م.غيث القضاة
زرتُ تركيا في الشهرين الماضيين مرتين ،كانت إحداهن في رمضان ،و لقد كنت أتساءلُ هناك كيف إستطاع حزب العدالة و التنمية أن ينجح و يتفوق في هذه الاجواء ؟فكأنك تسيرُ في شوارع اوروبا تماما من حيثُ لباس الكثير من الشباب و الشابات و حركاتهم و تصرفاتهم ،و شيوع العناق و التقبيل في أنفاق المترو و غيره ، و حيث الافطار في نهار رمضان و الجو العام للمجتمع الذي لا يختلف عن أجواء اوروبا للوهلة الاولى في شيء الا وجود المآذن و المساجد المنتشرة بشكل كبير و جميل في اسطنبول ، و ظللتُ أتساءل و أسأل :كيف نجح هؤلاء و كيف سوّقوا لمشروعهم الاسلامي بين اولئك الشباب و في مثل هذا المجتمع الذي شوهته العلمانية و كادت أن تأتي عليه و تقتلعه من جذوره الاسلامية ! جائتني إجابة في الزيارة الاولى حيث ذهبتُ لصلاة التراويح في المسجد و إذ بثلاث فتيات مراهقات يلبسن لباسا اوروبيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى يدخلن معي من نفس باب المسجد! فاعتقدتُ بداية أنهن قد ضللن الطريق فوقفتُ أنظر اليهن وإذ بهن يُخرجن لباس الصلاة من حقائبهن و يلبسنه ثم يدخلن المسجد للصلاة جماعة مع المُصليات فأدركتُ حينها بعض الاجابة ،و عرفت حينها سرُ هذا الدين العظيم الذي ما إن تملك في قلب أحد الا و أصبح كيانه و روحه الذي يُسيره مهما ابتعد الانسان عن ربه و ضل. في الرحلة الثانية و عند خروجنا من مطار اتاتورك و عند صالة المغادرة و حيث لا يوجد مكان للصلاة في داخل الصالة أردتُ أن أصلي مع مجموعة من الاصدقاء فأخترنا زاوية نصلي فيها ، فتهيأ الامام للصلاة و إذ باحدى الموظفات غير المحجبات تأتي الينا من بعيد و هي تُشير الينا و تصرخ و تتحدث باللغة التركية ،فخشينا أننا قد اخترنا مكانا ممنوعا و لكنها عندما جاءت الينا مسرعة قالت باللغة الانجليزية: بانه لا ينبغي لنا أن نُصلي حيث يوجد أمامنا في الزاوية (سلة مهملات صغيرة) فقامت بازالتها و أخذتها جانبا و قالت لنا : الان بامكانكم أن تُصلّوا !!

فقلت سبحان الله ، خشيت هي على صلاتنا أن تكون غير صحيحة بسبب وجود هذه السلة الصغيرة جدا التي لم ننتبه اليها مع أن مظهرها و شكلها يوحي بانها لا تعرف الصلاة أو الصيام ، فأدركتُ حينها بعض السر في الاجابة ، و رأيت كيف امتلكت هذه الفتاة مجموعة من المشاعر و العواطف الاسلامية التي حاولت العلمانية القضاء عليها عبر سنين طوال و لكنها لم تستطع ،و بقيت هذه المشاعر و العواطف هي التي تُحرك ضمير الشعب التركي و تؤثر فيه و هو نور من نور الله الذي أقسم الله عليه بأنه متم ُ نوره و لو كره الكافرون ، هذا النور الذي تملّك قلوب هذا الشعب من شيبه و شبانه فأثّر فيهم و جعلهم من الصامدين الذين لا يتغيرون ، و لقد شاهدتُ كيف يودعون هذه الايام في المطار حُجاجهم بطريقة لطيفة فهم يضعون على رأس كل حاج و حاجة وردة جميلة ملونة بالوان زاهية يُزينون بها رؤوسهم و حجاباتهم و كأنهم ذاهبون الى فرح و أيُ فرح هو !!

كيف لا و هم ذاهبون الى أعظم بيت من بيوت الله في الارض . حدثني بعض أصدقائي الذين درسوا في تركيا عن الفتيات المحجبات عند ذهابهن الى الجامعة كيف كن يرتدين (الباروكة) فوق الحجاب‘ لتدخل تلك الفتاة الجامعة متحدية الذين يريدون تجهيلها و متحدية الذين يريدون تخلفها ، و مُعطية الدروس الحقيقية للذين لا يعرفون كيف يقاومون أو يحاربون الفكرة بالفكرة و الارادة بالارادة و العزيمة بالعزيمة و الخباثة و المكر بالدهاء و الحيلة ، حيث ذهب نفر من الاسلاميين في تركيا الى أن يمنعوا بناتهم من الذهاب الى الجامعات (فالباروكة مثل الشعر لديهم ) حتى أنهم قد شكّلوا جماعة صغيرة خاصة بهم تؤمن بهذا الطرح وتتبناه في الجامعات ، ثم إن أحد اولئك إتصل ذات ليلة بأحد الاطباء و هو يريد منه أن يدله على طبيبة مسلمة فورا لاجل ولادة زوجته ، فما كان من هذا الطبيب الا أن قال له بانفعال : من أين نأتيك بطبيبة مسلمة و أنت من الذين يُحرّمون دراسة البنات في الجامعات و هن يرتدين (الباروكة)!! و أكمل له قائلا : لذلك نحن مع أن تدرس بناتنا في الجامعات حتى نُخرّج أجيالا من البنات المسلمات اللاتي نثق بهن و بعلمن و بأدبهن و نمنع تجهيلهن الذي يضر و لا ينفع ، (و لست هنا بصدد أن اناقش الفتوى حلها من حرمتها فلقد قيل فيها الكثير ) و لكنني أتحدث عن النتيجة ، و لقد شاءت قدرة الله أيضا أن يأتي الفرج بعد صبر طويل و معارك سياسية طويلة لتزول تلك الغُمة عن تلك الفتيات و يُسمح بدخول المحجبات الى قاعات الدرس بحجابهن الاسلامي و يكأن قسم الله ماض رغم أنف العابثين .

عندما جاءت دعوة الاسلام الى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم جاءت الى قوم عقيدتهم الشرك و لكن في أخلاقهم النخوة و الشهامة و الكرم و الصدق و غيرها من الصفات الراقية التي صقلها الاسلام و حث عليها و هذبها و أعطى الاجر و المثوبة عليها فغّير الاسلام عقيدتهم من عقيدة الى أخرى لانه نور الله العظيم ، و عندما جاءت العلمانية الى تركيا جاءت الى قوم قلوبهم عامرة بذكر بالله وأخلاقهم قد صقلها الاسلام و هذبها ، فأرادوا تكفيرهم و حاولوا ذلك كثيرا بكل الطرق و الوسائل و نجحوا شكليا في تغريبهم فغيروا بعض عاداتهم و غيروا بعض سلوكياتهم وأثّروا في لباسهم و لكنهم ما أثّروا في عقيدتهم و ما استطاعوا أن يُطفئوا نور الله في قلوبهم الذي ما إن تملّك في قلب إنسان حتى أصبح كالشمس التي قد تختفي أحيانا بغمامة أو سحابة و لكن أصلها باق و ضوءها آت و لو بعد حين .

فتياتُ تركيا قد جعلته عنوانا لمقالتي، و كُلي يقين بان الخير في الاسلام و المسلمين كبير و كثير مهما تغرب ابناؤنا و بناتنا في بلادنا و غيرها ، و مهما حاولت معهم قوى الشر و الضلال و مهما فكّروا و قدّروا و مكروا و خططوا ، فالله الذي يُخطط بقدره وهو الذي يمكر فوق مكرهم و لو كره الفاسقون .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

JoomShaper