمييز ضد المرأة في الدستور والقوانين السورية دون تغيير، بحجة أن إنصاف المرأة يتعارض مع الشريعة الاسلامية.

 

JoomShaper